المقدمة
قبل سنوات عديدة، كنت أعمل رئيسًا للعمليات في إحدى المؤسسات. وخلال فترة عملي، انتقلت من كوني أقل أعضاء الفريق خبرة إلى أن أصبحت من كبار الأعضاء، ولم يتقدمني سوى كبير القسم المخضرم. وبحكم عملي كمسؤول عمليات، كان أحد أكبر اهتماماتي هو تسرب المعرفة أثناء دوران الموظفين، ومدة الوقت التي يحتاجها الموظفون الجدد للوصول إلى مستوى الكفاءة المطلوب. وقد كانت نسبة كبيرة من مواردنا تُستهلك في إعادة التدريب فقط للحفاظ على استمرارية النظام.
بعد خمس سنوات، جاء دوري لأودّع القسم الذي دافعت عن قيمه بصفتي رئيسًا للعمليات. وخلال الأسبوعين الأخيرين، ركزت على ضمان انتقال سلس للمسؤوليات بيني وبين من سيخلفني. قمت بمشاركة تفاصيل أدواري ومسؤولياتي، والمعالم القادمة المهمة، إضافة إلى أبرز الرؤى الشخصية حول إدارة العمليات. ومع ذلك، لم يمر سوى ستة أشهر حتى قرر من خلفني في المنصب مغادرة دوره، مبررًا ذلك بصعوبات في التكيف. ومن المفارقة أن تسرب المعرفة الذي كنت أعمل جاهدًا على الحد منه، كان أحد العوامل التي أثرت على الفريق بعد مغادرتي بفترة قصيرة.
وقد تعافى القسم في نهاية المطاف من ذلك التراجع، لكن التجربة دفعتني إلى التساؤل بعمق: كيف يمكننا الحد من تسرب المعرفة داخل المؤسسات؟ في هذا المقال، أهدف إلى توضيح أسباب حدوث تسرب المعرفة، وما هي الخطوات العملية التي يمكن للمؤسسات اتخاذها للتخفيف منه.
المعرفة مقابل المعلومات
نحتاج أولًا إلى طرح سؤال أساسي: ما هي المعرفة؟ يقدم تسلسل دي آي كيو دي دبليو الخاص براسل أكوف إطارًا مفيدًا لفهم معنى المعرفة وكيف تختلف عن المعلومات.
وفقًا لأكوف، يمكن تعريف المعلومات بأنها مجموعة من البيانات المرتبطة ببعضها البعض ضمن سياق معين. على سبيل المثال، وصفة خبز تتضمن كميات مثل خمسمئة غرام من الدقيق أو كوب من الماء تمثل معلومات تقدم بيانات واضحة للطاهي داخل سياق محدد.
أما المعرفة، فهي المعلومات التي تم فهمها بطريقة تجعلها قابلة للتطبيق العملي وتوفر رؤى قابلة للتنفيذ. فعلى سبيل المثال، عبارة مثل اخبز العجين عند درجة حرارة مئة وثمانين مئوية لمدة عشرين دقيقة تُعد معرفة لأنها تقدم إرشادًا عمليًا مباشرًا.
يمكننا استخلاص عدة نقاط من ذلك. أولًا، المعلومات هي مقدمة للمعرفة. ثانيًا، المعلومات في سياقات مختلفة يمكن أن تنتج أنواعًا محددة من المعرفة المفيدة والقابلة للتطبيق. لذلك، من المهم أن تدرك المؤسسة المعرفة الحرجة الضرورية لعملياتها، والتي تعزز ميزتها التنافسية. وبالتوازي مع ذلك، يجب أن تكون قادرة على حماية هذه المعرفة لمنع فقدانها أو تآكلها.
لماذا يحدث تسرب المعرفة؟
نصل هنا إلى جوهر المشكلة، وهو لماذا يحدث تسرب المعرفة داخل المؤسسات؟ يناقش هذا المقال سببين رئيسيين لذلك.
