القائمة الرئيسية

من صدمات الأسمدة إلى صمود المزارع: لماذا أصبحت الزراعة التجديدية ضرورة ملحّة؟

من صدمات الأسمدة إلى صمود المزارع: لماذا أصبحت الزراعة التجديدية ضرورة ملحّة؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف كشفت الأزمات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الأسمدة عن هشاشة الأنظمة الغذائية العالمية واعتماد الزراعة الحديثة على مدخلات مكلفة ومعرضة للاضطرابات، وتوضح كيف يمكن للزراعة التجديدية أن تصبح حلاً استراتيجياً يعزز صحة التربة ويقلل الاعتماد على الأسمدة الصناعية ويحسن استقرار المحاصيل وقدرة المزارعين على مواجهة التغيرات المناخية والأزمات الاقتصادية، مع تسليط الضوء على دور الشركات الكبرى مثل نستله في دعم هذا التحول نحو نظام غذائي أكثر مرونة واستدامة للمستقبل.

  • أبرزت الاضطرابات الجيوسياسية هشاشة الأنظمة الغذائية العالمية والمخاطر المرتبطة بالاعتماد الكبير على الأسمدة.
  • وتعمل الزراعة التجديدية على استعادة صحة التربة بهدف تحقيق استقرار في إنتاج المحاصيل وتقليل الاعتماد على المدخلات الخارجية المكلفة.
  • كما تدعم شركة نستله المزارعين من خلال آليات مالية واستشارات تقنية لبناء أنظمة توريد أكثر مرونة على المدى الطويل.

كشفت الاضطرابات الأخيرة التي طالت التجارة العالمية وأنظمة الطاقة مرة أخرى عن هشاشة سلاسل الإمداد المترابطة التي اعتاد كثيرون اعتبارها أمراً مسلماً به. وبينما تركز الكثير من الاهتمام الفوري على ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل طرق التجارة، فإن التداعيات على الغذاء والزراعة لا تقل عمقاً.

ويتركز جزء كبير من إنتاج وتجارة الأسمدة العالمية في منطقة الخليج، حيث يأتي نحو ثلث إنتاج اليوريا العالمي وجزء كبير من صادرات الأمونيا من هذه المنطقة. ومع تسبب الصراعات في تعطيل طرق الشحن ومنشآت الإنتاج، ارتفعت أسعار الأسمدة بشكل حاد. ووفقاً للأمم المتحدة، توقفت ملايين الأطنان من تجارة الأسمدة، بينما تؤدي زيادة تكاليف المدخلات إلى رفع نفقات الإنتاج بالنسبة للمزارعين وزيادة مخاطر انخفاض المحاصيل خلال الأشهر المقبلة.

وتكمن أهمية ذلك في أن الأسمدة ليست مجرد عنصر هامشي، بل تمثل ركناً أساسياً في الأنظمة الزراعية الحديثة. وعندما تتأثر وفرتها أو قدرتها على تحمل تكلفتها، تنتقل التداعيات سريعاً عبر النظام الغذائي بأكمله. ويجد المزارعون أنفسهم مضطرين لاتخاذ قرارات صعبة بشأن كيفية إدارة محاصيلهم وتكاليف مدخلاتهم.

وفي أجزاء من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، تصبح هذه الضغوط أكثر حدة، مع ما يترتب عليها من تأثيرات مباشرة على أسعار الغذاء والأمن الغذائي.

ورغم أن الاضطرابات الأخيرة سلطت الضوء على هذه القضايا بشكل أكبر، فإن العديد من التحديات الأساسية التي تواجه الزراعة ليست جديدة. فقد ظل المزارعون حول العالم يتعاملون منذ سنوات مع تقلبات المناخ وتدهور التربة وارتفاع تكاليف المدخلات، وهي ضغوط سبقت الأحداث الجيوسياسية الحالية وستستمر بعدها.

وبالنسبة لشركة نستله، فإن هذه التحديات ليست جديدة أيضاً. فهي تعكس نقاط ضعف هيكلية تعمل الشركة على معالجتها منذ سنوات عديدة من خلال التزامها بالزراعة التجديدية وأنظمة التوريد الأكثر مرونة. ويُعد هذا النهج طويل الأمد جزءاً أساسياً من توجه الشركة نحو تطوير أنظمة غذائية تجديدية على نطاق واسع وكيفية خلق قيمة مشتركة من خلالها.

