- أصبح الذكاء الاصطناعي يُستخدم بالفعل في مدن حول العالم.
- ورغم أن مكاسب الكفاءة تستحق السعي إليها، فإن حلول الذكاء الاصطناعي يجب أن تُعطي الأولوية أيضاً لتوزيع هذه المكاسب بشكل عادل.
- وتُعد مدن مثل أمستردام وهلسنكي من النماذج الرائدة التي تثبت أن استخدام الذكاء الاصطناعي في البيئة الحضرية يمكن أن يعزز الشفافية.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد طبقة مستقبلية للحياة الحضرية، بل أصبح مدمجاً بالفعل في الأنظمة التي تجعل المدن تعمل، من شبكات النقل إلى شبكات الطاقة، حيث يعمل على تحسين الكفاءة وتقليل الأثر البيئي في الوقت الفعلي.
وغالباً ما يُقدَّم هذا التحول باعتباره طريقاً نحو مدن أكثر استدامة. لكن هل تؤدي الأنظمة الأذكى بالضرورة إلى مدن أكثر عدالة اجتماعياً؟
كيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي في المدن؟
في مختلف المدن، أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي واضحة بالفعل. ففي برشلونة ومدريد، تُستخدم التوائم الرقمية لمحاكاة الأنظمة الحضرية مثل حركة المرور والتلوث والتنقل، ما يسمح للمخططين باختبار التدخلات قبل تنفيذها. كما تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي على تحسين تدفق حركة المرور في دبي. وتستخدم شركات مثل غوغل الذكاء الاصطناعي لرسم خرائط للجزر الحرارية الحضرية عبر بيانات الأقمار الصناعية، لمساعدة المدن على تحديد الأماكن التي ينبغي زراعة الأشجار فيها أو نشر وسائل التبريد.
وفي قلب هذه التطورات يوجد ما يُعرف غالباً بـ«الذكاء الاصطناعي المادي»، حيث تجمع حساسات المرور وأجهزة مراقبة التلوث والعدادات الذكية والكاميرات البيانات باستمرار، وتغذي أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تستطيع الاستجابة في الوقت الحقيقي. ويسمح هذا الدمج بين الاستشعار واتخاذ القرار للمدن بالانتقال من مجرد التحليل إلى الإدارة المستمرة للبنية التحتية. فإشارات المرور تتكيف مع التدفقات المتغيرة، وأنظمة الطاقة توازن بين العرض والطلب، وشبكات الخدمات اللوجستية تعيد توجيه مساراتها بشكل ديناميكي.
وتُغيّر هذه التطورات طريقة عمل المدن. فالذكاء الاصطناعي ينتقل من تحليل الأنظمة الحضرية إلى تشكيلها فعلياً في الوقت الحقيقي. وفي بعض الحالات، أصبح التأثير واضحاً بالفعل. فعلى سبيل المثال، ساهمت أنظمة المرور القائمة على إنترنت الأشياء في برشلونة في تقليل أوقات التنقل بنسبة تصل إلى 30%.
وغالباً ما تُقدَّم هذه التطورات باعتبارها تقدماً تقنياً واضحاً نحو الاستدامة: بيانات أفضل، أنظمة أذكى، ومدن أكثر كفاءة. لكنها تكشف أيضاً عن تحدٍ هيكلي. فبينما قد تساعد المدن على الاقتراب من أهداف الحياد الكربوني، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت تجعلها أكثر عدالة وشمولاً.
