القائمة الرئيسية

لماذا يجب أن تكون المرونة السيبرانية ملموسة وتعاونية وجماعية

لماذا يجب أن تكون المرونة السيبرانية ملموسة وتعاونية وجماعية
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف أن الترابط الرقمي العالمي، رغم فوائده الهائلة، جعل العالم أكثر عرضة لهجمات سيبرانية عابرة للحدود تهدد البنية التحتية والخدمات الحيوية، مؤكدة أن مواجهة هذه المخاطر لم تعد تعتمد فقط على الحماية التقنية التقليدية، بل تتطلب بناء “مرونة سيبرانية” تقوم على التعاون الدولي، وتبادل المعلومات، وبناء القدرات المشتركة بين الحكومات والشركات والمؤسسات من أجل حماية العالم الرقمي من التهديدات المتزايدة والتقنيات الناشئة الأكثر خطورة.

  • يشكّل الترابط العالمي المتزايد مخاطر نظامية تتطلب الانتقال من مفهوم الأمن السيبراني الفردي إلى مفهوم المرونة الجماعية.
  • كما أن التشرذم الجيوسياسي والفجوات التنظيمية يقوضان حالياً التعاون الضروري لمواجهة التهديدات السيبرانية الدولية المعقدة.
  • ومن شأن تطبيق تدابير ملموسة، مثل معايير الأمم المتحدة وبرامج بناء القدرات، أن يساعد في حماية البنية التحتية الرقمية الحيوية.

اليوم، يستخدم نحو 5.5 مليارات شخص – أي ما يقارب 70% من سكان العالم – الإنترنت. وأصبح هذا الاستخدام جزءاً أساسياً من حياتهم، إذ تعتمد الأنظمة الصحية والأسواق المالية والخدمات العامة وحتى الانتخابات على شبكة معقدة من البنية التحتية الرقمية التي تمتد اليوم إلى كل زاوية من زوايا العالم.

هذا الترابط العالمي المكثف يحمل بلا شك فوائد كبيرة، لكنه يجلب معه أيضاً مخاطر هائلة.

فقد لا يبدو اختراق ناجح لشركة برمجيات أوكرانية صغيرة أمراً مهماً بالنسبة لبقية العالم، لكن خلال عام واحد فقط من اختراق خوادم شركة M.E.Doc عام 2017، تسببت حادثة “نوت بيتيا” بخسائر تجاوزت 10 مليارات دولار للشركات حول العالم. كما استهدف هجوم “واناكراي” في البداية وبأكبر قدر هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة، لكنه خلال أيام قليلة انتشر إلى أكثر من 150 دولة. وعندما تعرضت اللجنة الدولية للصليب الأحمر لهجوم عام 2022، تم كشف بيانات حساسة تتعلق بأكثر من نصف مليون شخص حول العالم.

ورغم أن جزءاً كبيراً من هذه الأضرار ناتج عن وباء عالمي من الجرائم السيبرانية التي ارتفعت تكلفتها بالفعل إلى تريليونات الدولارات، فإن التزايد المستمر في الهجمات السيبرانية المرتبطة بالدول ضد البنية التحتية المدنية والإنسانية يجعل الصورة أكثر تعقيداً.

وعلى عكس التصورات التقليدية، فإن الفضاء السيبراني اليوم يتسم بتأثيرات متسلسلة تمتد عبر الشبكات والصناعات والحدود، مع تنوع هائل في الجهات المتأثرة والمنخرطة فيه. كما أن اتساع نطاق هذه التحديات وتطورها يعني أن الحلول التقنية الضيقة لم تعد كافية لمواجهة الأمن السيبراني.

وتتضح خطورة هذه التأثيرات والحاجة إلى استجابة جماعية ومنسقة من خلال حقيقة أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تلقى خلال السنوات الأخيرة إحاطات متكررة بشأن التهديدات السيبرانية للسلم والأمن الدوليين.

وقد أدى إدراك خطورة الوضع أيضاً إلى تحول مفاهيمي نحو فكرة “المرونة السيبرانية” بدلاً من مجرد “الأمن السيبراني”. فلم يعد التركيز اليوم منصباً على حماية الشبكات الفردية فقط، بل أصبح يتمحور حول السؤال الأوسع والأكثر أهمية: كيف يمكن للأنظمة والمجتمعات أن تتفاعل جماعياً، وتتأقلم، وتتعافى عندما تنجح الهجمات بالفعل؟

التعاون في زمن التشرذم

رغم أن الشركات والحكومات تدرك بشكل متزايد الحاجة إلى نهج عالمي متعدد القطاعات، فإن مهمتها أصبحت أكثر صعوبة بسبب التشرذم المتزايد داخل الفضاء الرقمي نفسه.

ويعود ذلك إلى التطورات التكنولوجية السريعة، واختلاف المواقف السياسية، والتباين في الأساليب التنظيمية والقدرات المؤسسية. وتخلق هذه العوامل مجتمعة نقاط ضعف تزيد من احتمالات الاختراقات السيبرانية، ويتجلى ذلك في عدة مجالات:

التقلبات السياسية: تؤدي التوترات السياسية إلى تأثيرات مباشرة على المخاطر السيبرانية، إذ تعتبر الاعتبارات الجيوسياسية العامل الأهم في استراتيجيات التخفيف من المخاطر لدى ثلثي المؤسسات.

التنظيمات المتباينة: رغم أن القوانين التنظيمية تُعتبر ذات تأثير إيجابي، فإن ثلاثة أرباع مسؤولي أمن المعلومات التنفيذيين يؤكدون أن التفاوت الحالي بين الأنظمة التنظيمية العالمية يعرقل بشكل كبير جهود الامتثال الفعّال.

