القائمة الرئيسية

نساء جنوب آسيا: قوة اقتصادية هائلة تنتظر الانطلاق.. فكيف يمكن إطلاق إمكاناتهن؟

نساء جنوب آسيا: قوة اقتصادية هائلة تنتظر الانطلاق.. فكيف يمكن إطلاق إمكاناتهن؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تخسر دول جنوب آسيا إمكانات اقتصادية هائلة بسبب ضعف مشاركة النساء في سوق العمل، رغم التقدم الكبير في تعليمهن، وتكشف أن المشكلة لا تكمن في نقص الكفاءة بل في أنظمة توظيف تقليدية تستبعد النساء بشكل غير مباشر. كما تستعرض المقالة حلولاً عملية مثل التوظيف القائم على المهارات، وبرامج العودة إلى العمل، وتحسين التدريب والنقل ورعاية الأطفال، مؤكدة أن تمكين النساء اقتصادياً ليس مجرد قضية اجتماعية، بل مفتاح أساسي لازدهار المنطقة ونموها المستقبلي.

تمثل نساء جنوب آسيا مورداً اقتصادياً هائلاً لم يُستغل بعد، في وقت تقف فيه المنطقة عند مفترق اقتصادي حاسم. فعلى الرغم من التقدم الكبير في التعليم، لا تشارك سوى 33% من النساء في المنطقة في سوق العمل الرسمي، مقارنة بـ77% من الرجال. ويعني هذا الفارق بقاء أكثر من 400 مليون امرأة خارج النشاط الاقتصادي، ما يكلّف اقتصاد المنطقة ما يصل إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي المحتمل.

ونادراً ما يكون استمرار هذه الفجوة نتيجة نقص في الطموح أو الموهبة، بل يعكس احتكاكاً عميقاً بين أنظمة التوظيف التقليدية والواقع المعيشي للنساء.

ففي معظم أنحاء جنوب آسيا، لا يزال الطريق نحو الوظيفة تحكمه معايير توظيف صارمة تعطي الأولوية للشهادات الرسمية والمسارات المهنية الخطية غير المنقطعة. وتؤدي هذه الأنظمة بشكل غير مباشر إلى تهميش النساء اللواتي اكتسبن مهارات ذات قيمة في السوق عبر مسارات غير تقليدية أو مررن بمراحل حياتية تطلبت تعلماً مرناً. ومن خلال الاعتماد على هذه المعايير الضيقة، يفشل الاقتصاد الإقليمي في الاعتراف بالطرق المتنوعة التي تُبنى بها المواهب.

ولإطلاق هذه الإمكانات المعطلة، يجب أن يتحول التركيز من المؤهلات السابقة إلى القدرات الحالية. لكن كسر هذه الحواجز يتطلب أكثر من مجرد الاعتراف بالمشكلة؛ إذ يستدعي تبني استراتيجيات عملية وأطر جديدة يتم تطبيقها بالفعل لتجاوز هذه العقبات القديمة وإعادة ربط النساء بسوق العمل الحديث.

توسيع وصول النساء إلى الوظائف عالية الإنتاجية

يعاني سوق العمل في جنوب آسيا من انفصال واضح: فقد ارتفعت الإنجازات التعليمية للنساء بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين، ومع ذلك لا تزال مشاركتهن محدودة في القطاعات عالية الإنتاجية وكثيفة المهارات. والمشكلة لا تكمن فقط في نقص المهارات، بل في طريقة تنظيم أسواق العمل، وكيفية الاعتراف بالمهارات، ومن يُمنح الوصول إلى قنوات التوظيف الرسمية.

وتشير الأبحاث إلى أن مهارات النساء تُقلَّل قيمتها ويُساء تصنيفها بشكل منهجي في أسواق العمل بجنوب آسيا. ويُعد الانتقال إلى التوظيف القائم على المهارات أحد الحلول، إذ يركز على الكفاءات الفعلية بدلاً من الشهادات الرسمية، ما يفتح الأبواب أمام من تلقين تدريباً غير رسمي أو ذاتياً. كما تدعم التجارب العالمية هذا النهج. ففي كينيا، مكّن برنامج “أجيرا الرقمي” أكثر من مليون شاب وشابة من تجاوز حواجز التوظيف التقليدية. ومن خلال تدريب المشاركين على مهارات العمل الحر الرقمي، ومنحهم شهادات رقمية موثوقة، وربطهم بمنصات العمل عبر الإنترنت، نجح البرنامج في إيصالهم مباشرة إلى وظائف مدفوعة الأجر.

العوائق الهيكلية والاجتماعية التي تواجه نساء جنوب آسيا

ورغم بروز مسارات قائمة على المهارات، لا تزال العوامل الهيكلية والاجتماعية تحد من قدرة النساء على الوصول إليها. وتبرز ثلاث عقبات رئيسية في سياق جنوب آسيا.

أولاً، البنية التحتية للتدريب ليست صديقة للنساء. فالمعاهد المهنية غالباً ما تكون بعيدة جغرافياً، أو تعمل في أوقات تتعارض مع مسؤوليات الرعاية الأسرية، كما أن مناهجها تركز على قطاعات يهيمن عليها الرجال مثل البناء والصناعات الثقيلة. وقد أظهرت دراسة لبرنامج “برادهان مانتري كوشال فيكاس يوجانا” في الهند أن نسبة تسجيل النساء في التخصصات التقنية ظلت أقل من 30% رغم الانتشار الواسع للبرنامج، ويرجع ذلك جزئياً إلى هذه الفجوات في التصميم.