نظام يتعرض لضغوط متزايدة

تشكل الاضطرابات الأخيرة تذكيراً بالتحديات الهيكلية التي تواجه الزراعة العالمية، إذ لا تزال تعتمد بشكل كبير على المدخلات المستمدة من الوقود الأحفوري وسلاسل الإمداد المركزية المعرضة للصدمات. وفي هذا السياق، يُنظر بشكل متزايد إلى الزراعة التجديدية ليس فقط كحل بيئي، بل كاستراتيجية أساسية لتعزيز مرونة الأنظمة الزراعية وسلاسل الإمداد. فمن خلال تقليل الاعتماد على المدخلات الخارجية وتحسين أداء التربة وتحقيق استقرار الإنتاج، يمكن لهذه الممارسات مساعدة المزارعين والشركات على إدارة التقلبات وتأمين الإنتاج على المدى الطويل.

وفي جوهرها، تهدف الزراعة التجديدية إلى استعادة الأنظمة الطبيعية التي تقوم عليها الزراعة. وتشمل هذه الممارسات تناوب المحاصيل، واستخدام محاصيل التغطية، خاصة البقوليات، وتقليل حرث التربة، والزراعة الحرجية. وتساعد هذه الأساليب على إعادة بناء صحة التربة، وتحسين احتفاظها بالمياه، ودعم التنوع البيولوجي. وهذه ليست فوائد بيئية مجردة، بل لها آثار مباشرة على الإنتاجية والقدرة على الصمود. فالتربة الصحية تكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بالعناصر الغذائية والرطوبة، ما يقلل تعرض المحاصيل للجفاف، ويسهم في خفض تكاليف المدخلات مع مرور الوقت، ويجعل الإنتاج أكثر استقراراً، خاصة في الظروف الزراعية الصعبة.

ومن بين العوامل الأساسية في الأنظمة التجديدية استعادة خصوبة التربة عبر العمليات الطبيعية، بما في ذلك استخدام البقوليات التي تلتقط النيتروجين من الهواء. ومن خلال دمج هذه الممارسات في أنظمة المحاصيل، يمكن للمزارعين تقليل اعتمادهم تدريجياً على الأسمدة النيتروجينية الصناعية، ما يخفف من ضغوط التكاليف ومخاطر الإمدادات.

وفي الوقت نفسه، توجد إمكانات كبيرة لتحسين كفاءة استخدام الأسمدة. فحالياً، لا تمتص المحاصيل جزءاً كبيراً من الأسمدة المستخدمة بسبب سوء توقيت الاستخدام أو طرق التطبيق غير المناسبة أو اعتماد جرعات موحدة أو بسبب الظروف الجوية السيئة. ويمكن للمقاربات الدقيقة المعتمدة على البيانات أن تساعد المزارعين على استخدام الأسمدة بشكل أكثر استراتيجية، بما يضمن توظيفها في المكان والوقت الأكثر فعالية. وفي ظل القيود الحالية على الإمدادات، أصبح التعامل مع الأسمدة باعتبارها مورداً نادراً وقيّماً ضرورة اقتصادية أكثر من أي وقت مضى، فضلاً عن كونه ميزة استراتيجية.

من المبادئ إلى التطبيق العملي

ومع ذلك، من المهم الإقرار بأن الزراعة التجديدية ليست حلاً سريعاً. فالانتقال إلى ممارسات جديدة يتطلب وقتاً واستثماراً ومعرفة. كما أن المزارعين يعملون ضمن سياقات متنوعة، بدءاً من الأنظمة الصناعية المتقدمة وصولاً إلى المزارع الصغيرة، ولذلك يجب تكييف الحلول وفقاً لكل حالة.

ولهذا السبب، يعد دعم المزارعين أمراً أساسياً. فالتحول إلى الممارسات التجديدية يتطلب الوصول إلى حلول جديدة لتحسين إدارة التسميد، بما في ذلك الاستخدام الدقيق للأسمدة. كما يحتاج إلى دعم عملي يشمل تقديم استشارات زراعية ملائمة للظروف المحلية، وإتاحة أدوات مثل تقنيات التسميد الدقيق، وتوفير آليات مالية تساعد المزارعين على إدارة المخاطر خلال فترة الانتقال التي قد تتقلب فيها الإنتاجية والتكاليف. وهناك أيضاً حاجة إلى الاستثمار في العلوم والابتكار لتطوير حلول ملائمة محلياً، بدءاً من تحسين تقنيات إدارة التربة وصولاً إلى أساليب جديدة لإعادة تدوير المغذيات، بما في ذلك الاستخدام الأكثر فعالية لجميع المدخلات العضوية، خاصة السماد الطبيعي، لإغلاق حلقات المغذيات وتقليل الاعتماد على المدخلات الصناعية.

