- شهدت مدينة تاوس في ولاية نيو مكسيكو الأمريكية ارتفاعاً شبه مضاعف في تكاليف إمدادات الطاقة بين عامي 2000 و2016.
- لكن منذ أن أصبحت المدينة “مجتمعاً للطاقة” يدير بنفسه إنتاجه وإمداداته الكهربائية، تمكنت من خفض التكاليف واستعادة السيطرة على منظومة الطاقة الخاصة بها.
- وقد تساعد هذه الدروس الست المستخلصة من تجربة تاوس مجتمعات الطاقة الأخرى حول العالم على خفض تكلفة الكهرباء.
في عام 2011، تسببت عاصفة “غراندهوغ داي” الثلجية في انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي، ما ترك مدينة تاوس من دون تدفئة لمدة أسبوع كامل وسط درجات حرارة وصلت إلى 30 درجة مئوية تحت الصفر.
ومع اعتماد السكان على المدافئ الكهربائية، تعرض نظام الكهرباء المحلي لضغط هائل. واضطر مشغل الشبكة، “كيت كارسون إلكتريك كوبراتيف” (KCEC)، إلى قبول الأسعار التي فرضها موردو الطاقة الذين كان مرتبطاً معهم بعقود.
وبين عامي 2000 و2016، تضاعفت تقريباً تكاليف شراء الكهرباء بالجملة لدى الشركة نتيجة الزيادات المتكررة في أسعار الموردين. وفي مجتمع يقل فيه متوسط دخل الفرد بنسبة 24% عن المعدل الوطني الأمريكي، أصبحت السيطرة على إمدادات الكهرباء ضرورة اقتصادية.
إنشاء “نموذج تاوس”
اليوم، تعمل تاوس بالطاقة الشمسية بنسبة 100% خلال ساعات النهار، مع بطاريات تعمل على تمديد “اليوم الشمسي” إلى ساعات المساء. كما أن أسعار الكهرباء فيها تعادل المتوسط الأمريكي، وهو المستوى نفسه الذي كانت عليه في عام 2016، مع تثبيتها حتى عام 2040.
ويتم بناء وصيانة أصول الطاقة الشمسية والبطاريات في المنطقة بواسطة قوة عاملة محلية. ويعتمد استهلاك الكهرباء السنوي بنسبة تتراوح بين 75% و80% على مصادر الطاقة المتجددة، منها 45% من الطاقة الشمسية المحلية و35% من طاقة الرياح المتعاقد عليها من مناطق أخرى.
وتُعد مجتمعات الطاقة، مثل تاوس، كيانات قانونية تسمح للمواطنين والشركات الصغيرة والسلطات المحلية بامتلاك مشاريع الطاقة وإدارتها بشكل مشترك. وقد عرض المختبر الوطني الأمريكي للطاقة المتجددة ووزارة الطاقة الأمريكية “نموذج تاوس” في منشوراتهما بوصفه مثالاً على كيفية خفض تكاليف الكهرباء من خلال استعادة المجتمعات المحلية السيطرة على الطاقة الخاصة بها.
فيما يلي ستة دروس مستفادة من تجربة تاوس يمكن أن تساعد مجتمعات الطاقة الأخرى حول العالم الراغبة في خفض تكلفة الكهرباء:
1. كيفية إدارة أنشطة إمدادات الكهرباء والعقود والشركاء
عندما خرجت KCEC من عقد إمدادات الطاقة الخاص بها عام 2016، اضطرت إلى إعادة هيكلة الجهات المسؤولة عن الأنشطة التي كان يتولاها المورد سابقاً.
وغالباً ما تفتقر مجتمعات الطاقة إلى القدرة التقنية اللازمة للتعامل مع الجهات التنظيمية ومشغلي الأنظمة ومزودي خدمات النقل الكهربائي. لذلك استعانت KCEC بمديرين تنفيذيين متقاعدين من قطاع المرافق يمتلكون خبرة في الربط الكهربائي وقواعد الشبكات واللوائح التنظيمية لدعم مفاوضات العقود.
في السابق، كان المورد يتحكم بالكامل بالمنظومة. أما اليوم، فإذا وجدت KCEC فرصة لإضافة مشاريع للطاقة الشمسية أو التخزين، يمكنها تنفيذها مباشرة. وقد وصلت الشركة وشريكها الحالي في الإمداد إلى التعديل السابع لعقدهما الأصلي الموقع قبل عشر سنوات، حيث وسع الطرفان أنشطتهما تدريجياً مع اكتساب الخبرة والمهارات واكتشاف مجالات جديدة للقيمة.
2. كيفية تنمية وإدارة محفظة توليد الطاقة
نمت محفظة التوليد الخاصة بـ KCEC من 2.5 ميغاواط من الطاقة الشمسية عام 2015 إلى نحو 100 ميغاواط من الطاقة الشمسية والبطاريات والشبكات المصغرة والهيدروجين النظيف قيد التشغيل أو الإنشاء حالياً.
وتتم إدارة هذه الأصول من خلال مزيج من الموظفين والأطراف الخارجية. ومن خلال إطلاق برنامج تدريب مهني يمتد لأربع سنوات، والتعاون مع الجمعية الوطنية للتعاونيات الكهربائية الريفية، بالإضافة إلى موردي المعدات والمدارس والكليات الإقليمية، أنشأت KCEC برنامجاً قوياً لتطوير القوى العاملة.
