القائمة الرئيسية

الذكاء الاصطناعي يصنع القيمة… لكن القادة هم من يقررون أين تذهب

الذكاء الاصطناعي يصنع القيمة… لكن القادة هم من يقررون أين تذهب
ملخص المقال

في هذا المقال المنشور على موقع reworked، تشرح الكاتبة مالفيكا كيف أن الانقسام الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس بين الشركات المتقدمة تقنيًا وغيرها، بل بين نوعين من القادة: من يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحقيق وفورات سريعة وتقليص التكاليف، ومن يعيدون استثمار مكاسبه لبناء قدرات جديدة وتعزيز النمو والثقة على المدى الطويل. وتكشف بيانات EY أن نسبة قليلة فقط من المؤسسات استخدمت مكاسب الذكاء الاصطناعي لتقليص الوظائف، بينما فضلت الأغلبية توجيه هذه المكاسب نحو تطوير المهارات، وتعزيز الأمن السيبراني، وتوسيع قدرات الذكاء الاصطناعي نفسها. ويؤكد المقال أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تتحقق عبر الأتمتة وحدها، بل عبر القيادة الواعية القادرة على بناء الثقة والشفافية وإشراك الموظفين في التحول بدل إخافتهم به. كما يشدد على أن فهم الذكاء الاصطناعي أصبح مهارة قيادية وإدارية أساسية، وأن قادة الموارد البشرية يلعبون دورًا محوريًا في ضمان بقاء هذه التحولات متمحورة حول الإنسان. وفي النهاية، يخلص المقال إلى أن الذكاء الاصطناعي يصنع الإمكانات، لكن القيادة هي التي تحدد ما إذا كانت هذه الإمكانات ستتحول إلى تقدم مستدام أو مجرد مكاسب قصيرة الأجل.

بقلم: مالفيكا جيثمالاني

الانقسام الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس تقنيًا، بل قياديًا. فبيانات EY تكشف عن فجوة متزايدة بين المؤسسات التي تعيد استثمار مكاسب الذكاء الاصطناعي لتحقيق النمو، وتلك التي تكتفي بتحويل هذه المكاسب إلى وفورات قصيرة الأجل.

إذا اكتفينا بمتابعة العناوين الرئيسية، فقد يبدو وكأن الذكاء الاصطناعي يدمر الوظائف بوتيرة متسارعة ويدفع الشركات نحو سباق محموم لتقليص التكاليف. لكن عندما ننظر إلى الصورة بعمق أكبر، يتضح أن الواقع أكثر تعقيدًا وتوازنًا مما توحي به الضجة الإعلامية.

فبحسب أحدث استطلاع «نبض الذكاء الاصطناعي» الصادر عن EY، فإن 17% فقط من المؤسسات التي استثمرت في الذكاء الاصطناعي وحققت مكاسب إنتاجية بفضله قالت إن هذه المكاسب أدت إلى تقليص عدد الموظفين. أما الغالبية، فلم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة فجة لخفض النفقات، بل باعتباره فرصة لإعادة الاستثمار وبناء قدرات جديدة.

وفي حديث مع جوناثان سيرز، المسؤول العالمي لتقنيات استشارات الأفراد في EY، برزت فكرة محورية: الانقسام الحقيقي اليوم ليس بين الشركات الأكثر تطورًا تقنيًا والأقل تطورًا، بل بين نوعين من القادة. هناك من يرى الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة سريعة لتحسين الكفاءة وتقليل التكاليف، وهناك من يراه محركًا طويل الأمد للنمو وبناء القدرات وتعزيز الثقة.

الذكاء الاصطناعي… المتهم الأسهل

كثير من موجات التسريح الوظيفي التي تتصدر الأخبار يجري تقديمها باعتبارها «مدفوعة بالذكاء الاصطناعي». لكن هذا التفسير، رغم جاذبيته، يختزل الواقع بصورة مفرطة.

فالعديد من عمليات خفض الوظائف الحالية ترتبط بعوامل أوسع بكثير، مثل عودة الأسواق إلى طبيعتها بعد الجائحة، أو تصحيح موجات التوظيف المفرطة التي حدثت خلال فترة أسعار الفائدة شبه الصفرية، أو تغير أولويات الشركات والأسواق المالية. لكن الذكاء الاصطناعي أصبح التفسير الأسهل لأنه يبدو قوة حتمية ومحايدة لا يمكن مقاومتها.

جوناثان سيرز لم يدخل في تحليلات اقتصادية واسعة، بل عاد مباشرة إلى البيانات. وكانت رسالته واضحة: الأرقام لا تدعم فكرة أن الذكاء الاصطناعي هو المحرك الأساسي لتقليص الوظائف.