فجوات القدرات: لا تزال هناك اختلافات كبيرة في مستويات القدرات بين الدول، حيث تفتقر بعض الدول حتى الآن إلى أطر قانونية أساسية وفرق متخصصة للاستجابة للحوادث السيبرانية.

مرونة الشركات الصغيرة والمتوسطة: تواجه المؤسسات الصغيرة احتمالية مضاعفة لضعف المرونة مقارنة بالمؤسسات الكبرى. كما تتضخم الآثار المزعزعة للاستقرار الناتجة عن ضعف أمن أي جهة عندما تكون جزءاً من سلاسل التوريد الرقمية المعقدة والمتنوعة عالمياً وغير المفهومة بالكامل، والتي تقف خلف العديد من الخدمات والأنظمة التي نعتمد عليها اليوم.

التقنيات الناشئة: تسهم التطورات التكنولوجية في مجالات مختلفة في توسيع نطاق الثغرات ونقاط الدخول المعرضة للهجمات، حيث يشكل الذكاء الاصطناعي التوليدي المتطور مصدر القلق الأكبر في عام 2026، بينما تمثل تقنيات الحوسبة الكمية تهديداً خاصاً لأنظمة التشفير الحالية.

إن هذه الضغوط المتنوعة والفجوات الهيكلية التي تمزق نسيج المرونة السيبرانية من زوايا مختلفة تعني أنه لا توجد شركة أو حكومة أو هيئة دولية تمتلك وحدها الرؤية أو السلطة أو القدرة الكافية لإدارة المخاطر السيبرانية الدولية بشكل كامل. ومع ذلك، فإن التشرذم ذاته الذي يجعل التعاون صعباً هو أيضاً ما يجعله أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

تحويل وعود المرونة السيبرانية إلى واقع

بالطبع، هناك بالفعل جهود جماعية وتعاونية جارية، وهي توفر أساساً متيناً لبنية المرونة السيبرانية التي نحتاجها. لكن لإحداث فرق حقيقي، يجب الانتقال من مرحلة التفاوض إلى العمل التنفيذي الملموس.

خذ على سبيل المثال المعايير الـ11 الطوعية وغير الملزمة المتعلقة بالسلوك المسؤول للدول في الفضاء السيبراني، والتي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2015 وأعادت تأكيدها عام 2021. ولتحقيق الإمكانات الكاملة لهذه المعايير المتعلقة بحماية البنية التحتية الحيوية، يتعين على الدول أولاً تحديد وتصنيف ما يعتبر بنية تحتية حيوية، وتكليف جهة مختصة بالإشراف عليها، وبناء قدرات سيبرانية فعالة داخل هذه الجهات، ووضع قواعد للإبلاغ عن الحوادث والتعاون لضمان تتبع الهجمات واحتوائها بشكل مناسب.

ومن الخطوات العملية الأخرى التي يمكن للحكومات اتخاذها تعزيز مشاركتها في إجراءات بناء الثقة، مثل الدليل العالمي لنقاط الاتصال. فهذه المبادرة تتيح قنوات اتصال آمنة ومباشرة بشأن الحوادث السيبرانية، بما في ذلك تلك التي تؤثر على البنية التحتية الحيوية، بهدف خفض التصعيد، وتوضيح سوء الفهم، وتعزيز الاستجابات الجماعية الفعالة عبر تبادل المعلومات والقدرات.

كما أن بناء القدرات بحد ذاته يعد شرطاً أساسياً للامتثال الفعّال والمساعدة التعاونية، ولذلك يجب الاستثمار فيه. ويمكن أن يشمل ذلك تطوير مهارات الكوادر التقنية المحلية، وإنشاء فرق متخصصة للاستجابة للحوادث السيبرانية، وتقديم الدعم من قبل الشركات والمؤسسات العامة الراسخة للشركات الصغيرة والمتوسطة في جهودها لبناء القدرات، إضافة إلى توحيد المعارف والمهارات لدعم الدول والمناطق الأقل موارداً حول العالم.

وسيعتمد التعاون الفعال أيضاً على التعامل مع القطاع الصناعي والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية كشركاء تشغيليين حقيقيين. وتشير مبادرات مثل “اتفاق التكنولوجيا للأمن السيبراني”، و”نداء باريس”، و”منتدى حوكمة الإنترنت”، و”مركز الأمن السيبراني” التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى الطريق الصحيح، وكذلك المنصات الشاملة مثل “مؤتمر الاستقرار السيبراني” التابع لمعهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح وأسبوع جنيف السيبراني، اللذان يُعقدان سنوياً في شهر مايو.

كما ستشهد الأشهر المقبلة إطلاق “الآلية العالمية للأمم المتحدة لأمن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات”، والتي ستوفر مساراً دائماً موحداً للحكومات لضمان استمرار الخطوات نحو تقدم أكثر واقعية وملموسية، وتعزيز إجراءات بناء الثقة، ومضاعفة الجهود لتحسين بناء القدرات على نطاق واسع.

وفي النهاية، فإن هذا النوع فقط من الجهود الملموسة والتعاونية والجماعية هو القادر فعلاً على بناء مرونة سيبرانية حقيقية عبر كل حلقة في السلسلة، وحماية البنية التحتية الرقمية الحيوية التي تلعب اليوم دوراً أساسياً في حياتنا كأفراد، وفي حياة البشرية بأسرها.

المصدر

مقالات ذات صلة