القائمة الرئيسية

كيف تستعد عُمان لقيادة صادرات الهيدروجين عالمياً؟

كيف تستعد عُمان لقيادة صادرات الهيدروجين عالمياً؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تحولت عُمان من دولة تعاني ندرة المياه إلى نموذج عالمي واعد في تصدير الهيدروجين الأخضر، عبر دمج سياسات الطاقة والمياه والغذاء ضمن رؤية متكاملة توازن بين التنمية والاستدامة. وتستعرض كيف أن الحوكمة الذكية، وتحلية المياه، وربط مشاريع الهيدروجين بالأمن الغذائي والمجتمعي، قد تمنح عُمان ميزة تنافسية عالمية في اقتصاد الطاقة الجديد، بينما تكشف تجارب دول أخرى مثل ناميبيا وتشيلي أهمية التخطيط المبكر لإدارة الموارد في عصر التحول الطاقي.

  • تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن تكون عُمان من بين أكبر ستة مصدّرين للهيدروجين المتجدد عالمياً بحلول عام 2030.
  • تمتلك البلاد موارد هائلة من الطاقة الشمسية، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات كبيرة تتعلق بندرة المياه؛ والطريقة التي ستوازن بها بين هاتين الأولويتين ستكون جزءاً أساسياً من نجاحها.
  • ومع استعداد عُمان لتوسيع صادراتها من الهيدروجين، بدأت تظهر مجموعة من الدروس المهمة التي يمكن لدول أخرى الاستفادة منها.

تقع عُمان فوق بعض أغنى موارد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في العالم، لكنها تعاني أيضاً من ندرة شديدة في المياه العذبة. ويفترض الكثيرون أن هذا المزيج يستبعد أي دولة من لعب دور قيادي في إنتاج الهيدروجين الأخضر، وهو وقود يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه النقية لإنتاجه على نطاق واسع. لكن هذا الافتراض غير صحيح.

لقد أجبرت الندرة عُمان على التفكير بمنهجية متكاملة قبل وقت طويل من ظهور اقتصاد الهيدروجين. فبينما بدأت الدول الغنية بالمياه تكتشف اليوم تعقيدات إدارة الموارد، كانت عُمان تتعامل مع هذه التحديات منذ عقود. وتحولت خبرتها المتراكمة في دمج سياسات الطاقة والمياه والغذاء ضمن منظومة واحدة، بدلاً من التعامل معها كملفات منفصلة، إلى ميزة تنافسية حقيقية.

تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن تكون عُمان من بين أكبر ستة مصدّرين للهيدروجين المتجدد بحلول عام 2030، لكن القصة الأهم ليست حجم الصادرات بحد ذاته، بل نموذج الحوكمة الذي يجعل ذلك ممكناً، وما يمكن للعالم أن يتعلمه منه.

فهم المياه باعتبارها مورداً سيادياً

يتعامل كثير من النقاش العالمي حول الهيدروجين مع المياه كعنصر تقني بسيط: يمكن تحلية المياه عند الحاجة مع احتساب تكلفة الطاقة، ثم متابعة العمل. لكن هذا المنطق ينهار سريعاً في المناطق الجافة.

في هذه البيئات، تُعتبر المياه مورداً سيادياً تتنافس عليه الزراعة والمدن والصناعة، والآن أيضاً قطاع الهيدروجين الناشئ. ولذلك، تصبح موازنة هذه الأولويات السياسية أمراً حتمياً.

التحلية تعالج مسألة الإمدادات، لكنها لا تحل تحديات الحوكمة. فالتحلية الصناعية تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وتنتج محاليل ملحية كثيفة قد تهدد الأنظمة البيئية البحرية. وإذا أُسيئت إدارتها، فقد يتولد انطباع بأن صناعة تصديرية جديدة تُبنى على حساب المياه التي تحتاجها المجتمعات المحلية والمزارعون. وهذا التصور وحده تسبب بالفعل في تأخير مشاريع في أسواق أخرى.