السبب الأول هو فقدان المعرفة نتيجة دوران الموظفين. وفقًا لميشال بولاني، يمكن تصنيف المعرفة إلى نوعين: المعرفة الصريحة والمعرفة الضمنية.
المعرفة الصريحة هي المعرفة التي يمكن تدوينها وتوثيقها ومشاركتها بسهولة. على سبيل المثال، معرفة طريقة خبز الخبز المكتوبة في كتاب وصفات تُعد معرفة صريحة. وعندما يتم توثيق هذه المعرفة ومشاركتها، فإن احتمال فقدانها مع مغادرة الموظفين أو إعادة هيكلة المؤسسة يكون أقل.
في المقابل، المعرفة الضمنية هي المعرفة التي توجد في عقول الأفراد وتكتسب من خلال الخبرة. على سبيل المثال، يمكن لطاهٍ متمرس أن يتوقع جودة الخبز النهائي من خلال رائحة العجين ولمسه فقط، وهذه معرفة يصعب توثيقها أو نقلها في كتب أو أدلة. وعندما يغادر الموظفون دون نقل هذه المعرفة الضمنية، تتعرض المؤسسات لفقدان كبير في المعرفة، مما قد يعطل سير العمل ويقلل من الجاهزية التشغيلية.
السبب الثاني هو تآكل المعرفة أو ما يُعرف بشكل عام بالنسيان التنظيمي، والذي يُعرّف بأنه الفقد غير المقصود أو المقصود للمعرفة داخل المؤسسة.
قبل جائحة كوفيد، قامت العديد من المؤسسات بتبسيط سلاسل التوريد بهدف تقليل التكاليف. ولكنها في المقابل نسيت كيفية إدارة سلاسل توريد مرنة وقادرة على التكيف. ونتيجة لذلك، واجهت العديد من الشركات صعوبات كبيرة أثناء الجائحة بسبب فقدان الذاكرة المؤسسية.
وقد أبرزت هذه التجربة أهمية وجود بدائل احتياطية داخل النظام، لأنه في غيابها يمكن لنقطة ضعف واحدة أن تعطل سلسلة الإمداد بأكملها.
وبناءً على هذين السببين، يمكن القول إن تسرب المعرفة يمثل تحديًا مستمرًا في أي مؤسسة، وإذا لم تتم معالجته فقد يؤدي إلى آثار خطيرة تهدد استمرارية المؤسسة. والسؤال هنا هو: كيف يمكن للمؤسسات الحد من تسرب المعرفة وضمان وفرة مخزونها المعرفي؟
كيف يمكن للمؤسسات الحد من تسرب المعرفة؟
إن المفتاح الأساسي للحد من تسرب المعرفة يتمثل في بناء أنظمة قوية وفعالة لإدارة المعرفة داخل المؤسسات. ويمكن تعريف إدارة المعرفة بأنها عملية منهجية تقوم بها المؤسسات لإنشاء المعرفة وتحديدها واكتسابها واستخدامها ومشاركتها.
وتقدم دراسة لعثمان وزملائه حول عوامل تمكين إدارة المعرفة ثلاث طرق رئيسية لزيادة المعرفة داخل المؤسسة وبالتالي تقليل أثر تسربها. وهذه الطرق هي:
- الاعتماد على التكنولوجيا
- تأسيس عمليات مؤسسية قوية
- بناء ثقافة تشاركية للمعرفة
أولًا الاعتماد على التكنولوجيا
لقد أثبت التاريخ أن التقنيات الجديدة يمكن أن تسهم بشكل كبير في إنتاج المعرفة ونشرها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك اختراع المحرك البخاري على يد جيمس واط، والذي أحدث ثورة صناعية من خلال تشغيل الآلات ونقل السلع والخدمات.
كما ساهم هذا الابتكار في تعزيز التعاون بين المهندسين والعلماء والصناعيين، مما زاد بشكل كبير من سرعة إنتاج المعرفة وتبادلها. وتشير دراسات بوايزو إلى أن مثل هذه الابتكارات التكنولوجية، عندما تُدمج بشكل فعال مع العمليات والأفراد، تؤدي إلى خلق أصول معرفية وتعزيز قدرات المؤسسة وكفاءاتها.
