القائمة الرئيسية

بوري تكشف كيف يمكن بناء أنظمة مياه حضرية أكثر أماناً في الهند

بوري تكشف كيف يمكن بناء أنظمة مياه حضرية أكثر أماناً في الهند
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للهند بناء أنظمة مياه حضرية أكثر أماناً وموثوقية عبر الانتقال من الحلول التقليدية التفاعلية إلى أنظمة ذكية تعتمد على المراقبة المستمرة والتكنولوجيا الحديثة مثل أجهزة الاستشعار وتحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي، مستعرضةً تجربة مدينة بوري كنموذج ناجح وفر مياه شرب آمنة مباشرة من الصنبور، وأبرزت أهمية الاستثمار المستدام، والصيانة الوقائية، والتنسيق المؤسسي لحماية الصحة العامة وتعزيز قدرة المدن على مواجهة النمو السكاني والضغوط المناخية.

  • تواجه العديد من أنظمة المياه الحضرية في الهند ضغوطاً متزايدة بسبب البنية التحتية المتقادمة، والإمدادات غير الموثوقة، وارتفاع الطلب.
  • ورغم أن البلاد لا تستطيع تغيير كامل بنيتها التحتية للمياه بين ليلة وضحاها، فإن الأدوات الحديثة مثل أجهزة الاستشعار، وتحليلات البيانات، وأنظمة المراقبة الآلية، يمكن أن تساعد في اكتشاف الأعطال والتخفيف من آثارها في وقت مبكر.
  • وإذا تم توظيف هذه الأدوات بشكل فعال، فقد تتمكن شركات المياه من تحديد المشكلات مبكراً والاستجابة بسرعة أكبر للمخاطر.

يفتقر أكثر من 4 مليارات شخص يعيشون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل إلى إمكانية الوصول إلى مياه شرب آمنة، وفقاً لدراسة نُشرت عام 2024 في مجلة “ساينس” العلمية. ويمكن أن تؤدي المياه الملوثة إلى أمراض منقولة عبر المياه تتسبب في وفيات يمكن تجنبها، خصوصاً في المناطق التي تشهد توسعاً حضرياً سريعاً.

وفي الهند، تسببت حادثة تلوث حديثة لمياه الشرب في مدينة إندور في وفاة أكثر من 10 أشخاص، بحسب التقارير. لكن مدينة أخرى، هي بوري، نجحت في توفير مياه شرب آمنة ومتواصلة عبر الصنابير لجميع الأسر. وتقع المدينة في ولاية أوديشا الشرقية، وتقدم مثالاً على كيفية مساهمة أنظمة الإمداد المستمر والمراقبة الفورية في تحسين موثوقية المياه وسلامتها.

وتواجه العديد من أنظمة المياه الحضرية في المدن سريعة النمو ضغوطاً متزايدة بسبب البنية التحتية القديمة، والانقطاعات المتكررة في الإمدادات، وارتفاع الطلب المرتبط بالتوسع الحضري والضغوط المناخية. وفي العديد من المدن الهندية، لا يزال توزيع المياه يتم بشكل متقطع بدلاً من الاعتماد على شبكات مستمرة ذات ضغط ثابت. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن أنظمة الإمداد المتقطع تزيد بشكل كبير من خطر التلوث الميكروبي.

وإلى جانب تقادم البنية التحتية، يؤدي ضعف الاستثمار في أعمال الصيانة إلى زيادة هشاشة أنظمة المياه. كما أن أنظمة مراقبة المياه في الهند ما تزال تعتمد إلى حد كبير على ردود الفعل بعد وقوع المشكلة. إذ تتم عمليات الفحص بشكل دوري وغالباً يدوياً، ونادراً ما يتم دمجها في عمليات اتخاذ القرار الفوري. وهذا يعني أنه عند اكتشاف التلوث، يكون السكان قد تعرضوا له بالفعل.

ولا تستطيع دولة نامية مثل الهند تغيير كامل بنيتها التحتية للمياه دفعة واحدة، لكن الأساليب الحديثة، بما في ذلك أجهزة الاستشعار وتحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي، يمكن أن تساعد شركات المياه على اكتشاف المخاطر والأعطال مبكراً.

ويمكن لاستخدام التكنولوجيا للتنبؤ بالعديد من الأعطال الشائعة في أنظمة المياه والإبلاغ عنها أن ينقذ الأرواح، من خلال تمكين السلطات من التدخل في الوقت المناسب. كما سيحوّل ذلك البنية التحتية لأنظمة المياه الحضرية في الهند من نظام يعتمد على رد الفعل إلى نظام استباقي. وقد يساعد هذا التحول شركات المياه على الانتقال من الإصلاحات الطارئة إلى الصيانة الوقائية وأنظمة الاستجابة الأسرع.

بوري: نموذج للتكامل التشغيلي

تمثل بوري مساراً مختلفاً عن غالبية المدن الهندية في تطوير أنظمة المياه. ففي إطار مبادرة إصلاح تقودها الحكومة وتتماشى مع “مهمة جال جيفان” الهادفة إلى تعزيز مياه الشرب الآمنة وجهود التحول الحضري الأخرى، نفذت المدينة نظام إمداد مياه مستمراً ومضغوطاً، كما طورت مرافق المعالجة وأنشأت نظام مراقبة لجودة المياه يعمل على مدار الساعة.

