- تثبت العناقيد الصناعية في جنوب أفريقيا أن التصنيع النظيف قادر على جذب الاستثمارات وتعزيز القدرة التنافسية ودفع النمو الإقليمي.
- ومن خلال هذه العناقيد الصناعية، تضيف جنوب أفريقيا قيمة إلى ثرواتها المعدنية وتوسع قدراتها في تصنيع التقنيات النظيفة.
- وقد انضم اثنان من أبرز العناقيد الصناعية في جنوب أفريقيا إلى مبادرة “العناقيد الصناعية الانتقالية” التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي.
في مختلف أنحاء العالم، تُعد العناقيد الصناعية محور الاقتصادات الحديثة، إذ تنتج المواد والطاقة والسلع التي تدعم الحياة اليومية. ومن خلال تركيز الإنتاج والاستهلاك والبنية التحتية والمواهب ضمن مناطق جغرافية محددة، تتيح هذه العناقيد للصناعات الابتكار بوتيرة أسرع، وتقليل مخاطر الاستثمارات واسعة النطاق، والحفاظ على قدرتها التنافسية في اقتصاد عالمي سريع التغير.
ويتم الاعتراف بهذا الدور المحوري من خلال مبادرة “العناقيد الصناعية الانتقالية” التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، وهي شبكة عالمية تضم 40 مركزاً رائداً تعمل على تعزيز النمو الشامل، وخلق فرص العمل، وإزالة الكربون من القطاع الصناعي، إضافة إلى مركز جنوب أفريقيا للصناعة والتكنولوجيا، الذي يدعم التحول الصناعي على المستوى الوطني. ومن خلال ربط الاقتصادات المحلية بسلاسل القيمة العالمية، تستطيع العناقيد الصناعية جذب الاستثمارات، وتعزيز النمو الشامل، وتسريع إزالة الكربون من العمليات الصناعية.
وفي الاقتصادات الناشئة مثل جنوب أفريقيا، يمكن للعناقيد الصناعية أن تؤدي أيضاً دوراً حاسماً كمحركات للتنويع الاقتصادي، عبر مساعدة المناطق على الانتقال من الاعتماد على قطاع واحد، مثل التعدين أو الخدمات اللوجستية، إلى سلاسل قيمة متكاملة تشمل التصنيع النظيف وأنظمة الطاقة المتجددة وممرات التصدير الخضراء. ويضمن نهج العناقيد الصناعية ألا يقتصر التحول الصناعي على شركات منفردة، بل أن يمتد عبر النظم الاقتصادية الإقليمية بأكملها، مما يحقق تأثيرات اقتصادية مضاعفة أكبر بكثير.
أبرز العناقيد الصناعية في جنوب أفريقيا
انضم مؤخراً عضوان من جنوب أفريقيا إلى مبادرة “العناقيد الصناعية الانتقالية” التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي: عنقود شركة تطوير كويغا الصناعي، ومجمع الساحل الغربي الصناعي. وهما أول عنقودين أفريقيين ينضمان إلى هذه المنصة.
ويقع عنقود شركة تطوير كويغا الصناعي في منطقة الكيب الشرقي بجنوب أفريقيا، ويُعد واحداً من أكبر وأكثر المناطق الاقتصادية الخاصة تنوعاً في أفريقيا. ويضم العنقود مجموعة متنوعة من القطاعات، بما في ذلك صناعة السيارات والطاقة والطاقة المتجددة والصناعات البحرية والمعادن والتعدين الصناعي والصناعات الزراعية والكيماويات وغيرها.