وقدّمت دراسة تقييم دورة حياة نُشرت عام 2025 من قبل PtX Hub وMDPI أرقاماً واضحة حول حجم التحدي؛ إذ يتطلب إنتاج كيلوغرام واحد من الهيدروجين نحو 35 كيلوغراماً من المياه النقية، ما يجعل التحلية ضرورة مطلقة في المناخات التي لا تتجاوز فيها معدلات الأمطار بضعة مليمترات سنوياً. والسؤال الحقيقي هنا ليس كيفية التحلية، بل كيفية إدارة كل ما يعتمد عليها.

كيف تمنح الحوكمة المتكاملة ميزة تنافسية؟

إن الترابط بين الطاقة والمياه والغذاء ليس مجرد مفهوم نظري، بل تحدٍ عملي في تصميم السياسات. والدول التي تنجح في التعامل معه مبكراً تبني لنفسها أفضلية هيكلية ستتضاعف مع الوقت.

فالدول التي تُدمج هذا التفكير ضمن أطرها التنظيمية للهيدروجين منذ البداية ستتفوق على تلك التي تحاول إضافته لاحقاً. وهذا هو الفارق بين المشاريع التي تُبنى وتحصل على التمويل والدعم المجتمعي، وبين المشاريع التي تتعطل بسبب التعقيدات التنظيمية أو المعارضة المحلية أو الأعباء البيئية طويلة الأمد.

وترتكز البنية الحوكمية الفعالة على أربعة عناصر أساسية:

أولاً، التخطيط المتكامل للموارد بين وزارات الطاقة والمياه والزراعة، بدلاً من اعتماد موافقات متسلسلة تتعامل مع كل قطاع بمعزل عن الآخر.

ثانياً، إدراج متطلبات الاستفادة من المحاليل الملحية ضمن تصميم المشاريع منذ اليوم الأول، بحيث تتحول النفايات إلى معادن قابلة للاسترداد بدلاً من تصريفها في البحر.

ثالثاً، وضع أطر واضحة لتوزيع فائض المياه المحلاة على الزراعة والاستخدامات المجتمعية.

رابعاً، تضمين التزامات مائية مجتمعية داخل عقود الموافقة على المشاريع بشكل إلزامي، بدلاً من الاكتفاء بوعود المسؤولية الاجتماعية للشركات التي لا تمتلك آليات تنفيذ حقيقية.

وتوفر “رؤية عُمان 2040” الأساس السياسي لهذه العناصر جميعها، إذ تدمج بين الأمن المائي والتنويع الاقتصادي باعتبارهما أولويتين وطنيتين مترابطتين، مع بنية تحتية مشتركة وآليات مساءلة موحدة.

هذا الانسجام في التخطيط الوطني يسمح لمطوري مشاريع الهيدروجين في عُمان بالعمل ضمن منظومة واضحة ومتناسقة، بدلاً من مواجهة تعليمات متناقضة. كما يمنح المستثمرين الدوليين ثقة بأن إطار الحوكمة سيظل مستقراً وقابلاً للاستمرار.

كيف تستعد عُمان لتصدير الهيدروجين؟

لا تنتظر عُمان اكتمال إطار الحوكمة بشكل مثالي قبل التحرك. فمشروع مجموعة ACME يسير وفق الخطة لإطلاق أول مشروع تجاري واسع النطاق للهيدروجين المتجدد في البلاد خلال الربع الرابع من عام 2026، ليشكل أول إثبات عملي لإمكانية تنفيذ هذا النموذج المتكامل على أرض الواقع.

ويتجلى مفهوم الترابط بين القطاعات في خيارات البنية التحتية نفسها. إذ يتم دمج محطات الطاقة الشمسية مع مرافق معالجة مياه الصرف لدعم أهداف الأمن الغذائي المحلي. كما تساعد قدرات التحلية المخصصة لتغذية مصانع التحليل الكهربائي في تخفيف الضغط على احتياطيات المياه الجوفية التي تشهد تراجعاً مستمراً.

وبذلك، يتم تصميم أهداف الطاقة والمياه بطريقة تجعل كل منهما يعزز الآخر، لأن “رؤية 2040” تفرض تحقيق النتيجتين معاً وتوفر التمويل لهما في الوقت ذاته.