كما أن دور القطاع الخاص لا يقل أهمية. ففي نظام غذائي معولم، تتحمل الشركات مسؤولية العمل إلى جانب المزارعين وصناع السياسات وغيرهم لدعم التغيير. ومن خلال التعاون المباشر مع المزارعين، والاستثمار في سلاسل الإمداد، ودعم تبني الممارسات التجديدية، تستطيع الشركات المساعدة في بناء أنظمة توريد أكثر مرونة مع الإسهام في تحقيق أهداف بيئية واجتماعية أوسع.

كما أن السياق الجيوسياسي الحالي يسلط الضوء بشكل أكبر على مفهوم السيادة الغذائية والترابط بين إنتاج الغذاء والطاقة، سواء من ناحية الاستخدام أو باعتبار الكتلة الحيوية مصدراً للطاقة. ومع تعطل سلاسل الإمداد وزيادة إدراك الدول لاعتمادها على المدخلات والواردات الخارجية، يتزايد التركيز على تعزيز أنظمة الإنتاج المحلية. ويمكن للزراعة التجديدية أن تلعب دوراً مهماً هنا أيضاً، من خلال تمكين أنظمة زراعية أكثر اكتفاءً ذاتياً وأكثر تكيفاً مع الظروف المحلية وأقل اعتماداً على الأسمدة المستوردة وغيرها من المدخلات.

كيف يمكن بناء المرونة عبر سلاسل القيمة؟

بالنسبة لشركة نستله، لا تمثل الزراعة التجديدية استجابة للأحداث الحالية، بل جزءاً من التزام طويل الأمد لتعزيز الأنظمة الزراعية بمرور الوقت. فالمزارعون يواجهون بالفعل آثار التغير المناخي، بدءاً من أنماط الطقس غير المتوقعة وصولاً إلى تراجع جودة التربة وارتفاع التكاليف. ولذلك، فإن دعم التحول إلى الأنظمة التجديدية لا يهدف فقط إلى تقليل الأثر البيئي، بل أيضاً إلى ضمان استدامة توريد المكونات الأساسية وتعزيز سبل عيش المزارعين.

وبحلول عام 2030، تهدف نستله إلى الحصول على 50% من مكوناتها الرئيسية من مزارعين يعتمدون ممارسات الزراعة التجديدية، في إطار التزام أوسع ببناء المرونة عبر سلسلة القيمة الخاصة بها. وحتى عام 2025، بلغت نسبة التقدم نحو هذا الهدف 27.6%، ما يعكس تحولاً متزايداً في سلاسل الإمداد الزراعية التابعة للشركة.

وفي نهاية المطاف، فإن الدروس المستفادة من الأزمة الحالية واضحة. فلا يمكن اعتبار استقرار الأنظمة الغذائية العالمية أمراً مضموناً، بل يجب بناء المرونة في أساسيات إنتاج الغذاء. ويتطلب ذلك جهداً جماعياً يجمع بين المزارعين والشركات وصناع السياسات والباحثين لتسريع التحول نحو أنظمة زراعية أكثر استدامة وقدرة على الصمود.

ولا يوجد حل واحد، ولا يمكن لطرف واحد وحده مواجهة هذه التحديات. لكن الاتجاه أصبح أكثر وضوحاً، حتى وإن اختلفت طرق التطبيق بين المناطق والأنظمة المختلفة. ومن خلال الاستثمار في الزراعة التجديدية، واستعادة صحة التربة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم المزارعين خلال مرحلة التحول، يصبح من الممكن تقليل التعرض للصدمات الخارجية وبناء نظام غذائي أكثر استقراراً واستدامة للمستقبل.

وفي عالم تسوده حالة من عدم اليقين، لم تعد المرونة خياراً، بل أصبحت ضرورة أساسية.

المصدر

مقالات ذات صلة