نحن نعيش اليوم ما يصفه كثيرون بـ""التحول الكبير للثروات"" — وهو انتقال تاريخي لرؤوس الأموال إلى أيدٍ جديدة، يترافق مع تزايد ملحوظ في عدد النساء المالكات للثروات وصاحبات القرار المالي.
خلال العقدين المقبلين، سيتم نقل أكثر من 80 تريليون دولار من الأصول حول العالم من جيل ما يُعرف بـ""الجيل الصامت"" وجيل طفرة المواليد إلى عائلاتهم وأحبائهم. ومن المتوقع أن يكون متلقو هذه الثروات أكثر تنوعاً من حيث النوع الاجتماعي مقارنة بأي جيل ورث الثروة من قبل. وستكون النساء، على وجه الخصوص، من أبرز المستفيدين من هذا الانتقال الضخم للثروة.
على الورق، يبدو الأمر تحولاً جذرياً. لكن يبقى سؤال أعمق مطروحاً: هل سيؤدي انتقال الملكية فعلاً إلى تغيير طريقة تخصيص رأس المال، أم أنه سيعيد إنتاج الأنظمة نفسها ولكن بوجوه مختلفة؟
مؤخراً، استضاف المجلس العالمي لمستقبل الاستثمار في المساواة بين الجنسين نقاشاً جمع مستثمرين ومؤرخين ومتخصصين لاستكشاف هذا التوتر تحديداً. وما برز من هذا النقاش كان حقيقة دقيقة، وأحياناً غير مريحة: التغيير ممكن، لكنه بالتأكيد ليس مضموناً.
ولفهم أنظمة النفوذ والقوة اليوم، لا بد من التوقف عند الكيفية التي ترسخت بها هذه الأنظمة عبر الزمن.
جذور النظام المالي الحالي
تستند المؤرخة ماري بريدجز إلى تجربة البنوك في بدايات القرن العشرين لفهم كيف تمكن الوافدون الجدد إلى الأنظمة المالية من إحداث التغيير — وكيف تأثروا أيضاً بالأنظمة القديمة القائمة.
فعندما بدأت البنوك الأمريكية بالتوسع خارجياً في أوائل القرن الماضي، لم تنشئ أنظمة جديدة من الصفر، بل قامت بنسخ ما كان موجوداً بالفعل. فقد أرسلت البنوك الأمريكية متدربين إلى لندن، واستعانت بمديرين بريطانيين، بل واعتمدت حتى أساليب الكتابة البريطانية حتى تصبح دفاتر الحسابات الخاصة بفروعها مفهومة لدى نظرائها ومنافسيها. وهكذا، جرى استيعاب الأنظمة القديمة — وغالباً دون أي مساءلة أو تشكيك.
والدرس هنا واضح: القادمون الجدد غالباً ما يرثون هياكل قديمة يصعب تغييرها. ولذلك، فإن مجرد تغيير الأشخاص الموجودين في القمة لا يعني بالضرورة إعادة تشكيل البنية الأساسية للنظام.
وكل ذلك يرتبط بشكل مباشر بما يحدث اليوم مع التحول الكبير للثروات. فقد تنتقل الثروة إلى النساء، وإذا اختار مالكو الثروات ومقدمو الخدمات المالية القيام بالأمور بطريقة مختلفة ولو قليلاً، فقد تصبح عملية تخصيص رأس المال أكثر ابتكاراً وتنوعاً.
الوصول إلى السلطة لا يعني امتلاكها
إذاً، من أين يبدأ التغيير؟
الإجابة المختصرة هي أن التغيير يجب أن يحدث في أماكن متعددة وفي وقت واحد. ويمكن للمكاتب العائلية التي تدير الثروات أن تكون إحدى الوسائل المهمة لدفع هذا التحول، لكن الأمر معقد.
