بقلم: سارة دين
تخوض معظم الشركات اليوم تجارب واسعة في الذكالي، لكن عددًا قليلًا فقط ينجح في تحويل هذه التجارب إلى قيمة اقتصادية حقيقية. والمشكلة هنا لا تتعلق بالتقنية ذاتها بقدر ما ترتبط بطريقة التفكير الإداري، وكيفية اتخاذ القرارات، ومدى جاهزية المؤسسات بشريًا وتنظيميًا للتعامل مع هذا التحول.
المؤسسات تستثمر بكثافة في الذكالي، والفرق المختلفة تطلق المبادرات والمشروعات، وبعض الشركات بدأت ترى نتائج محدودة هنا وهناك، لكن الوصول إلى عائد ملموس وقابل للقياس ما يزال أمرًا نادرًا.
هذه الحقيقة ظهرت بوضوح خلال النقاشات التي دارت في منتدى القادة العالميين للبيانات والذكالي، كما ظهرت في الحوارات المستمرة مع كبار التنفيذيين حول معنى الأداء البشري في عصر الذكالي. والمثير للاهتمام أن النمط نفسه يتكرر تقريبًا في مختلف القطاعات، بغض النظر عن درجة نضج المؤسسة أو مستوى تبنيها للتقنيات الحديثة.
تشير البيانات إلى أن ما بين 20 و30 في المئة فقط من الشركات تحقق عائدًا فعليًا من استثماراتها في الذكالي. والأكثر لفتًا للانتباه أن نحو ثلاثة أرباع القيمة الاقتصادية الناتجة عن الذكالي تتركز في أيدي 20 في المئة فقط من الشركات، بينما يؤكد كثير من الرؤساء التنفيذيين أنهم لم يلمسوا حتى الآن أثرًا جوهريًا على أعمالهم.
هذه الفجوة ليست عشوائية، بل هي نتيجة مباشرة لأنماط تفكير وسلوك إداري تتكرر باستمرار داخل المؤسسات. وإذا كانت الغاية هي خلق قيمة حقيقية لا مجرد مواكبة الموضة التقنية، فإن على القادة أن يفهموا أولًا أين يكمن التعثر، ولماذا تفشل كثير من المؤسسات في الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة التأثير الحقيقي.
أول ما يعيق المؤسسات هو التفكير المحدود الذي يركز على التحسينات الصغيرة بدلًا من التحولات الجذرية.
التجارب المحدودة وحالات الاستخدام الصغيرة مفيدة في البداية، لأنها تساعد الفرق على التعلم وتقليل المخاطر واكتساب الثقة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه التجارب إلى غاية بحد ذاتها، بدل أن تكون مجرد خطوة أولى نحو إعادة التفكير في طريقة العمل بالكامل.
كثير من المؤسسات تستخدم الذكالي لإضافة تحسينات طفيفة فوق أنظمة وإجراءات قديمة أصلًا. لكنها لا تتوقف لتسأل نفسها ما إذا كانت هذه العمليات تستحق أن تستمر بالشكل الحالي. فإذا كانت العملية معطوبة أو غير فعالة من الأساس، فإن الذكالي لن يفعل سوى تسريع الخلل أو تجميله قليلًا.
السؤال الحقيقي ليس: كيف نؤتمت هذا العمل؟
السؤال الأهم هو:
هل ينبغي لهذا العمل أن يستمر أصلًا؟
وكيف كان سيبدو لو أُعيد تصميمه اليوم من الصفر مع اعتبار الذكالي عنصرًا أساسيًا فيه؟
ما الذي سيختفي من المهام الحالية؟
وما الذي سيتحول؟
وما الذي سيصبح ممكنًا لأول مرة؟
الشركات التي تحقق نتائج فعلية لا تستخدم الذكالي فقط لتقليل الوقت أو التكاليف، بل تعيد تصميم طريقة إنجاز العمل واتخاذ القرار داخل المؤسسة بالكامل.
ولهذا تقول جينيفر كولابيترو، الشريكة في PwC والمسؤولة عن منصة تحديث البنية الرقمية الأساسية، إن التحول الحقيقي لا يتمثل في تبني الذكالي نفسه، بل في إعادة تصميم طريقة اتخاذ القرارات داخل المؤسسة. فمعظم الشركات ما تزال تستخدم الذكالي لتحسين الكفاءة فوق النماذج التشغيلية القديمة، بينما المؤسسات المتقدمة بدأت تعيد بناء نموذج العمل نفسه بما يخدم النمو والاستراتيجية طويلة المدى.
