القائمة الرئيسية

ما بعد الناتج المحلي الإجمالي: كيف تعيد التحولات العالمية تشكيل مفهوم التقدم؟

ما بعد الناتج المحلي الإجمالي: كيف تعيد التحولات العالمية تشكيل مفهوم التقدم؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف أصبح الناتج المحلي الإجمالي غير كافٍ لقياس التقدم الحقيقي للدول في ظل تصاعد تحديات مثل غلاء المعيشة، وعدم المساواة، والذكاء الاصطناعي، والتغير المناخي، وتوضح الجهود الدولية الجارية لتطوير مؤشرات جديدة تركز على جودة حياة الناس ومستويات معيشتهم الفعلية، بما قد يعيد تشكيل طريقة تقييم الاقتصادات وجعلها أكثر شمولاً واستدامة وقدرة على الصمود.

  • يُستخدم نمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) عادةً لتوضيح التقدم الاقتصادي في دول العالم.
  • لكن العديد من الخبراء يرون أن هناك حاجة إلى مقياس أفضل وأكثر دقة من الناحية الاقتصادية وأكثر ارتباطاً بالواقع الاجتماعي لقياس التقدم.
  • وقد تساعد التحولات الاقتصادية العالمية الحالية، إلى جانب المفاوضات المقبلة في الأمم المتحدة، العالم على تجاوز الاعتماد على الناتج المحلي الإجمالي كمؤشر أساسي للتقدم.

مع تزايد القلق الشعبي بشأن القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، وعدم المساواة، واضطراب الوظائف المرتبط بالذكاء الاصطناعي، والتغير المناخي، هل حان الوقت أخيراً لإزاحة الناتج المحلي الإجمالي من مكانته باعتباره المقياس الأهم للتقدم الاقتصادي الوطني؟

غالباً ما يحتفي الاقتصاديون والأسواق المالية بصدور أرقام قوية للناتج المحلي الإجمالي أو لنمو الإنتاجية، لكن الجمهور العام يحتاج إلى ما هو أكثر واقعية وملموسية ليشعر بالاقتناع. فالناس يقيسون نجاح اقتصاد بلادهم من خلال مدى تحسن مستوى معيشة أسرهم، سواء من حيث فرص العمل وآفاقها، أو نمو الأجور، أو تكلفة الاحتياجات الأساسية، أو الأمن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

وبالطبع، يرتبط نمو الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير بارتفاع مستويات المعيشة بمرور الوقت، لكن العلاقة بينهما ليست متطابقة تماماً. إذ تميل هذه العلاقة إلى الضعف كلما ازدادت الدول ثراءً. كما يمكن أن تختلف مستويات المعيشة بشكل واسع داخل الاقتصاد الواحد، خصوصاً في فترات التحولات أو الصدمات الكبرى، أو عندما تتركز السلطة السياسية والعوائد الاقتصادية في أيدي قلة.

ونحن نعيش حالياً فترة تتسم بتحولات وانتقالات وتركيز متزايد للثروة والنفوذ. وهذا يجعل نمو الناتج المحلي الإجمالي أقل قدرة على التعبير عن التقدم المادي في هذا القرن مقارنة بالقرن الماضي، حتى وإن ظل النمو مهماً، لا سيما في الحد من الفقر في الدول منخفضة الدخل والدول ذات الدخل المتوسط الأدنى.

طريقة أفضل لقياس التقدم

إن مسألة كيفية إنشاء مقياس أفضل، أي أكثر دقة اقتصادياً وأكثر ارتباطاً بالمجتمع، لقياس التقدم ليست جديدة. لكن العمل التقني والنقاش السياسي حول هذا التحدي قد يكونان على وشك تحقيق قفزة كبيرة إلى الأمام.

لقد مر أكثر من 15 عاماً منذ صدور التقرير الشهير “ستيغليتز–سين–فيتوسي” حول كيفية قياس الأداء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، والذي نُشر بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008. والآن، من المتوقع صدور مجموعة جديدة من التوصيات هذا الأسبوع عن فريق الخبراء رفيع المستوى التابع للأمم المتحدة والمعني بمرحلة “ما بعد الناتج المحلي الإجمالي”.