وهذا يعني أن الأسر في بوري تستطيع، بخلاف مدن أخرى، شرب المياه مباشرة من الصنبور.

وما يميز بوري ليس فقط الاستثمار في البنية التحتية، بل أيضاً الانسجام المؤسسي. فمستويات الخدمة محددة بوضوح، وآليات المساءلة مبسطة، والمراقبة مستمرة بدلاً من كونها يدوية ودورية. كما يتم تتبع جودة المياه والتسربات بشكل فوري، ما يسمح باستجابة سريعة من السلطات في حال حدوث أي مشكلة.

وتُظهر بوري كيف يمكن لتحديث البنية التحتية، والمراقبة المستمرة، ووضوح المسؤوليات التشغيلية أن تحسن خدمات المياه الحضرية.

لماذا يصعب توسيع النماذج الحديثة؟

على الرغم من توفر نماذج ناجحة لأنظمة المياه الحضرية، فإن تكرارها في مدن أخرى ما يزال محدوداً. وتعود القيود إلى عوامل هيكلية تتجاوز أي منطقة جغرافية بعينها، بدءاً من تشتت الحوكمة وصولاً إلى فجوات البيانات ومشكلات تخصيص رأس المال.

وغالباً ما تتركز الميزانيات على صيانة البنية التحتية القديمة الحالية بدلاً من الاستثمار في مشاريع جديدة. كما يتم التعامل مع أنظمة المياه باعتبارها تحديات هندسية فقط، بدلاً من اعتبارها جزءاً من منظومة الصحة العامة، ما يؤدي إلى التقليل من حجم المخاطر وتأخير التدخل.

وهذه الأنماط لا تقتصر على الهند، بل تظهر في العديد من المدن في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. ويتطلب الحد من مخاطر المياه الحضرية التحول من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى تصميم أنظمة استباقية، عبر ثلاثة محاور رئيسية:

  1. اعتماد الإمداد المستمر كمعيار أساسي
    وهذا يقلل من مخاطر التلوث المرتبطة بأنظمة المياه المتقطعة.
  2. وضوح المسؤولية المؤسسية
    ما يحد من التشتت بين الجهات المختلفة، والذي قد يؤدي إلى التأخير وسوء التواصل.
  3. أطر الصيانة الوقائية
    وذلك لضمان موثوقية البنية التحتية لأنظمة المياه الحضرية على المدى الطويل.

وأصبح الاتجاه العام لتعزيز أنظمة المياه الحضرية في الهند أكثر وضوحاً: توسيع النماذج التشغيلية الناجحة، وترسيخ المراقبة المستمرة، وإعطاء الأولوية للوقاية بدلاً من الاستجابة بعد وقوع المشكلة.

كيف يمكن للتكنولوجيا تسريع التقدم؟

لن يكون تحويل أنظمة المياه الحضرية في الهند إلى أنظمة رقمية أمراً سهلاً. فتعقيد النظام لا يقتصر على توفير المياه النظيفة للمستهلك، بل يمتد عبر محطات المعالجة، وخطوط النقل، ومنشآت التخزين، وصولاً إلى شبكات التوزيع النهائية. ويمكن أن تحدث الأعطال في أي من هذه المراحل.

ومن شأن دمج التقنيات الحديثة في البنية التحتية الحالية لأنظمة المياه الحضرية في الهند أن يعزز القدرات ويرفع جاهزية النظام. إذ يمكن لأنظمة المراقبة المعتمدة على أجهزة الاستشعار أن تساعد في تتبع مؤشرات جودة المياه مثل مؤشرات التلوث بشكل فوري، ما يقلل من التأخير في اكتشاف المشكلات ويسمح باستجابة أسرع.

كما يمكن لتحليلات التنبؤ تحديد نقاط ضعف البنية التحتية، مثل مناطق الضغط المرتفع في الأنابيب أو أنماط التسرب، قبل أن تتحول إلى أعطال كبيرة. وهذا سيساعد شركات المياه على الانتقال من الإصلاحات الطارئة إلى الصيانة المخططة.

ويمكن أيضاً لمنصات دعم القرار دمج البيانات عبر مراحل المعالجة والتوزيع والاستهلاك، ما يسمح بتخصيص أكثر كفاءة للموارد وتحكم تشغيلي أفضل.

لكن التكنولوجيا تبقى أداة مساعدة وليست بديلاً بحد ذاتها. ففاعليتها تعتمد على مدى تكاملها مع أطر الحوكمة وآليات المساءلة التشغيلية.

تحدٍ حضري مشترك

من المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى 9.7 مليارات نسمة بحلول عام 2050، ما سيضع ضغوطاً غير مسبوقة على أنظمة المياه، خصوصاً في المدن التي تشهد توسعاً سريعاً.

وتقدم بوري نموذجاً لكيفية تعزيز إدارة المياه الحضرية في ظل الضغوط المتزايدة. فهي تُظهر أن بناء أنظمة مياه حضرية أكثر أماناً وموثوقية أمر ممكن من خلال الاستثمار المستدام والتنسيق التشغيلي.

وضمان مياه شرب آمنة ليس مجرد قضية تتعلق بتقديم الخدمات، بل هو عنصر أساسي للصحة العامة، والإنتاجية الاقتصادية، والقدرة على مواجهة التغير المناخي.

المصدر

مقالات ذات صلة