بقلم: مالفيكا جيثمالاني
كان الوعد الكبير للذكالي بسيطًا ومغريًا: سيتولى الأعمال المرهقة والمتكررة، ويمنح الناس وقتًا أوسع للتفكير والإبداع، فتزداد الإنتاجية ويخف الضغط. لكن ما يحدث على أرض الواقع يسير في اتجاه مختلف تمامًا. فبدلًا من أن يقل العمل، أصبح أكثر كثافة، وبدلًا من أن يشعر الموظفون بالراحة، صار كثير منهم يشعرون بأنهم يعملون طوال الوقت.
هذا ما كشفته دراسة ميدانية أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا في بيركلي داخل شركة تقنية تضم مئتي موظف، ونشرتها مجلة هارفارد بزنس ريفيو. فقد أظهرت الدراسة أن استخدام أدوات الذكالي لم يؤدِّ إلى تقليص حجم العمل، بل إلى تسريع إيقاعه وتوسيع نطاقه. الموظفون أصبحوا ينجزون مهام أكثر، ويتحملون مسؤوليات أوسع، ويمدّدون يوم العمل إلى ساعات إضافية، أحيانًا دون أن يُطلب منهم ذلك. والمفارقة أن كثيرين منهم لم يشعروا بأنهم أصبحوا أقل انشغالًا، بل أكثر إنهاكًا من أي وقت مضى.
المشكلة الأساسية أن الذكالي لا يقلل العمل تلقائيًا، بل يرفع كثافته. وإذا لم تُعد المؤسسات تصميم طريقة العمل بصورة واعية، فقد يتحول الذكالي من أداة لتحسين الأداء إلى وقود دائم للاحتراق الوظيفي.
حين أصبح الانتباه هو المورد النادر
حتى قبل ظهور الذكالي، كانت المؤسسات تعيش داخل ما يُعرف بـ«اقتصاد الانتباه». فالمعلومات تتدفق بلا توقف، والإشعارات تلاحق الجميع، والاجتماعات تلتهم اليوم. العاملون في الوظائف المعرفية باتوا ينتقلون بين المهام كل أقل من دقيقة، وكل مقاطعة تحتاج وقتًا طويلًا لاستعادة التركيز الكامل.
لهذا لم يعد الوقت هو المورد الأكثر ندرة، بل القدرة الذهنية نفسها. القدرة على التركيز العميق، والتفكير المتواصل، والتأمل الهادئ. وكان يُفترض أن يخفف الذكالي هذا العبء، لكنه في الحقيقة ضاعفه بطرق عديدة.
فعندما تصبح كتابة مذكرة أو تحليل بيانات أو إعداد عرض تقديمي عملية لا تحتاج سوى إلى بضع مطالبات، يصبح من السهل جدًا إضافة «مهمة أخرى صغيرة». تعديل سريع قبل النوم، فكرة تُراجع أثناء الغداء، عمل جانبي لم يكن أحد سيبدأ به سابقًا لأنه كان يحتاج جهدًا كبيرًا. كل مهمة تبدو صغيرة وحدها، لكنها مجتمعة تلتهم المساحات التي كان العقل يستعيد فيها توازنه.
وهكذا يتحول العمل إلى حالة دائمة الحضور. لا يبدأ بوضوح ولا ينتهي بوضوح. إنه يرافق الإنسان طوال اليوم.
وهم الوقت المستعاد
لا يزال كثير من القادة ينظرون إلى المسألة بطريقة مبسطة: إذا وفر الذكالي ثلاث ساعات، فهذا يعني إمكانية ملء هذه الساعات بأعمال أكثر أهمية. لكن هذه النظرة تخلط بين الوقت والطاقة الذهنية.
