- تستثمر العديد من المؤسسات بكثافة في استشراف المستقبل، لكنها تكافح لتحويل الرؤى إلى أفعال ملموسة.
- تجعل طريقة “فيوتشر سلام” استشراف المستقبل أكثر سهولة من خلال الجمع بين العمل التشاركي على السيناريوهات، والتأمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وعناصر الترفيه التعليمي.
- ومن خلال الانتقال من التحليل المجرد إلى التجربة المعيشة، يطور المشاركون علاقة أكثر فاعلية مع حالة عدم اليقين.
تخلط العديد من المؤسسات بين التعرض للمعلومات المستقبلية وبين الجاهزية للمستقبل. فهي تكلف بإعداد تقارير عن الاتجاهات، وتطور أوراقاً استراتيجية، وتملأ العروض التقديمية بتحليلات متقدمة. بينما تتجنب مؤسسات أخرى استشراف المستقبل بشكل منظم بالكامل، معتبرةً إياه مستهلكاً للوقت، شديد التجريد أو بعيداً عن التأثير العملي.
وفي كلتا الحالتين، نادراً ما تكون المشكلة في نقص المعلومات. بل تكمن في مسألة الترابط. إذ غالباً ما تبقى الرؤى حبيسة العروض التقديمية الثابتة أو محصورة داخل فرق الاستراتيجية الصغيرة، دون أن تصل إلى المستويات التشغيلية التي تُتخذ فيها القرارات اليومية. وغالباً ما يُفكر في استشراف المستقبل بعمق، لكنه نادراً ما يُعاش كتجربة.
ولسد هذه الفجوة، يجمع نهج “فيوتشر سلام” بين العمل التشاركي على السيناريوهات، والتأمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والعروض الارتجالية. ويهدف هذا النهج إلى جعل استشراف المستقبل ممارسة تنظيمية مشتركة.
من عزلة الخبراء إلى الاستكشاف الجماعي
تقليدياً، كان استشراف المستقبل حكراً على الخبراء. إذ تقوم فرق صغيرة بتحليل الاتجاهات وتقديم الخيارات الاستراتيجية، بينما تبقى بقية المؤسسة مجرد جمهور متلقٍ.
لكن “فيوتشر سلام” يقلب هذه المعادلة. فالفكرة الأساسية لهذا النموذج تقوم على أن استشراف المستقبل يصبح أكثر فعالية عندما يكون شاملاً ومنظماً وسهل التذكر.
ويستند هذا النهج إلى “لعبة السيناريوهات” التي طورها معهد بافاريا للاستشراف التابع لجامعة إنغولشتات التقنية بالتعاون مع armasuisse، حيث يحول المشاركين إلى صناع مشاركين للمستقبل بدلاً من مجرد مستهلكين لصور مستقبلية جاهزة. وبدلاً من قراءة تقرير، يجد المشاركون أنفسهم بعد 90 دقيقة يعيشون المستقبل عبر محاكاة لنشرة إخبارية. فهم لا يكتفون بمشاهدة صورة مستقبلية، بل يدخلون إليها فعلياً.
عندما يلتقي الخيال البشري بالذكاء الاصطناعي
إحدى السمات المميزة لهذا النهج هي دمج الذكاء الاصطناعي، ليس كبديل عن الحكم البشري، بل كعامل مكمل ومولد للأفكار وشريك في النقاش.
ويُعد تسلسل العملية أمراً بالغ الأهمية. ففي البداية، تطور المجموعات سيناريوهاتها بشكل مستقل. ثم يقوم وكيل ذكاء اصطناعي بإنتاج تصوراته الخاصة للمستقبل بناءً على الاتجاهات نفسها. وبما أن الطرفين ينطلقان من المادة الاتجاهية ذاتها، تصبح المقارنة ملموسة على الفور. وغالباً ما يكتشف المشاركون أن الذكاء الاصطناعي يؤكد بعضاً من منطقهم، ما يعزز الثقة في العملية. ومع ذلك، قد يقدم الذكاء الاصطناعي أيضاً رؤى مزعجة أو غير مريحة قد تتجنبها المجموعات البشرية. وفي هذا الاحتكاك بين المنطقين يحدث جزء كبير من التعلم. فالذكاء الاصطناعي يثير التساؤلات، ويؤكد بعض الأفكار، ويوسع حدود ما يمكن اعتباره ممكناً.
