القائمة الرئيسية

المرونة الشاملة: الطريق إلى النمو والاستقرار المستدام

المرونة الشاملة: الطريق إلى النمو والاستقرار المستدام
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف أن بناء المرونة الشاملة للجميع لم يعد مجرد خيار اجتماعي، بل ضرورة اقتصادية لضمان الاستقرار والنمو المستدام، موضحةً أن تجاهل الفئات الأكثر هشاشة يجعل المجتمعات والاقتصادات أكثر عرضة للانهيار أمام الكوارث والأزمات، بينما يساهم دمج الحد من المخاطر مع التمويل الشامل والحماية الاجتماعية في خلق مجتمعات قادرة على التكيف والتعافي وجذب الاستثمار وتحويل الأزمات إلى فرص للنمو.

يشكّل بناء المرونة أحد أقوى الفرص الاقتصادية في عصرنا، ومع ذلك لا يزال من أقلها استغلالاً. فمن خلال حماية سبل العيش والأصول، والحفاظ على مكاسب التنمية، ومنع الحكومات من الوقوع في دوامات الديون، تصبح المرونة محركاً أساسياً للاستقرار والنمو.

لكن بناء المرونة لفئة محدودة فقط ينتهي في النهاية إلى الفشل بالنسبة للجميع. فالتنمية المستدامة تعتمد على مجتمعات يستطيع فيها جميع الأفراد والأسر والمجتمعات المحلية مواجهة الصدمات، والتكيف مع التغيير، والتعافي دون خسارة المكاسب التي عملوا بجد لتحقيقها. وهذا النوع من المرونة – المرونة للجميع – يجب التعامل معه باعتباره أساساً جوهرياً، لا فكرة ثانوية. وإلا فإن الصدمات قد تمحو سنوات من التقدم في لحظة واحدة.

وتوضح فيضانات باكستان عام 2022 حجم المخاطر المحتملة. فقد تعطلت الحياة اليومية وسبل العيش لنحو 33 مليون شخص. ودُمّرت المنازل، واضطرت الحكومة إلى تحمل مليارات الدولارات لتقديم الإغاثة الطارئة وإعادة بناء البنية التحتية وتعويض الخسائر، ما أدى إلى تحويل الموارد بعيداً عن المدارس والأنظمة الصحية والاستثمارات طويلة الأجل.

ولم تكن تجربة باكستان حالة استثنائية، بل نمطاً يتكرر في مختلف أنحاء العالم، حيث يمكن لكارثة واحدة أن تقضي فجأة على إنجازات تحققت بشق الأنفس. كما أن التكلفة البشرية تتحول مباشرة إلى ضغوط مالية تؤدي إلى تباطؤ النمو وتعميق عدم المساواة حتى بعد انحسار الصدمة.

الحد من المخاطر والتمويل الشامل يبنيان المرونة

عندما يتمكن الناس من تقليل تعرضهم للمخاطر، وفي الوقت نفسه يحصلون على أدوات مالية تساعدهم على الاستعداد للصدمات والتعامل معها والتعافي منها، فإنهم يتجنبون الوقوع في دوامات الفقر. وتتحول الصدمات إلى لحظات تؤتي فيها الاستثمارات السابقة ثمارها، بما يسمح بالتكيف والتحول بدلاً من الوقوع في العوز. ومن خلال الجمع بين الحد من المخاطر والتمويل الشامل، يمكن تمكين الأفراد والاقتصادات معاً من امتصاص الاضطرابات والحفاظ على النمو.

فعلى سبيل المثال، أدى الجمع بين أنظمة الإنذار المبكر والتأمين ضد الفيضانات القائم على المؤشرات في نيبال إلى منح المزارعين إشعارات مسبقة بالفيضانات القادمة، إلى جانب آلية مالية تحمي سبل عيشهم عند وقوع الكوارث. وارتفع عدد المشتركين في برنامج التأمين بنحو خمسة أضعاف بين عامي 2022 و2023، كما استمر الطلب على التوسع في النمو. وهذا يثبت أنه عندما يحصل الناس على أدوات مفيدة حقاً، فإنهم يستثمرون في بناء مرونتهم الخاصة.

