غالباً ما تُناقش صحة المرأة من زاوية الأبحاث أو التمويل أو التوعية. وجميعها عوامل مهمة. لكن استمرار فجوة صحة المرأة يشير إلى تحدٍ آخر: لا تزال العديد من الأنظمة الصحية غير مصممة حول الطريقة التي تصل بها النساء فعلياً إلى الرعاية الصحية.
أصبح حجم هذه الفجوة موثقاً بشكل واضح اليوم. فقد أظهرت أبحاث مشتركة بين المنتدى الاقتصادي العالمي ومعهد ماكينزي للصحة أن النساء يقضين وقتاً أطول بنسبة 25% من الرجال في حالة صحية سيئة، وأن سد هذه الفجوة يمكن أن يضيف ما لا يقل عن تريليون دولار سنوياً إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2040.
كما يعزز مخطط المنتدى الاقتصادي العالمي لسد فجوة صحة المرأة الفكرة نفسها: تحسين صحة المرأة ليس مجرد أولوية طبية، بل أولوية اقتصادية واجتماعية أيضاً.
وتزداد أهمية هذه القضية مع مواجهة الأنظمة الصحية لارتفاع التكاليف، ونقص القوى العاملة، والضغوط المتزايدة لتقديم الرعاية خارج المستشفيات المرهقة. فالعديد من الحالات التي تؤدي إلى تدهور صحة النساء ليست خارج نطاق الفهم الطبي.
ففقر الدم، ومضاعفات الحمل، وسرطان عنق الرحم، والأمراض المزمنة يمكن في كثير من الأحيان الوقاية منها أو اكتشافها مبكراً أو السيطرة عليها من خلال الرعاية الصحية في الوقت المناسب.
ومع ذلك، لا يزال الوصول إلى الرعاية غير متكافئ. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، توفيت نحو 260 ألف امرأة أثناء الحمل والولادة أو بعدهما خلال عام 2023، وكانت معظم هذه الوفيات قابلة للوقاية. كما تشير تقديرات المنظمة إلى أن 30% من النساء بين 15 و49 عاماً، و37% من النساء الحوامل، يعانين من فقر الدم.
وهنا يصبح السؤال ليس فقط ما إذا كانت الحلول الأفضل موجودة، بل ما إذا كانت الأنظمة الصحية قادرة على تقديم هذه الحلول بشكل مستمر، وبتكلفة مناسبة، وقريباً من أماكن عيش النساء.
الرعاية الصحية هي نقطة الاختناق
شهدت الابتكارات الصحية تطوراً سريعاً، من التشخيص الرقمي إلى الطب عن بُعد ونماذج الرعاية الجديدة. لكن الابتكار وحده لا يضمن الوصول إلى الخدمات.
فبالنسبة لكثير من النساء، خصوصاً في المناطق الريفية أو محدودة الموارد، تكون العوائق عملية واجتماعية: بُعد المرافق الصحية، والتكاليف المباشرة، وغياب رعاية الأطفال، والقيود الاجتماعية، وضعف الوعي، أو غياب المتابعة المستمرة.
ولا تقتصر هذه المشكلة على دول الجنوب العالمي فقط. فقد أظهر تحليل أجرته شركة ديلويت أن النساء العاملات في الولايات المتحدة يتحملن تكاليف صحية سنوية أعلى من الرجال العاملين، حتى عند استبعاد التكاليف المرتبطة بالحمل.
وهذا يشير إلى أن فجوة صحة المرأة لا تتعلق فقط بنقص المعرفة الطبية، بل أيضاً بما إذا كانت مسارات الرعاية الصحية متاحة، وميسورة التكلفة، وموثوقة، ومصممة وفقاً لواقع حياة النساء.
قد تعرف امرأة أنها بحاجة إلى رعاية ما قبل الولادة لكنها غير قادرة على السفر بشكل منتظم. وقد تحتاج فتاة إلى فحص فقر الدم لكنها لا تتواصل أبداً مع النظام الصحي الرسمي. وقد تؤجل امرأة مؤهلة لفحص سرطان عنق الرحم الحصول على الرعاية لأن الخدمات بعيدة أو مخيفة أو غير مشروحة بشكل كافٍ.
وفي كل هذه الحالات، تبقى مشكلة توفر الرعاية الصحية وطريقة تقديمها هي الأساس.
أنظمة الرعاية المجتمعية تُظهر بالفعل ما ينجح
الأنظمة الصحية المجتمعية لا تحل محل المستشفيات أو الأطباء المتخصصين أو العيادات الرسمية، لكنها توسع نطاق وصولها من خلال بناء روابط موثوقة بين الأسر ومقدمي الرعاية الصحية.
وتُعد شبكة الناشطات الصحيات الاجتماعيات المعتمدات في الهند، المعروفة باسم “آشا”، واحدة من أبرز الأمثلة على هذا النموذج. إذ يربط أكثر من مليون عامل صحي مجتمعي المجتمعات المحلية بالنظام الصحي، خصوصاً في المناطق الريفية والمحرومة.
وقد اعترفت منظمة الصحة العالمية بدور هذه الشبكة في تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية وربط الأسر بالخدمات الأساسية.
وتبرز مساهمتها بشكل خاص في صحة المرأة، حيث تدعم خدمات ما قبل الولادة، والتطعيم، وتنظيم الأسرة، والتثقيف الصحي، والإحالات الطبية. وتكمن قوتها الأساسية في الثقة التي تبنيها، لأنها تمثل وجهاً مألوفاً يفهم العوائق المحلية ويمكنه متابعة الحالات بمرور الوقت.
