تُعد متلازمة درافيت من الاضطرابات العصبية الشديدة التي تظهر خلال مرحلة الرضاعة المبكرة، وتتميّز بنوبات صرع متكررة يصعب السيطرة عليها بالأدوية، إلى جانب تأخر في النمو وارتفاع خطر الوفاة المفاجئة. وحتى اليوم، كانت العلاجات المتاحة تقتصر في معظمها على الحد من الأعراض والتخفيف من حدة النوبات، ما يفرض على المرضى وعائلاتهم رحلة علاج طويلة تمتد غالبًا مدى الحياة. لكن الدراسة الجديدة تطرح احتمالًا مختلفًا تمامًا، إذ تسعى إلى معالجة السبب الجيني المباشر للمرض بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة «ساينس ترانسليشنال ميديسن»، أظهرت نتائج لافتة على الفئران المصابة بالمرض، إذ انخفضت معدلات النوبات بشكل كبير بعد الخضوع لعلاج جيني لمرة واحدة فقط، كما ارتفعت فرص بقائها على قيد الحياة بصورة واضحة.
وجاء هذا الإنجاز ثمرة تعاون علمي بين عدد من المؤسسات البحثية والطبية البارزة، من بينها مختبر جاكسون، ومعهد برود، ومستشفى الأطفال في فيلادلفيا، وكلية الطب بجامعة ماساتشوستس تشان.
وركّز الباحثون على طفرة محددة تُعرف باسم R613X تقع في جين SCN1A، وهو جين أساسي لإنتاج بروتين يحمل اسم Nav1.1، ويلعب دورًا محوريًا في تنظيم النشاط الكهربائي داخل الدماغ. وعندما يتعطل هذا البروتين نتيجة الطفرة الجينية، تصبح الخلايا العصبية أكثر نشاطًا من المعتاد، ما يؤدي إلى زيادة احتمالية حدوث نوبات الصرع.
ولإصلاح هذا الخلل، استخدم العلماء تقنية متطورة تُعرف باسم “تحرير القواعد الأدينينية”، وهي من أكثر أساليب تعديل الجينات دقة، إذ تتيح تغيير حرف واحد فقط من الحمض النووي من دون الحاجة إلى قطع السلسلتين الجينيتين بالكامل، كما يحدث في بعض التقنيات الأقدم. ويمنح ذلك هذه الطريقة مستوى أعلى من الأمان، لأنه يقلل من احتمالات حدوث تغييرات غير مرغوب فيها داخل المادة الوراثية.
وقام الفريق البحثي بإيصال أداة التحرير الجيني مباشرة إلى أدمغة الفئران حديثة الولادة باستخدام ناقل فيروسي معدل. وقد تلقى بعض الفئران العلاج بعد الولادة مباشرة، بينما حصلت مجموعة أخرى عليه بعد نحو اثني عشر يومًا، في محاولة لمحاكاة الفارق الزمني الذي قد يحدث في تشخيص الأطفال المصابين بعد ظهور الأعراض.
وأظهرت النتائج أن العلاج نجح في تصحيح نحو 60 في المئة من الحمض النووي المعيب داخل الخلايا المستهدفة في الدماغ. والمثير للاهتمام أن هذا التصحيح الجزئي كان كافيًا لاستعادة النشاط الطبيعي للجين وتحقيق تحسن ملموس في الحالة العصبية.
كما لاحظ الباحثون انخفاضًا واضحًا في عدد النوبات، وتحسنًا كبيرًا في معدلات البقاء على قيد الحياة، واستمرار التأثير الوقائي للعلاج حتى مراحل متقدمة من النمو لدى الفئران. كذلك لم تُسجَّل إلا مستويات ضئيلة جدًا من التعديلات الجينية غير المقصودة أو الآثار الجانبية الضارة داخل الدماغ، وهو ما يعزز الآمال بإمكانية تطوير هذا النهج للاستخدام البشري مستقبلًا.
ومن النتائج التي وصفها العلماء بالمشجعة للغاية أن العلاج ظل فعالًا حتى عندما أُعطي بعد الوقت الذي تبدأ فيه الأعراض عادة. ويشير ذلك إلى أن الفرصة العلاجية قد لا تقتصر على الأيام الأولى بعد الولادة، بل ربما تمتد لفترة أطول، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للأطفال الذين لا يُشخَّصون إلا بعد ظهور الأعراض.
ولا تقتصر أهمية هذه الدراسة على متلازمة درافيت وحدها، بل تأتي ضمن جهود أوسع لتطوير علاجات جينية للأمراض الوراثية النادرة. فقد أعلن الباحثون أنفسهم مؤخرًا عن نجاحات مشابهة في إصلاح طفرات مرتبطة باضطراب طيف زيلويغر وبحالة الشلل النصفي المتناوب لدى الأطفال.
ويطمح العلماء على المدى البعيد إلى إنشاء منصة مرنة لتحرير الجينات يمكن تكييفها بسرعة مع أنواع مختلفة من الطفرات والأمراض. وبدل الحاجة إلى ابتكار علاج جديد بالكامل لكل مرض، يأمل الباحثون أن يصبح بالإمكان تطوير علاجات مخصصة عبر تعديل الجزء المسؤول فقط عن توجيه أداة التحرير إلى الموقع المطلوب داخل الحمض النووي، ما قد يفتح الباب أمام عصر جديد من الطب الجيني الدقيق.