هذا التحول لا يحدث على مستوى واحد فقط. فالمؤسسات مطالبة بإعادة النظر في طبيعة العمل، وشكل القوى العاملة، والعلاقة بين البشر والوكلاء الذكيين، إضافة إلى المهارات المطلوبة من الموظفين داخل هذا النموذج الجديد.
وتلخص بيث فالدر هذا التحول بوضوح حين تقول إن زمن التعامل مع الذكالي على هيئة حالات استخدام منفصلة قد انتهى، وإن الوقت حان لبناء استراتيجية مرتبطة مباشرة بسلاسل القيمة والأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.
ومن دون هذا النوع من إعادة التفكير العميقة، قد تحقق المؤسسات بعض التحسينات المحدودة، لكنها ستبقى بعيدة عن الإمكانات الحقيقية التي يتيحها الذكالي.
التحدي الثاني يتمثل في الفجوة الكبيرة بين الرؤية والطريقة الفعلية لتنفيذها.
القادة يستطيعون بسهولة وصف ما يمكن أن يقدمه الذكالي: قرارات أسرع، وتجربة أفضل للعملاء، ونماذج إيرادات جديدة، ومرونة تشغيلية أعلى. لكن المشكلة أن الطريق بين الرؤية والتنفيذ أكثر تعقيدًا مما يتخيله كثيرون.
غالبًا ما تتعطل المبادرات بسبب صراعات النفوذ داخل المؤسسات، أو بسبب الخلاف حول من يملك القرار، أو نتيجة انتشار تصورات غير دقيقة حول قدرات الذكالي وحدوده.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح في عدة جوانب.
فالبنية التحتية للبيانات في كثير من المؤسسات ليست جاهزة فعلًا للتوسع في استخدام الذكالي. والبيانات نفسها قد تكون مشتتة أو ضعيفة الجودة أو غير مترابطة.
كما أن نماذج التشغيل الحالية لم تُبن أصلًا لاتخاذ قرارات مدعومة بالذكالي في الزمن الحقيقي.
أما الموظفون، فكثير منهم يُطلب منهم العمل بطرق جديدة دون توفير التدريب أو الدعم أو الفهم الكافي.
ويضاف إلى ذلك أن الإلمام الحقيقي بالذكالي ما يزال محدودًا، حتى لدى بعض القيادات. فالتقنيات تتطور بسرعة هائلة، بينما فهم ما يحدث داخل هذه الأنظمة يتقدم بوتيرة أبطأ بكثير.
وعندما تتجاهل المؤسسات هذه الفجوة، فإنها تبدأ ببناء توقعات غير واقعية، ثم تصطدم لاحقًا بتأخر النتائج وضغط الفرق وتراجع الحماس.
ولذلك فإن سد الفجوة لا يحتاج إلى حماس فقط، بل إلى دقة في التنفيذ، وتركيز على القرارات الأكثر تأثيرًا داخل المؤسسة، وإعادة تصميمها بحيث تصبح أسرع وأكثر وضوحًا ومدعومة بوكلاء ذكيين يعملون ضمن ضوابط ومسؤوليات محددة.
المؤسسات الناجحة لا تستثمر في أدوات الذكالي وحدها، بل تستثمر في القدرات التنظيمية التي تسمح لهذه الأدوات بالتوسع وتحقيق أثر فعلي.
وفي الوقت نفسه، تحتاج المؤسسات إلى متابعة مستمرة للنماذج والأدوات الناشئة، ليس بدافع الفضول التقني فقط، بل لضمان القدرة على التحرك السريع عندما تتغير قواعد اللعبة.
أما التحدي الأعمق، فهو أن المشكلة لم تعد تقنية بالأساس، بل بشرية.
وتيرة التغيير أصبحت أسرع من قدرة البشر على الاستيعاب والتكيف. فالقادة والفرق يعيشون اليوم تحت ضغط هائل من القرارات المتسارعة، والغموض، والتعقيد، والتغير المستمر.
وفي هذا العالم الجديد، تصبح المهارات البشرية أكثر أهمية لا أقل.
القدرة على الحكم السليم، والتفكير المنظومي، وفهم العلاقات المعقدة، والتعامل مع الغموض، واتخاذ قرارات مصيرية بمعلومات ناقصة، والتواصل الإنساني، كلها مهارات تصبح أكثر قيمة مع انتشار الذكالي.
فالذكالي لا يلغي الحاجة إلى الإنسان المتميز، بل يجعل هذه الحاجة أكثر إلحاحًا.