فالاستطلاع يظهر أن المؤسسات تستخدم المكاسب الناتجة عن الذكاء الاصطناعي في مجالات أخرى، أهمها:

توسيع قدرات الذكاء الاصطناعي بنسبة 42%

تعزيز الأمن السيبراني بنسبة 41%

تطوير مهارات الموظفين وإعادة تأهيلهم بنسبة 38%

وهذا يغير السردية السائدة بالكامل. فبدلًا من أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليص المؤسسات، يجري استخدامه لبنائها وتطويرها، عندما يختار القادة ذلك.

وهنا تكمن النقطة الجوهرية: الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة التغيير الظاهرة، لكن نوايا القيادة هي التي تحدد ما إذا كانت مكاسب الإنتاجية ستُستخرج سريعًا أم يُعاد استثمارها لصناعة مستقبل أقوى.

طريقان مختلفان أمام القادة

تكشف نتائج الاستطلاع عن مفترق طرق واضح.

فقط 17% من المؤسسات وجهت مكاسب الذكاء الاصطناعي نحو تقليص العمالة، بينما أعادت الأغلبية استثمار هذه المكاسب داخل الشركة، سواء في التكنولوجيا أو المهارات أو تعزيز المرونة المؤسسية.

هذا الانقسام يعكس نمطين مختلفين تمامًا من التفكير القيادي.

النمط الأول يقوم على عقلية الاستخراج: استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة العمل، وتقليص التكاليف، وتحقيق وفورات سريعة.

أما النمط الثاني فيقوم على عقلية إعادة الاستثمار: اعتبار الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي وقودًا للنمو المستقبلي وبناء القدرات وتعزيز القدرة على التكيف.

وكما أوضح سيرز، فإن المؤسسات التي تنجح في إعادة الاستثمار تتمتع بصبر استراتيجي. فهي مستعدة للتضحية بجزء من المكاسب السريعة مقابل بناء ميزة تنافسية طويلة الأمد.

هذا الخيار ليس سهلًا دائمًا. فمن الأسهل بكثير تبرير خفض التكاليف أمام المساهمين مقارنة بتبرير توجيه المكاسب نحو التدريب أو تحديث الأنظمة أو تعزيز الأمن الرقمي. لكن هنا تحديدًا تتشكل أفضلية المستقبل.

فالمؤسسات التي تعيد الاستثمار تبني زخمًا مستدامًا. إنها تطور مواهبها، وتحدث نماذج عملها، وتزيد قدرتها على استيعاب موجات التغيير المقبلة. أما المؤسسات التي تركز فقط على اقتناص المكاسب السريعة، فإنها غالبًا تصل سريعًا إلى سقف الفوائد الممكنة، ثم تبدأ بالتباطؤ.

وهذه ليست ظاهرة جديدة خاصة بالذكاء الاصطناعي. ففي كل التحولات الكبرى، تكون المكاسب الأولية سهلة القياس، بينما لا تظهر الفوائد التراكمية الحقيقية إلا لدى المؤسسات التي تمتلك الصبر الكافي للاستثمار طويل المدى.

الثقة… البنية التحتية الحقيقية للذكاء الاصطناعي

توضح بيانات الاستطلاع أن المؤسسات، مع توسعها في استخدام الذكاء الاصطناعي، أصبحت تمنح أهمية أكبر للأخلاقيات والشفافية والتدريب المسؤول على استخدام هذه التقنيات.

وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن مكاسب الإنتاجية لا تتحول تلقائيًا إلى أداء مستدام. بل يتحقق ذلك عندما يشعر الموظفون بأن الذكاء الاصطناعي يُستخدم بطريقة تراعي مصالحهم، لا باعتباره تهديدًا لهم.

ويؤكد سيرز أن الثقة والشفافية أصبحتا عنصرين أساسيين، خصوصًا في وقت يغرق فيه الموظفون بعناوين مقلقة تتحدث باستمرار عن فقدان الوظائف.

فعندما يتحدث القادة عن الذكاء الاصطناعي بلغة غامضة أو مجردة، فإنهم يزيدون القلق دون قصد. ففي غياب المعلومات الواضحة، يملأ الموظفون الفراغ بالخوف.

أما القادة الذين يشرحون بوضوح أين تذهب مكاسب الذكاء الاصطناعي، سواء نحو التدريب أو تطوير القدرات أو تعزيز الأمن، فإنهم يعيدون صياغة الصورة بالكامل. يتحول الذكاء الاصطناعي من تهديد إلى فرصة.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة الاستثمار ليست مجرد قرار مالي، بل رسالة ثقافية واستراتيجية أيضًا. والثقة هنا ليست قيمة معنوية فحسب، بل بنية تحتية حقيقية لا يمكن تحقيق قيمة مستدامة للذكاء الاصطناعي من دونها.