فالوقت الذي يتم توفيره لا يعني بالضرورة أن العقل استعاد قدرته على التفكير العميق. الدراسات المتعلقة بالأداء المعرفي تشير إلى أن الإنسان لا يستطيع غالبًا الحفاظ إلا على أربع أو خمس ساعات يوميًا من التفكير المكثف الحقيقي. القرارات الاستراتيجية، وحل المشكلات المعقدة، والتفكير الإبداعي، كلها تستنزف قدرًا هائلًا من الطاقة الذهنية، ولا يمكن مضاعفتها بلا حدود.
لكن هذا تحديدًا ما يحدث في كثير من بيئات العمل التي تعتمد الذكالي. فالمهام الخفيفة التي كانت تمنح اليوم إيقاعًا متوازنًا تختفي، ولا يبقى سوى الأعمال الثقيلة ذهنيًا. يصبح اليوم كله مكدسًا بالتحليل، واتخاذ القرارات، والتفكير المركب، دون أي مساحة للتنفس الذهني. ثم يتساءل المديرون لماذا يشعر الناس بالإرهاق رغم أن العمل أصبح «أسرع».
الحقيقة أن السرعة من دون تعافٍ ليست كفاءة، بل ضغط متواصل.
رأس المال الحقيقي في عصر الذكالي
القضية هنا ليست مجرد رفاهية موظفين، بل قضية اقتصادية أيضًا. تقرير حديث صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي ومعهد ماكينزي للصحة استخدم مصطلح «رأس المال الدماغي» للإشارة إلى مزيج صحة الدماغ والمهارات الإدراكية مثل المرونة، والحكم السليم، والإبداع، والقدرة على التكيف.
الفكرة الأساسية في التقرير أن الاقتصادات المعتمدة على الذكالي ستصبح أكثر اعتمادًا على جودة التفكير البشري، لا أقل. فكلما ازدادت قدرة الأنظمة على توليد المعلومات والإجابات، ازدادت قيمة الإنسان القادر على الفهم العميق، واتخاذ القرار الحكيم، وربط الأفكار بصورة خلاقة.
ولهذا فإن استنزاف العقول لم يعد مجرد مشكلة إدارية، بل شكل من أشكال استنزاف رأس المال نفسه.
كيف يوسّع الذكالي نطاق العمل
الدراسة التي أجرتها بيركلي رصدت ثلاثة أنماط تتكرر اليوم في قطاعات مختلفة.
أول هذه الأنماط هو اتساع الأدوار. فبفضل الذكالي أصبح من السهل على مدير المنتجات أن يكتب شيفرات برمجية، وعلى المصمم أن يحلل البيانات، وعلى الباحث أن يطوّر نموذجًا أوليًا. الأعمال التي كانت تحتاج إلى فرق إضافية أصبحت تُلقى على الشخص نفسه ما دام يملك أداة ذكالية تساعده.
النمط الثاني هو تلاشي الحدود بين العمل والراحة. لأن استخدام الذكالي يبدو أشبه بالمحادثة السريعة، بدأ الناس يُدخلون العمل في اللحظات التي كانت مخصصة للاستراحة. لم تعد هناك مسافة واضحة بين وقت العمل ووقت التعافي.
أما النمط الثالث فهو تعدد المسارات الذهنية في الوقت نفسه. فالموظف يتابع مخرجات عدة أدوات، ويراجع نصوصًا متعددة، ويعدّل مسودات متوازية. يبدو الأمر وكأنه زخم وإنتاجية، لكنه في الحقيقة يخلق انتباهًا متشظيًا وحملًا ذهنيًا متزايدًا.
ومع الوقت تنشأ دائرة مغلقة: السرعة ترفع التوقعات، والتوقعات تدفع إلى مزيد من الاعتماد على الذكالي، والاعتماد المتزايد يوسّع نطاق العمل أكثر فأكثر.
حين تبدو الإنتاجية نجاحًا زائفًا
المشكلة أن هذا التصعيد يبدو ظاهريًا وكأنه نجاح. فالإنتاجية ترتفع، والمهام تُنجز بسرعة، والفرق تبدو نشطة ومتحفزة. لكن جزءًا كبيرًا من هذه الإنتاجية يتم اقتراضه من المستقبل.