وتركز الاستراتيجية طويلة الأجل لشركة كويغا على تنويع الصناعة، والنمو القائم على البنية التحتية، وتحقيق الأثر الاجتماعي والاقتصادي، وتشكل المشاريع الخضراء جزءاً رئيسياً من هذه الرؤية. فعلى سبيل المثال، يدمج مشروع كويغا للأمونيا الخضراء بين التوسع واسع النطاق في طاقتي الرياح والشمس، وتحلية المياه، وإنتاج الأمونيا الخضراء، والبنية التحتية للتصدير. ويمثل المشروع استثماراً يُقدّر بنحو 105 مليارات راند جنوب أفريقي (6.4 مليارات دولار)، ومن المتوقع أن يوفر أكثر من 20 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.
أما مجمع الساحل الغربي الصناعي، الواقع في الكيب الغربي بجنوب أفريقيا، فيجمع بين منطقة سالدانها باي للتنمية الصناعية، ووكالة “ويسغرو”، والمنطقة الاقتصادية الخاصة في أتلانتس. ويرتكز المجمع على أكبر ميناء طبيعي للمياه العميقة في جنوب أفريقيا، ويجمع بين الصناعات البحرية، وتصنيع الفولاذ والتقنيات الخضراء، والخدمات اللوجستية المرتبطة بالموانئ.
ويهدف هذا العنقود إلى أن يصبح مركزاً استراتيجياً للخدمات اللوجستية البحرية الخضراء. ولدعم هذا الطموح، وضع العنقود مخططاً رئيسياً للمرحلة الأولى يحدد الاعتبارات الاستراتيجية والتقنية والتنظيمية اللازمة لنشر مشاريع الهيدروجين الأخضر وتقنيات “الطاقة إلى X” بشكل مستدام في منطقة الساحل الغربي. كما يجري دراسات جدوى لمشاريع إنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء باستثمارات تتجاوز قيمتها الإجمالية 100 مليار راند جنوب أفريقي (6.1 مليارات دولار).
كيف تتبنى جنوب أفريقيا نموذج العناقيد الصناعية
تتزايد أهمية العناقيد الصناعية والمزايا الاستراتيجية التي توفرها في أجندات القيادات الوطنية ومتعددة الأطراف. ففي أكتوبر 2025، دعمت رئاسة جنوب أفريقيا لمجموعة العشرين إطلاق “تحالف مراكز التصنيع المستدام”، وهو جهد يهدف إلى توطين سلاسل قيمة التقنيات النظيفة، وخلق وظائف عالية الجودة، ودفع إزالة الكربون الصناعي على نطاق واسع بالاعتماد على المراكز الصناعية.
وفي جنوب أفريقيا، أُطلق مشروع “أنظمة الطاقة المستدامة للتنمية الحضرية الصناعية” عام 2023 لمدة أربع سنوات، بهدف دعم عناقيد صناعية مختارة من خلال تقديم المساعدة التقنية، وتنفيذ مشاريع تجريبية منخفضة الكربون، ووضع استراتيجيات لتقليل المخاطر وبناء مشاريع قابلة للاستثمار والتمويل. ويقود هذا المشروع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، بدعم تمويلي مباشر يبلغ نحو 1.3 مليون دولار من مرفق البيئة العالمية، إضافة إلى أكثر من 13 مليون دولار من التمويل المشترك من شركاء محليين.
وإلى جانب ذلك، أطلقت جنوب أفريقيا في أبريل 2025 مشروع “المساحات الصناعية منخفضة الكربون والإيجابية للطاقة”، بتمويل من حكومة فلاندرز، لتعزيز كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة الموزعة في المناطق الصناعية. ومن خلال تقييمات الطاقة والاقتصاد، ووضع إرشادات للطاقة منخفضة الكربون، وتجربة أصول طاقة مستدامة مدرة للإيرادات، يهدف المشروع إلى إنشاء أنظمة صناعية منخفضة الكربون وقادرة على الاستدامة الذاتية.
ومن خلال هذه المبادرات، ستقوم عناقيد صناعية مختارة، من بينها كويغا، بتجربة نماذج قابلة للتوسع لإزالة الكربون تقلل الانبعاثات وتعزز التنافسية في الوقت نفسه. وسيضع ذلك العناقيد الصناعية في جنوب أفريقيا في موقع المختبرات الحية للتحول الصناعي، حيث تتقاطع السياسات والابتكار والاستثمار، مع إثبات أن الاستدامة والأداء يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب.
