القائمة الرئيسية

نقص الأكسجين: الاحترار المناخي يدفع نحو فقدان مستمر للأكسجين في أنهار العالم

نقص الأكسجين: الاحترار المناخي يدفع نحو فقدان مستمر للأكسجين في أنهار العالم
ملخص المقال

يتناول المقال دراسة علمية منشورة في مجلة Science Advances تكشف عن تراجع واسع ومتصاعد في مستويات الأكسجين المذاب في أنهار العالم، مما يشير إلى تدهور بيئي يهدد النظم المائية على نطاق عالمي، خصوصاً في المناطق المدارية التي تُعد الأكثر هشاشة. واعتمدت الدراسة على تحليل بيانات امتدت لنحو أربعة عقود لأكثر من 21 ألف مقطع نهري باستخدام تقنيات التعلم الآلي، وأظهرت أن نحو 78.8% من الأنهار شهدت انخفاضاً في الأكسجين بمعدل عالمي مستمر. ويُعزى هذا التراجع أساساً إلى ارتفاع درجات حرارة المياه وتأثير موجات الحر، إضافة إلى التغيرات في تدفق الأنهار والعمليات البيولوجية داخلها، مع تأثيرات متفاوتة للسدود حسب نوع الخزانات. وتؤكد النتائج أن تغير المناخ يؤثر بشكل مباشر على جودة المياه العذبة والتنوع الحيوي، وتدعو إلى تدخلات عاجلة لحماية الأنهار، خاصة في المناطق المدارية، من مزيد من التدهور البيئي.

أظهرت دراسة علمية نُشرت في مجلة Science Advances أن أنهار العالم تعاني من انخفاض واسع النطاق ومتصاعد في مستويات الأكسجين المذاب، وهو ما يشير إلى تدهور بيئي مستمر يهدد النظم النهرية على مستوى الكوكب. وقاد البحث البروفيسور شي كون من معهد نانجينغ للجغرافيا وعلم البحيرات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، حيث حذرت الدراسة بشكل خاص من أن الأنهار الواقعة في المناطق المدارية تُعد الأكثر هشاشة، وأنها تواجه ضغوطاً متزايدة تتطلب تدخلاً عاجلاً ووضع استراتيجيات للتخفيف من هذا التدهور.

اعتمد الباحثون على تحليل طويل المدى امتد لما يقارب أربعة عقود لرصد التغير في مستويات الأكسجين داخل الأنهار. فالأكسجين المذاب يعد عنصراً أساسياً لحياة الكائنات المائية، كما أنه يلعب دوراً محورياً في الحفاظ على توازن النظام البيئي وتنظيم العمليات الكيميائية والبيولوجية داخل المياه الجارية. ولتتبع هذا التغير عبر الزمن، استخدم الفريق البحثي أسلوباً متقدماً يعتمد على تقنيات التعلم الآلي من خلال نموذج تجميعي، حيث جرى تحليل بيانات واسعة شملت أكثر من واحد وعشرين ألف مقطع نهري موزعة حول العالم، وذلك خلال الفترة الممتدة من عام 1985 حتى عام 2023.

وأظهرت النتائج أن الأنهار على مستوى العالم تشهد انخفاضاً مستمراً في الأكسجين بمعدل يبلغ نحو 0.045 مليغرام لكل لتر خلال كل عقد. كما تبين أن ما يقارب 78.8 بالمائة من الأنهار التي شملتها الدراسة قد تعرضت بالفعل لانخفاض في مستويات الأكسجين خلال السنوات الأربعين الماضية، وهو ما يعكس اتجاهاً عالمياً واضحاً نحو تدهور جودة المياه وتهديد التنوع الحيوي داخل الأنظمة النهرية.

وأشارت الدراسة إلى أن الأنهار المدارية الواقعة بين خطي عرض 20 جنوباً و20 شمالاً هي الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة، وهو ما يشمل مناطق واسعة مثل بعض أنهار الهند ومناطق أخرى من الحزام المداري. وتخالف هذه النتيجة التصورات السابقة التي كانت تفترض أن الأنهار في المناطق الباردة أو ذات خطوط العرض العليا ستكون الأكثر تأثراً نتيجة تسارع الاحترار المناخي فيها. لكن البيانات أظهرت أن الأنهار المدارية تواجه خطراً أكبر بسبب انخفاض مستويات الأكسجين فيها أساساً بشكل طبيعي، إضافة إلى سرعة تراجع هذه المستويات مع ارتفاع درجات الحرارة، مما يجعلها أكثر عرضة لحالات نقص الأكسجين الحاد التي قد تؤدي إلى انهيار بيئاتها المائية وتغيير بنيتها البيئية بشكل كامل.

وعند تحليل أسباب هذا التراجع، وجد الباحثون أن العامل المناخي هو المحرك الأساسي لهذه الظاهرة. فقد تبين أن ارتفاع درجة حرارة المياه يؤدي إلى انخفاض قدرة الماء على الاحتفاظ بالأكسجين المذاب، وهو ما يفسر النسبة الأكبر من فقدان الأكسجين والتي بلغت 62.7 بالمائة من مجمل التغيرات المسجلة. كما ساهمت موجات الحر الشديدة في تسريع هذا الانخفاض، حيث أدت إلى زيادة معدل فقدان الأكسجين بمقدار إضافي مقارنة بالظروف المناخية الطبيعية، بنسبة بلغت 22.7 بالمائة. وإلى جانب ذلك، لعبت العمليات الحيوية داخل النظم البيئية دوراً إضافياً، إذ ساهمت التغيرات في درجة الحرارة والضوء وسرعة تدفق المياه في تعديل معدلات الأيض داخل النظم المائية، وهو ما شكّل نحو 12 بالمائة من أسباب الانخفاض المسجل.

كما تناولت الدراسة تأثير التغيرات الفيزيائية في تدفق الأنهار على مستويات الأكسجين. فقد تبين أن كل من انخفاض التدفق وارتفاعه بشكل غير طبيعي يمكن أن يخففا جزئياً من حدة نقص الأكسجين، حيث أسهما في تقليل معدل الانخفاض بنسبة 18.6 بالمائة في حالات التدفق المنخفض، وبنسبة 7.0 بالمائة في حالات التدفق المرتفع، مقارنة بحالات التدفق الطبيعي المستقر.

وفيما يتعلق بالسدود، أظهرت النتائج أن تأثيرها على الأكسجين المذاب يختلف باختلاف طبيعة الخزانات. فالسدود التي تعتمد على خزانات ضحلة كانت مرتبطة بتسريع فقدان الأكسجين داخل مناطق الاحتجاز، في حين أن الخزانات العميقة أظهرت قدرة على تقليل هذا التدهور والمساهمة في الحد من فقدان الأكسجين.

وتخلص الدراسة إلى أن هذه النتائج تقدم قاعدة علمية مهمة يمكن الاعتماد عليها في صياغة السياسات البيئية على المستوى العالمي، كما تؤكد أن تغير المناخ لا يقتصر أثره على ارتفاع درجات الحرارة فحسب، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر وعميق على النظم المائية الجارية. وتدعو النتائج إلى ضرورة حماية الأنهار، خصوصاً في المناطق المدارية، من استمرار تراجع مستويات الأكسجين وما يترتب عليه من مخاطر على التنوع البيولوجي واستقرار النظم البيئية النهرية.

المصدر

مقالات ذات صلة