فمع مرور الوقت تبدأ جودة الأحكام بالتراجع، وتزداد الأخطاء والأعمال المعادة، وتتقلص المساحات الإبداعية، وتبدأ المواهب الأكثر قيمة في المغادرة. المهارات الذهنية الأساسية مثل التفكير النقدي والمرونة والقدرة على التكيف تتآكل تدريجيًا تحت ضغط العمل المستمر.
لهذا فإن الخطأ الأكبر هو التعامل مع الذكالي باعتباره مجرد أداة تقنية جديدة، بينما التحدي الحقيقي يكمن في إعادة تصميم العمل نفسه.
من الأتمتة إلى إعادة تصميم العمل
الاستفادة الحقيقية من الذكالي لا تتحقق بمجرد إدخال الأدوات، بل بإعادة بناء طريقة العمل بما يتناسب مع حدود العقل البشري.
وهذا يبدأ أولًا بأتمتة الأعمال المرهقة دون ملء الفراغ الناتج فورًا بمزيد من المهام. السؤال ليس فقط: ماذا نستطيع أن ننجز أسرع؟ بل أيضًا: ما الذي لم يعد من الضروري فعله أصلًا؟
ثم يأتي تصميم بيئة تحمي القدرة الذهنية: تقليل المقاطعات، تخصيص أوقات للتركيز العميق، الحد من التنقل المستمر بين المهام، ومنح الناس وقتًا حقيقيًا للتعافي الذهني.
كذلك تحتاج المؤسسات إلى ما يمكن تسميته «المساحة الاستراتيجية»؛ أي الوقت غير المخصص مباشرة للتنفيذ. فالابتكار لا يولد وسط الجداول المكتظة، بل يحتاج إلى التأمل، والتجريب، وحتى الفراغ أحيانًا.
هذه المساحات ليست ترفًا، بل شرط أساسي للإبداع.
ما الذي نفعله بالمساحة التي يخلقها الذكالي؟
هنا يمكن لقطاع الأعمال أن يتعلم من الفنانين والمبدعين. فالكتّاب والموسيقيون والمصممون يدركون منذ زمن أن العمل الإبداعي لا يحتاج إلى وقت فقط، بل إلى فسحة ذهنية أيضًا. يحتاج إلى ساعات غير متقطعة، وإلى الملل أحيانًا، وإلى فترات احتضان تنضج فيها الأفكار ببطء.
لذلك فإن نموذج «الاستوديو الإبداعي» قد يكون أنسب لعصر الذكالي من نموذج «خط الإنتاج». فعندما تختفي الأعمال الروتينية من الوظائف المعرفية، لا يبقى التنفيذ وحده، بل يصبح المطلوب هو الاكتشاف، وربط الأفكار، والتجريب، وصناعة المعنى.
أما إذا استمرت المؤسسات في ثقافة الاستعجال الدائم، فلن تحقق الابتكار الذي تتوقعه مهما امتلكت من أدوات ذكالية متقدمة.
الميزة التنافسية القادمة
المؤسسات الأكثر وعيًا بدأت تدرك أن التفوق في عصر الذكالي لن يتحقق عبر أتمتة أكبر عدد ممكن من المهام فقط، بل عبر إدارة الانتباه والإيقاع الذهني بذكاء أكبر.
فالسرعة من دون حدود تستنزف جودة التفكير، والعمل المتواصل يفتت التركيز، والأتمتة من دون تعافٍ تحرق المواهب البشرية.
وفي عالم يستطيع فيه الذكالي إنتاج الإجابات فورًا، لن تصبح المعلومات هي المورد النادر، بل التفكير الواضح.
والتفكير الواضح يحتاج إلى مساحة.
وهذه المساحة لن يخلقها الذكالي وحده، بل يجب أن يصممها القادة بعناية، إذا كانوا يريدون مستقبل عمل أكثر إنسانية وإبداعًا واستدامة.
المصدر