وسيؤدي ذلك إلى إطلاق عملية تفاوض حكومية داخل الأمم المتحدة تهدف أخيراً إلى نقل هذا المجال من ممارسات متفرقة وغير متناسقة إلى ممارسات معيارية قابلة للمقارنة دولياً. وقد يشمل ذلك إنشاء مقياس رئيسي جديد للتقدم يحل محل الناتج المحلي الإجمالي، أو على الأرجح يدمجه أو يقترن به.

ومن أكثر التحديات تعقيداً التي ستواجه هذه المفاوضات هو تنوع الموضوعات والبيانات ذات الصلة.

وتقترح ورقة بحثية نُشرت مؤخراً من قبل مجموعة من الاقتصاديين المرتبطين بالأمم المتحدة، كنتُ المؤلف الرئيسي لها، أن تقوم الحكومات بفصل الأبعاد الثلاثة الرئيسية لقياس التقدم بشكل واضح: الإنتاجية الاقتصادية، ومستويات المعيشة المادية، والمؤشرات الأخرى غير المادية أو الذاتية للرفاهية. كما ينبغي أن تُعرض هذه الأبعاد الثلاثة بطريقة معيارية دولية، مع دمج البعدين الأولين ضمن مقياس رئيسي جديد للتقدم الاقتصادي يُعرف باسم “التنمية الوطنية المستدامة الإجمالية” (GNSD).

وسيقوم هذا المقياس بدمج نسخة محسّنة من المقياس التقليدي للإنتاج الاقتصادي، أي الناتج المحلي الإجمالي، مع مؤشر جديد متعدد الأبعاد لمستويات المعيشة المادية. وسيتيح ذلك رؤية معيارية دولية للتقدم الاقتصادي من منظور مختلف، أي من منظور التجربة المعيشية الفعلية للناس ومستويات معيشة الأسر المتوسطة.

وتقدم الورقة البحثية شرحاً تفصيلياً للبنيتين الجديدتين المقترحتين. وهي تمثل محاولة لإعادة التفكير من الأساس في كيفية تمكين مشروع “ما بعد الناتج المحلي الإجمالي” من تحقيق أكبر تأثير ممكن على صناع السياسات، مع تعزيز شفافية التقدم الذي تحققه الدول في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية العالمية.

الذكاء الاصطناعي، والتغير المناخي، والتجارة الدولية وغيرها

يمكن لمثل هذا المقياس الأكثر شمولاً وتوازناً للتقدم الاقتصادي أن يساعد في تحسين النقاشات والقرارات السياسية المتعلقة بأكبر التحديات الاقتصادية التي تواجه الدول في القرن الحادي والعشرين. فالذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، من المرجح أن يزيد الإنتاجية والدخل الوطني، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تفاقم عدم المساواة.

إضافة إلى ذلك، يبدو أن التغير المناخي، وشيخوخة السكان، وتفكك النظام التجاري الدولي، ستؤدي إلى تقييد معدلات النمو الاقتصادي في العديد من الدول خلال السنوات المقبلة. وهذا سيجعل من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن تعطي الحكومات الأولوية للسياسات التي تحسن الجودة الاجتماعية للنمو، أي النتائج الإنسانية ومستويات المعيشة التي يقيسها المؤشر الجديد.

وفي علم الاقتصاد، كما في العديد من مجالات النشاط البشري الأخرى، فإن ما يتم قياسه باعتباره أولوية يصبح غالباً ما يُدار باعتباره أولوية. وقد حان الوقت لقياس الجوانب التي يهتم بها الناس فعلاً في التقدم الاقتصادي بطريقة دولية متسقة.

ولو أصبحت العناوين الرئيسية تركز على مقياس “التنمية الوطنية المستدامة الإجمالية”، فإن ذلك سيساعد على إعادة التوازن إلى أولويات السياسات العامة وتحسين مساءلة الحكومات بشأن الهدف المتكرر المتمثل في جعل الاقتصادات أكثر شمولاً واستدامة وقدرة على الصمود.

المصدر

مقالات ذات صلة