الإلمام بالذكاء الاصطناعي أصبح إلمامًا ماليًا

إحدى أهم الإشارات التي تكشفها بيانات EY أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مؤشر على الابتكار، بل أصبح يصنع قيمة مالية ملموسة تظهر مباشرة في نتائج الأعمال.

فمن بين المؤسسات التي حققت عائدًا إيجابيًا من استثمارات الذكاء الاصطناعي، قالت 56% إن هذه المكاسب انعكست بالفعل على الأداء المالي العام بصورة واضحة وقابلة للقياس.

وفي الوقت نفسه، بدأت المؤسسات تركز بصورة متزايدة على ما يمكن تسميته «الطلاقة في الذكاء الاصطناعي» لدى القيادات العليا.

ويصف سيرز هذه اللحظة بأنها نقطة تحول، حيث أصبح فهم الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من متطلبات القيادة الحديثة.

في المستقبل، لن يُقيَّم القادة بناءً على دعمهم النظري للذكاء الاصطناعي، بل بناءً على قدرتهم على:

تحويل الذكاء الاصطناعي إلى نتائج أعمال فعلية

قياس أثره بصورة موثوقة

مواءمة التكنولوجيا والمواهب وتخصيص الموارد

بناء فرق تجمع بين القدرات البشرية والذكاء الاصطناعي والاستفادة منها

وبهذا المعنى، فإن فهم الذكاء الاصطناعي يتحول تدريجيًا إلى شكل جديد من أشكال الفهم المالي والإداري.

الدور المحوري لرؤساء الموارد البشرية

هذا التحول يمنح قادة الموارد البشرية دورًا أكثر مركزية من أي وقت مضى.

فبحسب سيرز، يصبح مسؤولو الموارد البشرية عنصرًا أساسيًا في ضمان بقاء التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي متمحورة حول الإنسان.

فهم يساعدون على وضع الضوابط الأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التوظيف والتعلم واتخاذ القرارات المتعلقة بالقوى العاملة. كما يدفعون المؤسسات إلى الانتقال من التفكير التقليدي القائم على الوظائف الثابتة إلى التفكير القائم على المهارات والمسارات المهنية.

وفوق ذلك، يساهمون في تحويل مكاسب الإنتاجية إلى دعم حقيقي للموظفين، من خلال التدريب والتغذية الراجعة وإتاحة فرص التنقل الداخلي والتطوير المهني.

وبهذا يعززون الرسالة الأهم: الذكاء الاصطناعي لا يُستخدم لتقليص الفرص، بل لتوسيعها.

عندما تحدث التسريحات… يصبح الاختبار أخلاقيًا

صحيح أن البيانات لا تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يقود موجات واسعة من تقليص الوظائف، لكن من غير الواقعي الادعاء بأن التغيير لن يحدث أبدًا.

بعض الأدوار ستتغير أسرع من غيرها، وبعض الوظائف ستختفي بالفعل. وهنا تظهر القيادة الحقيقية.

فالطريقة التي تتعامل بها المؤسسة مع الموظفين المغادرين ترسل رسالة قوية إلى من يبقون داخلها. لأن التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تعتمد على وجود قوة عاملة منخرطة وواثقة، وهذه الثقة تتآكل بسرعة عندما يشعر الناس بأن زملاءهم يُعاملون كخسائر جانبية.

الموظفون يراقبون كل شيء: مستوى الشفافية، والاحترام، والعدالة، وطريقة التواصل. وهذه ليست اعتبارات أخلاقية فقط، بل عوامل تشغيلية تؤثر مباشرة في استقرار المؤسسة وثقافتها.

المؤسسات التي تحافظ على كرامة الموظفين حتى أثناء المغادرة تكون أكثر قدرة على الحفاظ على الثقة والالتزام والزخم بعد انتهاء التغيير.

ما الذي سيميز القادة الناجحين؟

عصر الذكاء الاصطناعي لا يقسم المؤسسات فقط بناءً على قدراتها التقنية، بل بناءً على الطريقة التي يستجيب بها القادة للقيمة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي.

بعض القادة سيبحثون عن المكاسب السريعة، بينما سيختار آخرون إعادة الاستثمار وبناء المستقبل.

والقادة الذين سيتقدمون فعلًا هم أولئك الذين يسلكون الطريق الأصعب: إعادة استثمار مكاسب الإنتاجية، والتواصل بوضوح، وبناء الثقة بصورة مقصودة ومدروسة.

فالذكاء الاصطناعي يصنع الإمكانات، لكن القيادة هي التي تحدد ما إذا كانت هذه الإمكانات ستتحول إلى تقدم حقيقي.

الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل مستقبل العمل، لكن نوايا القادة وقراراتهم هي التي ستحدد من سينجح في هذا المستقبل ومن سيتراجع عنه.

المصدر

مقالات ذات صلة