بقلم: داني برادلو
خلال السنوات الأخيرة لم يكن أمام الدول الأفريقية طريق سهل لتمويل خططها التنموية أو الوفاء بالتزاماتها البيئية والاجتماعية. فالقارة التي تسعى إلى تحسين أوضاع شعوبها وتطوير بنيتها التحتية ومواجهة آثار التغير المناخي وجدت نفسها محاصرة بديون متزايدة وتكاليف اقتراض مرتفعة وضغوط مالية خانقة.
ورغم أن بعض المؤشرات الأخيرة توحي بإمكانية حدوث انفراج محدود، فإن الصورة العامة ما تزال مقلقة. فبعد غياب دام عامين تمكنت ثلاث دول أفريقية من العودة إلى أسواق المال الدولية والاقتراض مجددًا، لكن بأسعار فائدة مرتفعة للغاية. فكينيا على سبيل المثال أصبحت تدفع فوائد تتجاوز 10% على ديونها، في حين كانت تدفع نحو 7% فقط قبل عقد من الزمن.
لكن هذه العودة إلى الأسواق لا تعني أن أزمة الديون قد انتهت، بل تكشف في الواقع عن عمق المشكلة التي تواجهها القارة. فمعظم الدول الأفريقية ما تزال تعاني أوضاعًا مالية شديدة الهشاشة، في وقت تتزايد فيه كلفة خدمة الديون بوتيرة تفوق قدرة الحكومات على التحمل.
فقد ارتفع حجم الدين الخارجي مقارنة بعائدات الصادرات الأفريقية من 74.5% عام 2010 إلى 140% عام 2022، وهو ارتفاع ضخم يعكس حجم الضغوط الواقعة على الاقتصادات الأفريقية. وخلال عام 2022 وحده اضطرت الحكومات الأفريقية إلى تخصيص نحو 12% من إيراداتها لسداد أقساط الديون وفوائدها. والأسوأ من ذلك أن خمسًا وعشرين حكومة أفريقية أنفقت بين عامي 2019 و2022 على خدمة ديونها أكثر مما أنفقته على الرعاية الصحية لمواطنيها. وفي نهاية عام 2023 قدّر International Monetary Fund أن أكثر من نصف الدول الأفريقية منخفضة الدخل كانت تواجه بالفعل، أو مهددة بمواجهة، صعوبات خطيرة في سداد ديونها.
هذه الأرقام تكشف بوضوح أن القارة ستواجه صعوبة هائلة في توفير مبلغ 1.6 تريليون دولار، وهو الرقم الذي قدّرته Organisation for Economic Cooperation and Development باعتباره ضروريًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030.
وقد أظهرت جائحة كورونا، كما كشفت مفاوضات المناخ العالمية، حقيقة باتت واضحة لكثير من الدول الأفريقية، وهي أن الاعتماد على المجتمع الدولي لتقديم التمويل الكافي أو منح إعفاءات واسعة من الديون لم يعد خيارًا مضمونًا. فحين تتعرض أفريقيا للأزمات تجد أن أولويات القوى الكبرى تتجه غالبًا نحو مصالحها الخاصة أو نحو مناطق أخرى من العالم.
أما الدائنون التجاريون، فهم يبدون حماسًا كبيرًا لإقراض الدول الأفريقية عندما تكون الظروف الاقتصادية مستقرة والعوائد المالية مرتفعة، لكن هذا الحماس يتراجع سريعًا عندما تبدأ المخاطر الحقيقية بالظهور، رغم أن أسعار الفائدة المرتفعة التي يفرضونها يفترض أنها تعوضهم عن هذه المخاطر منذ البداية.
ولهذا السبب تبدو الحاجة ملحة لأن تتبنى الدول الأفريقية موقفًا أكثر قوة ووضوحًا في الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والمالية، بدل الاكتفاء بالتكيف مع قواعد يضعها الآخرون.
ويبدو أن الفترة الحالية تمنح القارة فرصة نادرة لإعادة طرح ملف الديون بطريقة مختلفة. فهناك اجتماعات ومؤتمرات دولية مهمة ستناقش قضايا الحوكمة الاقتصادية العالمية، كما أن African Union يشارك هذا العام لأول مرة بصفته عضوًا كامل العضوية في مجموعة العشرين، في خطوة تمنح أفريقيا حضورًا سياسيًا واقتصاديًا أكبر داخل أهم منصة اقتصادية دولية. وإضافة إلى ذلك تستعد جنوب أفريقيا لتولي رئاسة مجموعة العشرين في عام 2025، وهي تشارك حاليًا ضمن المجموعة المصغرة التي تدير أعمال المجموعة وتحدد أولوياتها.
ومن المتوقع أن تكون قضايا الديون وتمويل التنمية حاضرة بقوة في هذه الاجتماعات، ما يمنح الدول الأفريقية فرصة للدفع نحو مقاربة جديدة أكثر عدالة وواقعية في التعامل مع الديون السيادية. لكن تحقيق ذلك لن يكون ممكنًا من دون إعداد جيد وتنسيق سياسي واضح.
ويفترض أن تنطلق أفريقيا من حقيقة باتت معروفة للجميع، وهي أن النظام الحالي لإعادة هيكلة الديون لا يحقق نتائج فعالة لا للدول المدينة ولا للدائنين أنفسهم.