ومع ذلك، فإن كثيرًا من المؤسسات تحاول تنفيذ تحولات ضخمة بينما موظفوها يعملون أصلًا عند حدود طاقتهم النفسية والذهنية.
وهذا وضع لا يمكن أن يستمر طويلًا.
إذا أرادت المؤسسات أن تكون جاهزة للمستقبل خلال السنوات القادمة، فعليها أن تتعامل مع الجاهزية البشرية باعتبارها أولوية استراتيجية، لا تفصيلًا ثانويًا.
لأن الذكالي في النهاية لا يصنع جودة التفكير من تلقاء نفسه، بل يضاعف جودة التفكير الموجود أصلًا داخل المؤسسة. فإذا كان التفكير مشتتًا أو مرهقًا أو قائمًا على ردود الفعل، فإن النتائج ستعكس ذلك مباشرة.
ويبرز هنا سؤال مهم: من يجب أن يقود الذكالي داخل المؤسسة؟
هل المسؤولية تقع على مدير المعلومات؟ أم مدير البيانات؟ أم الموارد البشرية؟
في الواقع، هذا السؤال بصيغته التقليدية لم يعد كافيًا.
فالذكالي ليس مجرد مشروع تقني، كما أنه ليس مجرد مبادرة لتطوير الموظفين. إنه نقطة التقاء بين استراتيجية الأعمال والتكنولوجيا والسلوك البشري.
ولهذا فإن المعيار الحقيقي لا يتعلق بالمسمى الوظيفي، بل بامتلاك القدرة على قيادة هذا النوع من التحول.
القادة الذين ينجحون في هذا المجال يجمعون بين فهم التقنية، والقدرة على خلق قيمة تجارية، وفهم البشر، والقدرة على قيادة التغيير على مستوى المؤسسة كلها.
هؤلاء لا يعملون بعقلية التخصص المنعزل، بل بعقلية الربط بين المجالات المختلفة.
كما أنهم لا يتحملون مسؤولية القرارات فقط، بل مسؤولية طريقة اتخاذ القرار نفسها، وسرعتها، وجودتها، وآليات المساءلة المرتبطة بها.
وتشير دانييل كروب إلى أن كثيرًا من قادة البيانات والذكالي يدركون الحاجة إلى تغيير جذري للانتقال من التركيز على الكفاءة إلى التركيز على النمو، لكنهم يواجهون صعوبة في إقناع القيادات التنفيذية التقليدية بذلك. وترى أن المؤسسات التي تدرك قيمة القادة القادرين على الجمع بين الفهم التقني والتجاري هي التي ستنجح مستقبلًا، بينما تخاطر المؤسسات الأخرى بأن تصبح ضحية للتغيير مثل شركات كبرى فشلت سابقًا في التكيف مع التحولات الكبرى.
وفي النهاية، يبدو واضحًا أن التأثير الحقيقي للذكالي لن يأتي من الأدوات المنفصلة أو المبادرات الصغيرة، بل من إعادة تشكيل طريقة اتخاذ القرار داخل المؤسسة.
القيمة الحقيقية ستظهر عندما تتمكن المؤسسات من تسريع اتخاذ القرار، وتحسين جودته، وربطه مباشرة بتجربة العملاء ونتائج الأعمال.
بعض المؤسسات بدأت بالفعل تستخدم مزيجًا من النماذج التقليدية والنماذج التوليدية لبناء أنظمة قادرة على اتخاذ قرارات متكاملة من البداية إلى النهاية.
ومؤسسات أخرى بدأت تنتقل من أسلوب العمل القائم على اللجان والاجتماعات الطويلة إلى نماذج مشتركة يعمل فيها البشر والوكلاء الذكيون معًا لحل المشكلات بسرعة أكبر وكفاءة أعلى.
وفي قطاعات كثيرة، ستكون الفرص الأكبر مرتبطة مباشرة بتجربة العميل، مثل التجارة الذكية وخدمات الدعم والتفاعل المباشر.
وفي جميع الحالات يتكرر النمط نفسه: القيمة تتركز حيث يلتقي اتخاذ القرار مع تجربة العميل ونتائج الأعمال.
وفي النهاية، فإن المؤسسات التي ستنجح في عصر الذكالي ليست بالضرورة الأسرع في تبني الأدوات الجديدة، بل الأكثر قدرة على إعادة التفكير في طريقة العمل، وطريقة اتخاذ القرار، والعلاقة بين الإنسان والتقنية، ومعنى القيادة نفسه داخل هذا العالم الجديد.
الفجوة الحقيقية ليست تقنية، بل بشرية.
ولهذا فإن الحل أيضًا يبدأ من الإنسان.
