بقلم: آدي جاسكل
في مقال حديث، استكشفت أثر الذكالي على الوظائف، بعد أن قام باحثون بدراسة التغيرات في التوظيف على منصة شهيرة للعمل الحر. وقد وجدت الدراسة أن العمل في مجالات مثل التصميم الجرافيكي وكتابة المحتوى قد تأثر بشكل كبير بالذكالي، إذ اعتقدت الشركات، بشكل صحيح أو خاطئ، أنها تستطيع أتمتة تلك المهام.
بينما يُنظر بشكل متزايد إلى مهام مثل التصميم الجرافيكي وكتابة المحتوى على أنها قابلة للأتمتة، فإن الصورة بالنسبة للمديرين مختلفة تمامًا. تكشف أبحاث من معهد آييسي أن الاستثمارات في الذكالي تؤدي في الواقع إلى زيادة الطلب على الأدوار الإدارية، مما يبرز تحولًا مهمًا في كيفية تكيف المؤسسات مع الذكالي.
يشرح الباحثون قائلين إن تحليلهم التجريبي يثبت أن تبني الذكالي يزيد بشكل كبير من الطلب على المديرين، لأن الشركات تحتاج إلى مزيد من الإشراف الإداري لدمج أنظمة الذكالي وإدارتها جنبًا إلى جنب مع الفرق البشرية. ويضيفون أنه خلافًا للمخاوف من أن الذكالي قد يقلل الحاجة إلى الإدارة، فإن النتائج تشير إلى أن الشركات التي تتبنى الذكالي تميل إلى زيادة عدد المناصب الإدارية وكذلك نسبتها من إجمالي القوى العاملة.
الإشراف الإداري
حلل الباحثون ما يقرب من أربعمئة مليون إعلان وظيفي نُشر في الولايات المتحدة بين عامي 2010 و2022، ووجدوا أنه عندما بدأت المؤسسات في زيادة استثماراتها في الذكالي، قامت أيضًا بتوظيف عدد أكبر من المديرين. ومن المثير للاهتمام أن ذلك لم يقتصر على الزيادة المطلقة في عدد المديرين، بل شمل أيضًا زيادة نسبية باعتبارهم نسبة من القوى العاملة.
كما وجد الباحثون أن ملف المهارات لدى المديرين قد تغير، حيث أصبح الطلب مرتفعًا على المديرين الذين يمتلكون مهارات معرفية ومهارات تواصل بينية قوية. وهذا يتناقض بشكل واضح مع دراسة سابقة حول أثر الاستثمار في الروبوتات على القوى العاملة في فرنسا، والتي وجدت أن الأثر على الوظائف بشكل عام كان ضئيلًا، لكن كان هناك انخفاض واضح في الوظائف الإدارية لأن العمال أصبحوا أكثر إنتاجية وبالتالي لم يعودوا بحاجة إلى هذا القدر من الإشراف.
يعتقد باحثو معهد آييسي أن هذا يعكس الطبيعة المتغيرة للإدارة في عصر الذكالي، حيث تتحول المهام من الإشراف البسيط إلى اتخاذ قرارات معقدة وإشراف استراتيجي. كما أن ذلك ينبع من الحاجة إلى مواءمة مخرجات الذكالي مع أهداف العمل، وإدارة التفاعل بين الإنسان والذكالي، والتعامل مع التعقيدات التي يضيفها الذكالي إلى عمليات اتخاذ القرار.
كما يضيف الباحثون أنه بينما يؤدي تبني الذكالي إلى رفع رواتب المديرين، فإن ذلك يحدث بطريقة تعكس اتجاهات أوسع في سوق العمل، مما يشير إلى أن الشركات أصبحت تقدر الأدوار الإدارية وغير الإدارية بشكل أكبر مع دمجها للذكالي. ويؤكدون أن النتائج بشكل عام تبرز التغيرات التنظيمية العميقة التي يجلبها الذكالي، خصوصًا في تعزيز الأهمية الاستراتيجية للخبرة الإدارية.