ويمكن ملاحظة دروس مشابهة في أماكن أخرى. ففي البرازيل، تعتمد استراتيجية صحة الأسرة على العاملين الصحيين المجتمعيين ضمن فرق الرعاية الأولية التي تقوم بالزيارات المنزلية، وتقدم الرعاية الوقائية، وتربط الأسر بالنظام الصحي الأوسع. أما استراتيجية الصحة المجتمعية في كينيا للفترة 2020-2025 فتعتمد على تقريب الخدمات الصحية من المنازل عبر وحدات صحية مجتمعية مرتبطة بالمرافق الطبية.
وقد تختلف التفاصيل بين الدول، لكن الدرس الأساسي متشابه: تتحسن صحة المرأة عندما تكون الرعاية محلية، ومستدامة، وقائمة على الثقة.
التكنولوجيا تنجح أكثر عندما تعزز الأنظمة البشرية
يمكن للأدوات الرقمية أن تجعل هذه النماذج أكثر فعالية. فالمنصات الصحية عبر الهواتف المحمولة، والاستشارات الطبية عن بُعد، والسجلات الرقمية، تساعد العاملين الميدانيين على متابعة حالات الحمل، وتحديد الحالات عالية الخطورة، وإرسال التذكيرات، وربط النساء بمستويات أعلى من الرعاية.
لكن لا ينبغي اعتبار التكنولوجيا بديلاً عن الثقة المجتمعية. فالأداة الرقمية لا تستطيع مرافقة امرأة إلى العيادة، أو ملاحظة غيابها المتكرر عن المواعيد، أو فهم الضغوط الاجتماعية والعائلية التي تؤثر على قراراتها. وغالباً ما يقدم العاملون الميدانيون ذلك الاستمرار الإنساني الذي لا تستطيع التكنولوجيا وحدها توفيره.
وهنا يجب أن يرتبط الاستثمار في ابتكارات صحة المرأة بشكل أفضل بأنظمة تقديم الرعاية. فقد حددت مجموعة بوسطن الاستشارية، بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي، فرصاً واعدة مثل الرعاية الصحية الافتراضية للنساء والمراقبة عن بُعد لصحة الأمهات. لكن هذه الأدوات لن تكون ذات قيمة حقيقية إلا إذا ارتبطت بقنوات تقديم رعاية موثوقة.
القوى العاملة لا يجب أن تبقى غير مرئية
ومع ذلك، هناك توتر لا يمكن تجاهله. فالأنظمة الصحية المجتمعية تعتمد في كثير من الأحيان على عاملات في الخطوط الأمامية لا يحظى عملهن بالتقدير الكافي، رغم أعباء العمل الثقيلة، والأجور المحدودة، وغياب المسارات المهنية الواضحة.
وإذا أرادت الدول أن تسهم الأنظمة المجتمعية في سد فجوة صحة المرأة، فعليها الاستثمار في الأشخاص الذين يجعلون هذه الأنظمة تعمل. وهذا يعني توفير تدريب أفضل، وتعويضات عادلة، وإشراف فعّال، وضمانات للسلامة، واعتراف رسمي بدورهم ضمن الاستراتيجيات الصحية الوطنية.
كما أن هذه القضية ترتبط بمرونة الأنظمة الصحية. فالشراكة من أجل استدامة ومرونة الأنظمة الصحية تقيم الأنظمة وفق عناصر مثل الحوكمة، والتمويل، والقوى العاملة، وتقديم الخدمات، والأدوية، والتكنولوجيا، وصحة السكان، والاستدامة البيئية.
ويقع العاملون الصحيون المجتمعيون مباشرة عند تقاطع هذه العناصر. كما تتوقع منظمة الصحة العالمية وجود عجز عالمي يبلغ 11 مليون عامل صحي بحلول عام 2030، معظمهم في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى العاملين الصحيين المجتمعيين باعتبارهم متطوعين هامشيين أو موظفين مؤقتين ضمن برامج محددة، بل باعتبارهم جزءاً من البنية التحتية الأساسية للأنظمة الصحية المرنة.
الرعاية المجتمعية مفيدة خارج دول الجنوب العالمي أيضاً
ولا تقتصر أهمية النماذج المجتمعية على دول الجنوب العالمي فقط، بل تمتد أيضاً إلى الدول مرتفعة الدخل التي تواجه ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وشيخوخة السكان، ونقص القوى العاملة، وتراجع الوصول إلى الرعاية الأولية في المناطق الريفية. والفكرة الأساسية هي إعادة تصميم الرعاية بحيث تصل إلى الناس في وقت أبكر، وأقرب إلى منازلهم، وباستمرارية أكبر.
وبالنسبة لصحة المرأة، فإن هذا التحول ضروري بشكل خاص. ففجوة الرعاية لا تنتج عن خلل واحد، بل عن إخفاقات متكررة في التواصل مع النساء، أو فحصهن، أو إحالتهن، أو متابعتهن صحياً. ويمكن لنماذج تقديم الرعاية المجتمعية أن تسد هذه الفجوات قبل أن تتحول إلى أزمات.
إن سد فجوة صحة المرأة سيتطلب مزيداً من الأبحاث، والاستثمارات، والسياسات الأفضل، لكنه سيتطلب أيضاً طرح سؤال عملي أكثر: كيف تصل الرعاية الصحية فعلياً إلى النساء؟
وقد لا تكمن الإجابة فقط في المختبرات أو المستشفيات، بل في المجتمع نفسه، حيث تُبنى الثقة، وتبدأ الوقاية، وتلتقي الأنظمة الصحية بالنساء حيث يوجدن.