أما إعادة توجيه فائض المياه المحلاة إلى الزراعة، فهي ليست مجرد فائدة جانبية أو خطوة دعائية. ففي بلد يعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء، يمثل تقليص هذا الاعتماد مصلحة اقتصادية وأمنية مباشرة. ولذلك، فإن البنية التحتية للهيدروجين التي تنتج المياه العذبة كمنتج ثانوي تخدم هذا الهدف بصورة مباشرة.

وعند فهم اقتصاديات إنتاج الهيدروجين في البيئات الجافة بشكل صحيح، يصبح للمياه المنتجة قيمة موازية لقيمة الوقود نفسه.

دروس إضافية من ناميبيا وتشيلي

ليست عُمان الدولة الجافة الوحيدة التي تبني قطاعاً للهيدروجين. فتجارب ناميبيا وتشيلي تؤكد أهمية الحوكمة المتكاملة، وإن جاءت من مسارات مختلفة.

في ناميبيا، حصل مشروع Hyphen Hydrogen Energy على قرض بقيمة عشرة ملايين دولار من بنك التنمية الأفريقي في يناير 2026. ويتضمن المشروع التزاماً بتوفير ثلاثة ملايين لتر من المياه النظيفة يومياً لمنطقة لودريتز التي تعاني شح المياه، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من هيكل المشروع نفسه.

وهكذا أصبحت حماية الأمن المائي المجتمعي جزءاً من الالتزامات الجوهرية للمشروع، ما ساهم في حصوله على دعم محلي واسع ورخصة اجتماعية واضحة للعمل. ويظهر هنا أن النموذج العُماني، عند تطبيقه في بيئة مختلفة، يقود إلى النتائج نفسها.

أما في تشيلي، فالقصة تحمل درساً مختلفاً. إذ تعمل سبعة مشاريع كبرى تبلغ قيمتها الإجمالية 25 مليار دولار حالياً على اجتياز مراحل التصاريح البيئية. لكن تقييمات أواخر عام 2025 حذرت من مخاطر خطيرة على التنوع البيولوجي البحري بسبب تصريف المحاليل الملحية.

ودفع ذلك الحكومة إلى إطلاق مبادرة لتحويل المحاليل الملحية إلى موارد ذات قيمة، لكن بعد تصميم المشاريع وبدء إجراءات التصاريح بالفعل. وقد ترتب على هذا التسلسل تكاليف حقيقية من حيث التأخير وإعادة التصميم واستنزاف الرصيد السياسي.

فالدمج المبكر للحوكمة المتكاملة أقل تكلفة وأكثر سرعة من محاولة تعديل المشاريع لاحقاً.

لقد دخلت عُمان اقتصاد الهيدروجين وهي تبدو وكأنها تواجه عيباً هيكلياً، لكنها بدأت تخرج منه بنموذج حوكمة أكثر استدامة، مصمم خصيصاً للظروف التي يفرضها التحول العالمي في الطاقة.

فندرة المياه، وتنافس المطالب على الموارد، والحاجة إلى بناء شرعية اقتصادية واجتماعية محلية، ليست تحديات تخص عُمان وحدها، بل هي تحديات ستواجهها كل دولة تسعى لإنتاج الهيدروجين مع توسع هذا القطاع عالمياً.

كما أن أزمة مضيق هرمز زادت من أهمية هذه المسألة. فعندما يكون بمقدور نقطة اختناق واحدة تعطيل تدفقات الطاقة والمياه والغذاء في الوقت نفسه، تتحول الحوكمة المتكاملة من قضية استدامة إلى قضية أمن قومي.

ومع نمو اقتصاد الهيدروجين، فإن الدول التي ستنجح في جذب الاستثمارات طويلة الأمد لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أرخص الكهرباء المتجددة أو أكبر المساحات المتاحة، بل الدول القادرة على إثبات وجود حوكمة مستقرة ومتكاملة للموارد.

الدول التي تستطيع إثبات أن التزاماتها المائية قابلة للتنفيذ، وأن إدارة المحاليل الملحية جزء أصيل من التصميم، وأن احتياجات الزراعة والمجتمعات المحلية مُدمجة فعلياً في هيكل المشروع، لا في البيانات الإعلامية فقط.

فالدول التي تعلمت مبكراً كيفية إدارة الندرة ستكون هي الدول التي سيتجه العالم لدراستها في المرحلة المقبلة.

المصدر

مقالات ذات صلة