فقد أطلقت مجموعة العشرين ما يعرف بـ “الإطار المشترك” بهدف مساعدة الدول منخفضة الدخل على إعادة هيكلة ديونها وحل أزماتها المالية. وتقدمت أربع دول أفريقية بطلبات للاستفادة من هذا الإطار، لكن وبعد سنوات طويلة من المفاوضات لم يتمكن هذا النظام من إنهاء الأزمة بصورة كاملة في ثلاث من هذه الدول.
وحتى الدول التي لم تدخل ضمن هذا الإطار، مثل Sri Lanka، لم تنجح في الخروج الكامل من أزماتها المالية. وهذا يعني أن الخلل لا يتعلق بدولة بعينها، بل بطبيعة النظام نفسه.
كما أن استمرار الأزمات لفترات طويلة يفرض خسائر كبيرة على الجميع. فالدول المدينة تعاني من التراجع الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، بينما يواجه الدائنون خطر تعثر السداد وفقدان جزء من أموالهم. ولهذا فإن البحث عن نموذج جديد ليس مصلحة أفريقية فقط، بل مصلحة مشتركة لجميع الأطراف.
لكن الوصول إلى حلول مختلفة يتطلب استعدادًا حقيقيًا لتجربة أفكار جديدة بدل إعادة تدوير الأساليب القديمة نفسها. وعلى الدول الأفريقية ألا تكتفي برفض النظام الحالي، بل عليها أن تقدم بدائل واضحة ومبتكرة، وأن تعلن استعدادها لتحمل مسؤوليات أكبر إذا أبدى الدائنون استعدادًا مماثلًا.
ويمكن للدول الأفريقية أن تذكّر شركاءها بأن العالم لا يبدأ من الصفر في هذا الملف، فهناك بالفعل مجموعة من المعايير والمبادئ الدولية المتعلقة بالإقراض المسؤول وإدارة الديون السيادية، لكنها لا تطبق بالشكل الكافي. ومن بين هذه المبادئ تلك التي وضعتها United Nations Conference on Trade and Development بشأن التعامل المسؤول مع الديون السيادية. فبعض هذه المبادئ يتعلق بمسؤولية الدول المقترضة، بينما يركز بعضها الآخر على التزامات المقرضين أنفسهم، بما في ذلك الشفافية واحترام القضايا البيئية والاجتماعية وحقوق الإنسان.
ومن خلال الاستناد إلى هذه المعايير يمكن بناء نهج جديد لا يقوم على اختراع قواعد جديدة بالكامل، بل على تطبيق المبادئ التي وافقت عليها الأطراف أصلًا.
وفي هذا السياق تستطيع الدول الأفريقية أن تتقدم بثلاثة مطالب رئيسية.
أول هذه المطالب أن تلتزم الحكومات الأفريقية بأعلى درجات الشفافية في كل ما يتعلق بالديون العامة، سواء في آليات الاقتراض أو شروط الاتفاقيات أو طريقة إدارة الأموال المقترضة.
فالشفافية لا تحمي فقط الاقتصاد الوطني، بل تمنح المواطنين أيضًا حق معرفة الالتزامات التي تتحملها حكوماتهم باسمهم. كما أنها تدفع الحكومات إلى تبني سياسات أكثر مسؤولية في الاقتراض وإدارة الديون، وتفتح الباب أمام محاسبتها إذا خالفت المعايير المتفق عليها.
أما المطلب الثاني فيتعلق بجوهر النظام الحالي لإعادة هيكلة الديون، والذي يركز بصورة شبه كاملة على العقود المالية وحقوق الدائنين، متجاهلًا الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تتحملها الدول والشعوب.
ففي ظل هذا النظام تصبح أولوية الدولة المتعثرة هي سداد الديون، حتى لو جاء ذلك على حساب الإنفاق على الصحة والتعليم ومواجهة الفقر والبطالة والتغير المناخي وفقدان التنوع البيولوجي. ويمنح هذا الوضع الدائنين قدرة هائلة على فرض شروطهم على الحكومات المتعثرة، في حين لا تحظى احتياجات المواطنين بالحماية الكافية.
وهذا النهج لا ينسجم مع الخطاب العالمي الذي يتحدث باستمرار عن العدالة المناخية والتنمية المستدامة وتقليص الفوارق الاجتماعية. لذلك ينبغي أن تتبنى مفاوضات الديون مستقبلًا رؤية أوسع تأخذ في الاعتبار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وحقوق الإنسان والحوكمة، لا أن تقتصر فقط على الحسابات المالية الضيقة.
أما المطلب الثالث فهو أن يلتزم الدائنون أنفسهم علنًا ببناء أي نظام جديد لإدارة الديون على أساس معايير دولية واضحة تتعلق بالشفافية والمسؤولية البيئية والاجتماعية واحترام حقوق الإنسان.
فالديون ليست مجرد أرقام في دفاتر الحسابات، بل قرارات تؤثر في حياة ملايين البشر وفي قدرة الدول على بناء مستقبلها. ولهذا فإن أي نظام عالمي جديد للديون لا بد أن ينظر إلى التنمية والاستقرار والعدالة باعتبارها أهدافًا لا تقل أهمية عن ضمان حقوق المقرضين.