ثم يتجاوز “فيوتشر سلام” التحليل المكتبي التقليدي، ليجلب المستقبل إلى خشبة المسرح عبر المسرح الارتجالي. ومن خلال تحويل السيناريوهات المجردة إلى مشاهد حية وعفوية ومكثفة، وغالباً ما تكون ساخرة، يدخل نوع ثالث من الذكاء إلى الغرفة: الذكاء الفني. فعندما يكتسب تطور مستقبلي وجهاً وصوتاً وصراعاً إنسانياً، يتوقف عن كونه مجرد شريحة في عرض تقديمي، ويصبح ذكرى راسخة. فالمشهد يبقى في الذاكرة حيث قد تُنسى الشرائح.
لماذا ينجح هذا النهج؟
تعتمد فعالية “فيوتشر سلام” على ثلاثة مبادئ:
المشاركة: فالمشاركة المباشرة تخلق شعوراً بالانتماء، ما يزيد احتمالية تحويل الأفكار إلى ممارسات فعلية لاحقاً.
الهيكلة: تظل العملية منفتحة في طريقة التفكير، لكنها دقيقة في إجراءاتها، ما يجعلها قابلة للتطبيق داخل المؤسسات.
التجربة: تحول العروض الارتجالية والتأمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي السيناريوهات المجردة إلى مواقف لا تُنسى. فالمشاركون لا يفهمون المستقبل المحتمل فكرياً فقط، بل يشعرون بتداعياته أيضاً.
أكثر من مجرد فعالية مؤقتة
صُمم “فيوتشر سلام” لإحداث تأثيرات تتجاوز حدود الفعالية نفسها. إذ يشير المشاركون إلى أنهم يكتسبون رؤى جديدة حول بيئة عملهم، وفهماً أفضل لأساليب استشراف المستقبل، وأفكاراً عملية يمكنهم نقلها إلى واقعهم المهني.
وفي بيئات الشركات، تُعد متابعة التواصل بعد الفعالية أمراً بالغ الأهمية. فالسيناريوهات التي تُطوَّر خلال الورشة يمكن تحويلها إلى بيانات صحفية مستقبلية مصورة، أو فيديوهات وبودكاست مولدة بالذكاء الاصطناعي، ما يبقيها حية داخل قنوات التواصل والابتكار الداخلية.
ومع مواجهة المؤسسات لقفزات تكنولوجية وتحولات جيوسياسية وتغيرات مجتمعية أعمق، وصلت أساليب التخطيط الخطي إلى حدودها. ولم يعد التحدي هو القضاء على حالة عدم اليقين، بل جعلها منتجة.
وفي نهاية يناير، جمع حدث “فيوتشر سلام” في مدينة شتوتغارت الألمانية نحو 30 مشاركاً من قطاع الصناعة والمجتمع المدني لاختبار هذا النهج وتجربة المستقبل بشكل جماعي. ويشير هذا النموذج إلى أنه عندما يتم التعامل مع المستقبل بوصفه مساحة للفعل والقدرة، وليس مجرد خطر محتمل، يمكن للمشاركين تغيير علاقتهم بحالة عدم اليقين.
نادراً ما يفشل استشراف المستقبل بسبب نقص التحليل؛ بل يفشل عندما يبقى مجرداً. ومن خلال جعل المستقبل ملموساً، لا تكتفي المؤسسات بطرح سؤال عما قد يحدث، بل تبني قدرة جماعية على تخيل ومناقشة وتشكيل ما قد يأتي لاحقاً بطرق يتجاوز تأثيرها حدود قاعة الورشة نفسها.