كما يمكن أن تأتي أفكار وفرص جديدة متعلقة بإمدادات الطاقة من فريق الشركة نفسه أو من المطورين الخارجيين أو الشركاء أو الأعضاء، وليس بالضرورة أن تكون التكلفة هي الاعتبار الأول دائماً.
3. كيفية بناء مرونة النظام وإدارة المخاطر
إلى جانب العواصف الشتوية، تواجه مقاطعة تاوس أيضاً خطر حرائق الغابات، ما قد يفرض الحاجة إلى عمليات قطع كهرباء لأسباب تتعلق بالسلامة العامة. ففي عام 2022، على سبيل المثال، أحاط حريقان كبيران بمدينة تاوس.
ويمكن للقرارات المتخذة خلال الدقائق والساعات الأولى من هذه الأحداث أن تُحدث فرقاً كبيراً. ولهذا تبني KCEC حالياً شبكات كهربائية مصغرة، لأن بطاريات قادرة على توفير الكهرباء لمدة تتراوح بين 4 و6 ساعات يمكن أن تدعم فرق الطوارئ، مثل فرق الإطفاء، وتعزز مرونة المجتمع المحلي من خلال ضمان استمرار خدمات الإطفاء والمياه والنفايات والخدمات الطبية.
4. كيفية تطوير خبرات تخطيط أنظمة الكهرباء
تحولت KCEC من مجرد “جهة مراجعة” سلبية إلى مطور نشط لتوقعات الأحمال وخطط الإنتاج التي تعكس أهدافها الخاصة.
ورغم اعتمادها في البداية على أطراف خارجية، نجحت الشركة في بناء خبرات داخلية بمجال إمدادات الطاقة عبر الإدارة المباشرة لبيانات الأحمال وتوليد الطاقة والمشاريع المستقبلية. ويتمحور هذا التخطيط حول استخدام البيانات اللحظية لإدارة حدود التصدير وتحسين أداء أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات وتحقيق أقل تكلفة ممكنة للكهرباء.
5. كيفية استخدام بيانات وتقنيات الاتصالات بفعالية
تتيح البنية التحتية للاتصالات لدى KCEC قياس أصول الطاقة وعرضها ومراقبتها وإدارتها عن بُعد. كما يمكنها تحسين أداء البطاريات والمشاركة في أسواق الجملة واختبار تطبيقات مبتكرة.
وتُعد هذه البنية التحتية للاتصالات بالقدر نفسه من الأهمية مثل أي معدات كهربائية مادية. ويتعاون فريق تقني صغير مع أطراف خارجية ومؤسسات أكاديمية ومختبرات وطنية للحفاظ على هذه الأنظمة، كما يشارك خبراته مع الجامعة والكلية والمدرسة الثانوية القريبة لتعزيز الخبرات المحلية.
6. كيفية تحقيق أفضل النتائج من إشراك الأعضاء
أصحاب المصلحة في KCEC ليسوا جميعاً خبراء في الطاقة. ولذلك تستخدم الشركة نحو 70 وسيلة استشارية للمستهلكين لكل مشروع جديد، كما تقدم عروضاً عامة، وتتفاعل مع وسائل الإعلام المحلية، وتطلب آراء المستخدمين الإيجابية والسلبية.
وتعكس اللغة التي تستخدمها الشركة مع أعضائها – أي السكان والشركات المستفيدة من الكهرباء – تنوع الأسباب التي تدفعهم لدعم المشاريع الجديدة، سواء كان الهدف خفض التكاليف أو زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة أو إنشاء مصدر دخل بديل لكازينو محلي أو حتى الحفاظ على الطبيعة والأنهار الصافية تحت السماء الزرقاء.
نقل نموذج تاوس إلى العالم
قبل أكثر من 20 عاماً، كانت KCEC مجرد جهة تتلقى الأسعار المفروضة عليها، وتوفر كهرباء مرتفعة التكلفة تعتمد بشكل كبير على الفحم لأعضائها الذين لم يكن لديهم خيار آخر، بينما كانوا يواجهون مخاطر انقطاع الكهرباء خلال الشتاء القارس أو مواسم الحرائق.
أما اليوم، فتتحكم الشركة في محفظة ضخمة من مشاريع الطاقة الشمسية والبطاريات، كما تعزز مرونة المجتمع المحلي من خلال إنشاء الشبكات المصغرة. إضافة إلى ذلك، تعمل KCEC على إعداد جيل جديد من القادة، وتوفر لأفراد المجتمع مساراً مهنياً نحو وظائف مطلوبة في قطاع الطاقة النظيفة.
وبالنسبة لأولئك الذين نشأوا في تاوس، فهذه الأرض ليست مجرد مكان على الخريطة، بل هي المكان الذي تربوا فيه، حيث بنت عائلاتهم حياتها واستمرت تقاليدهم. ولهذا يمكن لمجتمعات الطاقة الأخرى – بل ينبغي لها – أن تطبق نموذج تاوس، لأنه يتعلق بالمجتمع بقدر ما يتعلق بالطاقة، وربما أكثر.