ثانياً، تحد قيود التنقل من وصول النساء إلى فرص التدريب والعمل. ففي باكستان وبنغلاديش، تعيق المخاوف الأمنية والأعراف الاجتماعية المتعلقة بسفر النساء دون مرافق مشاركتهن في مراكز التدريب البعيدة عن أماكن السكن. وقد عالج برنامج تطوير المهارات التابع لمنظمة “براك” في بنغلاديش هذه المشكلة عبر لامركزية التدريب إلى مراكز محلية وإدخال وحدات تعليم رقمية، ما أتاح لآلاف النساء الحصول على التدريب والتدريب المهني في مهن غير تقليدية، وساعدهن على الانتقال إلى العمل الرسمي بين عامي 2016 و2020.

ثالثاً، غالباً ما تُستبعد النساء من شبكات التوظيف غير الرسمية. ويمكن لنماذج التوظيف القائمة على المهارات، والتي تستخدم منصات توظيف منظمة وتقييمات محايدة وتدريباً للمسؤولين عن التوظيف على أساليب الاستقطاب الشامل، أن تعوض جزئياً هذا النقص، لكن ذلك لا يتحقق إلا عندما يعتمد أصحاب العمل هذه الممارسات فعلياً.

ويتطلب التعامل مع هذه العقبات الجمع بين الاستثمار في تدريب يسهل الوصول إليه ويراعي الفوارق بين الجنسين، وبين إصلاحات تغير الطريقة التي يبحث بها أصحاب العمل عن المواهب ويقيّمونها.

تعزيز البيئات الداعمة

لا يمكن لتنمية المهارات وإصلاح ممارسات التوظيف أن يحافظا على مشاركة النساء في سوق العمل من دون بنية تحتية داعمة. فحتى في الوظائف عالية الإنتاجية، تواجه النساء ضغوطاً تدفعهن إلى الانسحاب، مثل التنقل غير الآمن، وغياب خدمات رعاية الأطفال، والتحرش في أماكن العمل، وغياب مسارات واضحة للعودة بعد الانقطاع المهني.

ويُعد الوصول إلى خدمات رعاية الأطفال أحد أقوى المؤشرات على استمرار النساء في العمل. ففي تشيلي، أدى توسيع خدمات رعاية الأطفال المدعومة وإطالة اليوم الدراسي إلى زيادة كبيرة في فرص الأمهات بالحصول على وظائف، خاصة النساء اللواتي يفتقرن إلى دعم عائلي بديل. ويمكن لنموذج مشابه في الهند، حيث ذكرت نحو 44% من النساء خارج سوق العمل أن مسؤوليات رعاية الأطفال والأعمال المنزلية تمثل العائق الرئيسي أمامهن، أن يحدث تحولاً مماثلاً في معدلات المشاركة.

كما أن توفير وسائل نقل آمنة وبيئات عمل مناسبة لا يقل أهمية. ففي بنغلاديش، ساهم اعتماد قطاع صناعة الملابس الجاهزة لإجراءات تدقيق السلامة وتوفير وسائل نقل مخصصة للنساء بعد إصلاحات “رانا بلازا” في تقليل معدلات ترك النساء للعمل في المصانع المشاركة.

وتعالج برامج “العودة إلى العمل” فجوة أخرى مهمة. فقد أظهرت المبادرات المنظمة لإعادة دمج النساء في سوق العمل، مثل البرامج التي أطلقتها شركتا “تاتا للخدمات الاستشارية” و“إنفوسيس” في الهند، أن توفير مسارات مهنية مدفوعة الأجر للنساء العائدات بعد انقطاع مهني يحسن معدلات الاستمرار والتقدم الوظيفي، مع حصول غالبية المشاركات على عروض عمل بدوام كامل.

إعادة تصميم الأنظمة لإطلاق طاقات نساء جنوب آسيا

تشير الأدلة من مختلف أنحاء جنوب آسيا وخارجها إلى أن سد الفجوة بين الجنسين ليس مجرد مسألة جهد فردي، بل قضية إعادة تصميم شاملة للأنظمة. فبينما يدفع الاقتصاد الإقليمي ثمناً باهظاً نتيجة استبعاد النساء، أصبح الطريق إلى الأمام أكثر وضوحاً. ويتطلب تحقيق الإمكانات الكاملة لهذه القوة العاملة مقاربة شاملة تعالج تقاطع المهارات والتنقل والبنية التحتية الاجتماعية.

إن نماذج التقدم موجودة بالفعل، وهي تثبت أن التغيير ممكن عندما يُعاد تصور طرق الدخول إلى سوق العمل. لكن لكي تتوسع هذه الاستراتيجيات، يجب أن يتعاون القطاعان العام والخاص لخلق بيئة تزيل الحواجز المادية والهيكلية التي تعيق النساء حالياً.

وفي النهاية، يتطلب تحقيق هذا التحول إعادة هيكلة أساسية لعملية التوظيف، عبر الانتقال نحو نموذج قائم على المهارات يقدّر ما يستطيع الفرد القيام به، بدلاً من التركيز فقط على خلفيته السابقة. ومن خلال تفكيك الحواجز المؤسسية المتجذرة وتقدير الكفاءات الفعلية، يمكن لجنوب آسيا أخيراً تحويل مكاسبها التعليمية إلى قوة اقتصادية حقيقية. إن الانتقال إلى هذا النموذج الشامل ليس مجرد ضرورة اجتماعية، بل هو الاستراتيجية الأكثر فعالية لتحقيق الازدهار الإقليمي والمرونة طويلة الأمد.

المصدر

مقالات ذات صلة