فالكثير من الثروات تُدار من خلال هذه المكاتب العائلية، كما أن حضور النساء وتأثيرهن في هذا المجال يتزايدان أيضاً. فاليوم، أكثر من أي وقت مضى، أصبحت النساء يشغلن مقاعد في مجالس الإدارة، وينضمن إلى لجان الاستثمار، ويشاركن في عمليات اتخاذ القرار.
لكن مجرد الجلوس إلى الطاولة ليس سوى الخطوة الأولى. وكما قالت سلمى الراشد، الرئيسة التنفيذية للاستثمار وعضو مجلس الإدارة في شركة ""راشد إس. الراشد وأولاده"": ""الوجود داخل الغرفة شيء، وامتلاك الكلمة الأخيرة شيء مختلف تماماً.""
ومن المهم أيضاً فهم أن القرارات داخل كثير من المؤسسات، وخاصة المكاتب العائلية، لا تُصنع فقط عبر الهياكل الرسمية للإدارة، بل تتأثر أيضاً بما يحدث خارج قاعات الاجتماعات: بالعلاقات والثقة والحدس والقواعد غير المكتوبة. فكثير من القرارات المهمة خرجت من تجمعات خاصة، ومساحات اجتماعية، ومحادثات عفوية، ولقاءات غير متوقعة. ففي تلك المساحات تنتقل المعرفة، وتتشكل الأفكار، وتُبنى الثقة.
قوة الشبكات وحدودها
هذه الشبكات غير الرسمية تشكل بالتأكيد تحدياً، لكن الجانب الإيجابي أنها تحمل أيضاً فرصاً حقيقية.
قد يستغرق تغيير الشبكات غير الرسمية وقتاً أطول من تغيير الهياكل الرسمية، لكنه أمر ممكن. وعندما تبدأ المعايير الاجتماعية بالتغير، وتتبدل الثقافات، وتتأسس أنماط سلوك جديدة، يمكن لهذه الشبكات غير الرسمية أن تتحول إلى محركات قوية للتقدم.
فعالم المال لا يقوم على رأس المال وحده، بل يعتمد أيضاً على العلاقات. وهذا يعني أنه عندما تتغير هذه القوى العميقة، يمكن للمشهد بأكمله أن يتغير معها.
أما فيما يتعلق بكيفية إحداث النساء الداخلات إلى عالم المكاتب العائلية والتمويل لهذا التغيير، فهناك عدة رؤى مختلفة.
بعض المتخصصين يشيرون إلى أهمية بناء التحالفات — أي العمل مع هياكل القوة القائمة بدلاً من مواجهتها. ويتضمن ذلك إشراك الرجال كشركاء في عملية التغيير. ففي كثير من البيئات، وخاصة تلك التي لا تزال الشبكات فيها يهيمن عليها الرجال، لا يُعد هذا النوع من التحالف خياراً إضافياً، بل ضرورة أساسية.
وفي الوقت نفسه، هناك إدراك متزايد بأن مجرد إنشاء شبكات موازية منفصلة للنساء قد لا يكون كافياً. فالإدماج، وليس العزلة، يبدو أنه الطريق الأكثر فعالية، حتى وإن كان أكثر تعقيداً.
وفي جميع الأحوال، من الضروري تجاوز الافتراض القائل إن التغيير سيحدث تلقائياً من تلقاء نفسه.
فالتحول الكبير للثروات قد يغير هوية من يملكون رأس المال، لكنه لا يغير تلقائياً طريقة استخدام هذا الرأس المال. هذا التحول يحتاج إلى نية حقيقية — إلى استعداد فعلي للتشكيك في القواعد الموروثة، والتفاعل مع الأنظمة القائمة، وإعادة تشكيلها تدريجياً مع مرور الوقت. وإذا كان لهذه اللحظة أن تصبح لحظة تحول حقيقية، فلن يكون السبب مجرد انتقال الملكية، بل لأن من يرثون هذه الثروات اختاروا استخدامها بطريقة مختلفة.