المدن ليست مجرد مسائل تحسين رياضي
لطالما صُممت الأنظمة الحضرية وأُديرت من قبل مجموعة محدودة من الجهات، ما أدى إلى ظهور نقاط عمياء مستمرة في طريقة عمل المدن ومن تخدمهم فعلياً. وهناك اعتراف متزايد بأن العديد من المدن الكبرى تتشكل من خلال «مجموعات من الحرمان»، حيث تتداخل أوجه عدم المساواة المكانية والاجتماعية والبيئية وتُعزز بعضها بعضاً. وغالباً ما تعاني الأحياء الطرفية من ضعف الوصول إلى الخدمات، وقلة الفرص الاقتصادية، وارتفاع التعرض للمخاطر البيئية. وحتى الأداء البيئي لا يُختبر بشكل متساوٍ. فالمناطق الأفقر تكون أكثر حرارة بشكل ملحوظ بسبب خيارات التصميم الحضري والبنية التحتية، ما يجعلها أقل قابلية للعيش وأكثر عرضة للمخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ.
ولا تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بمعزل عن هذه الأنماط. فهي مُصممة لتحسين نتائج قابلة للقياس استناداً إلى البيانات والأهداف المحددة مسبقاً والنماذج الرياضية. وبما أنها تُدرَّب على بيانات حضرية قائمة بالفعل، فإنها تخاطر بوراثة أوجه عدم المساواة الأساسية وتضخيمها. وقد تُعطي نماذج التحسين الأولوية للمناطق ذات الطلب الأعلى أو التغطية البيانية الأفضل، ما يؤدي من دون قصد إلى توجيه الموارد بعيداً عن المجتمعات التي تعاني أصلاً من نقص الخدمات. وما لم تُؤخذ هذه الاختلالات الأساسية في الاعتبار بشكل صريح، فقد يعزز الذكاء الاصطناعي ويُرسخ مجموعات الحرمان القائمة بدلاً من معالجتها، مما يزيد من تهميش الفئات الأكثر تضرراً أصلاً.
ولا يقتصر هذا الواقع على المدن القديمة، بل يظهر أيضاً في المشاريع الحضرية الجديدة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي مثل نيوم ومدينة مصدر ومدينة سعد العبدالله ومدينة يتي، حيث أتاح توفر رأس المال والأراضي ووجود مركزية عالية في اتخاذ القرار إجراء تجارب واسعة النطاق. ومع ذلك، فإن غياب القيود القديمة لا يؤدي تلقائياً إلى نتائج أكثر شمولاً، بل يمكنه ببساطة إعادة إنتاج النقاط العمياء القديمة في صورة أكثر تطوراً تقنياً.
وتُظهر الأبحاث وجود فجوة واضحة بين قدرات الذكاء الاصطناعي والتحديات الحضرية. وحتى عندما تدّعي الدراسات معالجة هذه القضايا، فإن الارتكاز الصريح إلى النظريات الحضرية يبقى نادراً. وتشير مراجعة واسعة النطاق حديثة إلى أن ما يزيد قليلاً على 1% فقط من الدراسات تتفاعل مباشرة مع الأطر النظرية المعروفة، بينما يقود ما يقرب من نصف الأبحاث الإمكانات التقنية بالدرجة الأولى بدلاً من المشكلات الواقعية. وعملياً، يميل كل من البحث والممارسة إلى التركيز على ما يمكن للذكاء الاصطناعي فعله، بدلاً من التركيز على ما تحتاجه المدن فعلاً.
وتخاطر المدن بأن تصبح ممتازة لبعض الناس، لكنها صعبة بالنسبة للأغلبية عندما تعمل التكنولوجيا على تضخيم الانقسامات القائمة بدلاً من معالجتها.
ما دور المشتريات في تحقيق ذكاء اصطناعي عادل؟
يتفاقم هذا التحدي بسبب التفاوت في القدرات. فالنقاشات التي جرت خلال المائدة المستديرة الخامسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول المدن الذكية والنمو الشامل تشير إلى وجود اختلافات كبيرة في كيفية تبني المدن للذكاء الاصطناعي وإدارته، نتيجة الفوارق في المهارات والبنية التحتية والموارد المؤسسية. وعملياً، يعني ذلك أن المدن غالباً لا تطور هذه الأنظمة بنفسها، بل تقوم بشرائها.