مخاطر التفكير المجزأ

ورغم ذلك، لا يزال النهج السائد في العديد من الدول يتمثل في التعامل مع الكوارث والمخاطر المناخية والشمول المالي باعتبارها تحديات منفصلة، لكل منها سياساتها ومصادر تمويلها وحلولها الخاصة. وهذا التشتت مكلف لأنه يغفل حقيقة أساسية: المخاطر تتقاطع وتتضاعف آثارها. فالإقصاء المالي يزيد من التعرض للصدمات المناخية، وعدم المساواة يحدد من يتحمل العبء الأكبر للكوارث.

ولنتخيل مزارعة صغيرة في ريف بنغلادش، لا تمتلك مدخرات ولا حساباً مصرفياً ولا إمكانية للحصول على التأمين. عندما تدمر الفيضانات الموسمية محاصيلها، لا تجد أي شبكة أمان مالية تعتمد عليها. وقد تضطر إلى إخراج أطفالها من المدرسة والاستدانة بديون لا تستطيع سدادها.

كما أن الترابط بين المخاطر يمتد عبر الحدود والقطاعات. فخفض مخاطر الفيضانات الحضرية لا يفيد السكان الذين يعيشون في المناطق المعرضة للفيضانات فحسب، بل يحمي أيضاً شبكة الشركات وسلاسل التوريد التي تعتمد على الوظيفة الاقتصادية للمدينة، وفقاً لنموذج للمخاطر المناخية والتكيف أعدته حكومة تايلاند وجامعة أكسفورد. ويساعد هذا النموذج بدوره في الحفاظ على جاذبية تايلاند كمكان للاستثمار وممارسة الأعمال.

ومن الواضح أن بناء المرونة يخلق تأثيرات تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من السكان المتضررين مباشرة. وعندما نفشل في فهم كيفية تفاعل هذه الديناميكيات، تصبح استجابتنا جزئية في أفضل الأحوال ومهدرة للموارد في أسوأها.

حل منهجي في كولومبيا

بدأت الحكومات والمؤسسات المالية ومنظمات التنمية تدرك بشكل متزايد أن أطر المرونة يجب أن تأخذ في الاعتبار تداخل المخاطر ونقاط الضعف النظامية وقضايا العدالة. والسؤال الآن هو: كيف ننتقل من الإدراك إلى التنفيذ؟

وتقدم مدينة مانيثاليس في كولومبيا نموذجاً واضحاً لذلك. فقد أدرجت المدينة خرائط مخاطر الكوارث ضمن برنامج تأمين على مستوى المدينة يُموَّل من ضرائب العقارات. ويتم دعم الأسر الأكثر فقراً من خلال مساهمات الآخرين، بحيث تُعفى من الدفع مع استمرار شمولها بالتغطية. ونتيجة لذلك، نجح البرنامج في تقليل المخاطر وتوسيع الحماية المالية وتعزيز العدالة في الوقت نفسه.

وهذا هو الشكل العملي للمرونة المتكاملة: ليس ثلاثة برامج تعمل بالتوازي، بل إطار واحد تتعزز فيه إجراءات الحد من المخاطر والتمويل الشامل والحماية الاجتماعية، مثل التحويلات النقدية وشبكات الأمان، بشكل متبادل.

إن هذا التكامل، الذي يدمج الحد من المخاطر والتمويل الشامل ضمن أنظمة الحماية الاجتماعية واستراتيجيات التكيف المناخي وخطط التنمية، هو ما يحول المرونة من قضية قطاعية إلى مبدأ أساسي في الحوكمة والاستثمار.

هذه مسؤولية الجميع

المرونة للجميع ليست مهمة يمكن لأي جهة واحدة أن تحققها بمفردها. فالوصول إلى كل فرد قبل وقوع الفيضانات أو الجفاف أو الصدمات الاقتصادية المقبلة يتطلب تعاوناً بين المؤسسات المالية وصناع السياسات ومنظمات التنمية والقطاع الخاص. وعندما تعمل هذه الأنظمة معاً، فإنها تخلق دورة إيجابية متكاملة: فتعزيز الشمول المالي يقلل من الهشاشة، ما يخفض بدوره تكلفة المخاطر ويفتح الباب أمام الاستثمار والنمو.

وهذه الأجندة لا تخص وزارة واحدة أو مؤسسة بعينها أو مجتمعاً محدداً. بل يجب أن نتبناها جميعاً بشكل جماعي ونتعامل معها باعتبارها مسؤولية مشتركة، لا قضية تخص قطاعاً واحداً فقط.

المصدر

مقالات ذات صلة