الإدارة في عصر الذكالي
إذن كيف تبدو الإدارة في عصر الذكالي؟ البداية تكون باستخدام أفضل للبيانات عند اتخاذ القرارات، إذ يساعد الذكالي بشكل كبير على تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة ودقة. كما أن الذكالي يُعد في جوهره تقنية تنبؤية، ويمكن الاستفادة من ذلك في رصد اتجاهات السوق وسلوك العملاء وأوجه القصور التشغيلية، مما يساعد على التنبؤ بالمستقبل بكفاءة أكبر وتحسين استخدام الموارد.
ينبغي على المديرين أيضًا استخدام أدوات الذكالي أثناء أداء أدوارهم المختلفة، بما في ذلك إدارة المشاريع وتقييم الموظفين وتحسين سلاسل الإمداد. هذا التعاون مع الذكالي يمكن أن يعزز القيادة ويضمن اتخاذ قرارات أفضل.
على سبيل المثال، في شركة نوفارتيس، كانت المعلومات تُشارك بشكل لحظي، لكن ذلك تطلب من الذكالي معالجة البيانات لإنتاج توقعات مبيعات مفيدة. وباستخدام الذكالي، تم تقليل تأثير عوامل مثل السياسة والمفاوضات على المهام التي يؤديها المديرون، كما انخفضت الأخطاء، حيث أصبح دور المديرين يتركز على الإشراف على نتائج الذكالي والتحقق منها.
وقد تطلب ذلك تغييرًا في طريقة عمل الشركة، إذ أتاح إنشاء سيناريوهات متعددة، حيث أصبحت قرارات الاستثمار والإنتاج والتدفقات النقدية تعمل جنبًا إلى جنب مع توقعات المبيعات. وقد زاد هذا من مسؤوليات المديرين، سواء بشكل مباشر أو في إعادة تصميم العمليات للاستفادة من الذكالي بشكل فعال.
وتجسد تجربة نوفارتيس كيف يحول الذكالي الإدارة من التركيز على الإشراف الروتيني إلى التركيز على التكامل الاستراتيجي والتخطيط بالسيناريوهات، وهو ما يعكس الاتجاه الأوسع للتغيرات التي يقودها الذكالي في مسؤوليات الإدارة.
إعادة التفكير في الإدارة
مع تسارع وتيرة التكنولوجيا، يعيد الذكالي تشكيل كل جانب تقريبًا من جوانب الحياة الحديثة. فالصناعات تتغير، والقوى العاملة تتحول، وطرق اتخاذ القرار تتبدل. ويظهر هذا التأثير بوضوح أكبر في مجال الإدارة.
من خطوط الإنتاج إلى غرف الاجتماعات، يغير الذكالي كيفية تشغيل المؤسسات ومنافستها ونموها. ومع استخدام أدوات الذكالي لتوجيه المهام والاستراتيجيات، تعيد الشركات التفكير في معنى الإدارة والقيادة الفعالة.
يؤكد الباحثون أن تبني الذكالي على عكس السرد الشائع الذي يتوقع تقليل مستويات الإدارة، قد يؤدي في الواقع إلى زيادة كثافة العمل الإداري. فالحاجة إلى إشراف أكثر دقة، وتعقيد إدارة التفاعل بين الإنسان والذكالي، وتفسير مخرجات الذكالي كلها عوامل تساهم في هذا الاتجاه.
وهذا يعني أن مهارات جديدة ستكون مطلوبة، حيث سيحتاج المديرون إلى تطوير مستوى معرفتهم الرقمية من أجل العمل بفعالية مع أدوات الذكالي الجديدة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المهارات الإنسانية مثل التعاطف والإبداع التي ستظل ضرورية للقيادة الفعالة. كما سيؤدي ذلك إلى تركيز متجدد على القدرات الاستراتيجية بحيث تتمكن المؤسسات من إعادة تصميم طريقة عملها للاستفادة بشكل كامل مما يمكن أن يقدمه الذكالي للأعمال.
يمتلك المديرون موقعًا فريدًا للاستفادة من الإمكانات التحويلية للذكالي. ومن خلال الجمع بين المعرفة الرقمية ومهارات القيادة الخالدة مثل التعاطف والإبداع، يمكنهم دفع الابتكار وضمان أن يحقق الذكالي نتائج ذات معنى لكل من المؤسسات والعاملين فيها.