وبالتالي تصبح المشتريات نقطة تحكم مركزية، لكنها غالباً ما تكون غير مدروسة بما يكفي. فالمساءلة في الذكاء الاصطناعي الحضري ليست مجرد متطلب تقني، بل علاقة اجتماعية يجب أن تحدد من المسؤول، وأمام من، وعن ماذا. وعندما تُصمم الأنظمة وتُنشر من قبل عدد محدود من الجهات الخاصة التي تتحكم أيضاً في البيانات والبنية التحتية، فإن القرارات الأساسية المتعلقة بكيفية عمل المدن تصبح فعلياً خارج نطاق الإدارة العامة. وبعد تنفيذ هذه الأنظمة، قد يصبح من الصعب التدقيق فيها أو الاعتراض عليها.
ولهذا الواقع تأثيرات على الثقة العامة. فحتى في المجالات التقنية العالية مثل الأنظمة الذاتية، لا يكمن التحدي فقط في السلامة، بل أيضاً في قابلية التفسير. فالقرارات التي تتخذها الأنظمة المعقدة تكون غالباً صعبة الفهم، حتى بالنسبة للمسؤولين عن نشرها. وعندما لا يمكن تفسير النتائج بوضوح أو الطعن فيها بشكل فعّال، يصبح الحفاظ على الثقة أكثر صعوبة.
وفي الوقت نفسه، يمكن استخدام هذه الأنظمة بطريقة مختلفة. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم اتخاذ القرار من خلال مساعدة صانعي السياسات على استكشاف المفاضلات وتقييم كيفية تأثر المجموعات المختلفة بالتدخلات الحضرية. لكن ذلك يعتمد على كيفية تصميم الأنظمة، وما إذا كانت تتضمن وجهات نظر الفئات التي تُستبعد عادة من عمليات التخطيط.
أي المدن تُطبق ذكاءً اصطناعياً خاضعاً للمساءلة؟
رغم أن مخاطر «العمران القائم على الصندوق الأسود» حقيقية، فإن بعض المدن تُثبت بالفعل أنه يمكن استعادة الذكاء الاصطناعي كأداة للتمكين المدني.
فعلى سبيل المثال، كانت هلسنكي وأمستردام من المدن الرائدة في إنشاء سجلات عامة للذكاء الاصطناعي تعمل بمثابة «بوابات شفافية»، تسمح للمواطنين بمعرفة الخوارزميات التي تدير الخدمات، والبيانات التي تستخدمها، وكيفية الحفاظ على الإشراف البشري عليها. وهذا يُحوّل دور السكان من مجرد نقاط بيانات سلبية إلى أطراف معنية ومطلعة.
وعلاوة على ذلك، جربت أمستردام تصميم الذكاء الاصطناعي التشاركي، من خلال إشراك مجالس المواطنين، بما في ذلك المدافعون عن حقوق ذوي الإعاقة، في تطوير «مخططات مسارات ميسّرة». وبدلاً من تحسين أسرع طريق لمستخدم «اعتيادي»، جرى تدريب الذكاء الاصطناعي على تجارب الأشخاص ذوي الإعاقات الحركية واحتياجاتهم الفعلية. وتشير هذه الأمثلة إلى أن قيمة الذكاء الاصطناعي في المدينة لا يجب أن تقتصر على الكفاءة الضيقة فقط.
وعندما تُدار هذه التقنيات ضمن أطر السيادة الرقمية والمشتريات الشاملة، يمكنها دعم اتخاذ قرارات أكثر خضوعاً للمساءلة. وكما تشير البروفيسورة لورا روتسالاينن، فإن هذه الأدوات تسمح لنا بـ«اختبار» العواقب الاجتماعية للسياسات الحضرية داخل محاكاة افتراضية قبل أن تتحول إلى واقع لا يمكن التراجع عنه في شوارعنا.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم قرارات حضرية أفضل إذا جعل تصميمه واضحاً من المستفيد، ومن المستبعد، ومن الذي لا يزال قادراً على الاعتراض على نتائجه.