ما الذي يمكن لأفريقيا والعالم تعلمه من جنوب أفريقيا؟
أصبح التحول الأفريقي يشكل ركناً استراتيجياً لأمن الطاقة العالمي ومرونة سلاسل الإمداد. فالقارة تمتلك ما يقرب من 30% من الاحتياطيات المعدنية المعروفة في العالم، وهي معادن ضرورية للبطاريات وخلايا الوقود وتقنيات الطاقة المتجددة.
وتوفر العناقيد الصناعية منصات لتحسين الطلب على الطاقة، وتنسيق البنية التحتية، وحشد الاستثمارات، وتسريع نشر التكنولوجيا على نطاق واسع، مما يساعد القارة على الارتقاء في سلسلة القيمة نحو المعالجة الصناعية وتصنيع المكونات وتجميع التقنيات النظيفة.
وبدلاً من تكرار النماذج الاستخراجية القديمة، تستطيع أفريقيا، من خلال الاستفادة من العناقيد الصناعية، بناء أنظمة صناعية نظيفة ذات قيمة مضافة، تمتد من الهيدروجين الأخضر إلى معالجة المعادن الحيوية.
ولتحقيق ذلك، هناك خمسة عناصر استراتيجية أساسية:
- تمويل العناقيد وتقليل المخاطر عبر التمويل المختلط: استخدام رؤوس الأموال الميسرة، والمنح القائمة على الأداء، والهياكل المدعومة بعقود الشراء طويلة الأجل، لتجميع مشاريع قابلة للتمويل داخل المناطق والممرات الصناعية.
- التتبع والإفصاح: التوافق مع مبادئ “التحول العادل” المعتمدة من مجموعة العشرين ومتطلبات الإفصاح الإيجابي للطبيعة، لبناء الثقة في سلاسل التوريد الخضراء، مع دمج جوازات المنتجات الرقمية للمعادن والمواد منخفضة الكربون.
- نقل المهارات والمعرفة: توسيع برامج التدريب على أنظمة إدارة الطاقة وتحسين الأنظمة عبر منصات التعاون بين دول الجنوب وفق نماذج منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، وربط تطوير المهارات بتنمية الموردين المحليين.
- تعزيز القيمة المحلية والتكامل الإقليمي: ترسيخ أنشطة المعالجة الصناعية وتصنيع المكونات داخل الممرات الإقليمية الاستراتيجية مثل ممرات منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، بما يضمن خلق قيمة محلية أكبر بدلاً من تصدير الموارد الخام، وربط مراكز الهيدروجين الأخضر بإزالة الكربون من الصناعات الثقيلة مثل الفولاذ والكيماويات والإسمنت.
- إعداد التقارير: توحيد معايير قياس أداء العناقيد الصناعية في مجالات الطاقة والمياه والمواد والوظائف، لتوجيه الحوافز والمشتريات ومتطلبات الامتثال للكربون عبر الحدود.
وستكون العناقيد الصناعية عاملاً محورياً في ضمان أن تؤدي أفريقيا دوراً حاسماً في مستقبل الصناعة النظيفة عالمياً. ففي الوقت الذي تعيد فيه سلاسل القيمة العالمية تشكيل نفسها حول القدرة التنافسية منخفضة الكربون، تثبت العناقيد الصناعية الأفريقية أن التنمية المتوافقة مع المناخ ليست عبئاً، بل فرصة استراتيجية.
وتبرهن دول مثل جنوب أفريقيا على أن بلدان الجنوب العالمي قادرة على المساهمة في إزالة الكربون عالمياً بطرق تدعم التصنيع المحلي، وتخلق فرص العمل، وتعزز السيادة الاقتصادية.