حتى اليوم، ما زالت التكنولوجيا تلعب دورًا محوريًا في تسهيل إنتاج المعرفة ونقلها. ووفق نموذج SECI، تساعد التكنولوجيا في تحويل المعرفة الضمنية إلى معرفة صريحة من خلال تمكين الأفراد من توثيق أفكارهم بشكل أفضل.
على سبيل المثال، تستخدم شركة بوينغ تقنيات الواقع المعزز لتوفير تدريب عملي تفاعلي للموظفين ضمن بيئات محاكاة واقعية، وفي الوقت نفسه تتيح توثيق الإجراءات المعقدة في سياقات دقيقة.
كما تسهم التكنولوجيا في دمج المعرفة الصريحة مع معرفة صريحة أخرى، من خلال منصات مثل جوجل ورك سبيس وشيربوينت، إضافة إلى أدوات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل جيميني وكوبايلوت، مما يتيح للموظفين تخزين المعرفة وتنظيمها واسترجاعها بسهولة. وهذا الوصول السهل يعزز تطبيق المعرفة في سياقات جديدة ويدعم الإبداع والابتكار.
ثانيًا تأسيس عمليات مؤسسية قوية
تُعد العمليات الفعالة ضرورية لتوثيق المعرفة وتنظيمها ونقلها. ويؤكد نموذج دافنبورت وبروساك لإنتاج المعرفة ومشاركتها على أهمية وجود أنظمة منظمة لإدارة المعرفة الصريحة والضمنية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك التوثيق المعرفي ومشاركة المعرفة.
أولًا التوثيق المعرفي مثل مراجعات ما بعد التنفيذ والمقابلات النهائية مع الموظفين، حيث تُعد فرصة لتسجيل الدروس المستفادة والرؤى المهمة. وهذا يضمن الحفاظ على المعرفة الحرجة عند انتهاء المشاريع أو مغادرة الموظفين للمؤسسة.
وفق نموذج SECI، يرتبط هذا النوع من التوثيق بتحويل المعرفة الضمنية إلى معرفة صريحة. على سبيل المثال، نظام تقرير A3 في شركة تويوتا يقدم طريقة معيارية لعرض المشكلات وتحليلها على ورقة واحدة، مما يساعد الموظفين على توثيق المعرفة المتعلقة بحل المشكلات وتبادلها بشكل منظم.
ثانيًا مشاركة المعرفة، وهي عملية توزيع المعرفة داخل المؤسسة لضمان إتاحتها للجميع. ووفق نموذج SECI، ترتبط هذه العملية بكل من استيعاب المعرفة الصريحة وتحويلها إلى ضمنية، وكذلك تبادل المعرفة الضمنية بين الأفراد.
ويتم ذلك من خلال برامج الإرشاد والتدريب المتبادل، حيث ينقل الموظفون ذوو الخبرة معرفتهم إلى الموظفين الجدد، أو من خلال تدوير الوظائف بين الفرق، مما يضمن انتشار المهارات والمعارف الحيوية داخل المؤسسة.
ثالثًا بناء ثقافة تشاركية للمعرفة
إن الثقافة التي تقدر مشاركة المعرفة تُعد أساسًا جوهريًا للحد من تسربها. وفقًا لنوناكا وتاكيؤوتشي، فإن إنتاج المعرفة يرتبط بشكل وثيق بالتفاعل الاجتماعي بين الأفراد.
لذلك، فإن تشجيع التعاون وبناء الثقة بين الموظفين يعد عنصرًا أساسيًا لتسهيل انتقال المعرفة، وخاصة المعرفة الضمنية التي يصعب توثيقها.
وفق نموذج SECI، يرتبط هذا البعد بمرحلة التفاعل الاجتماعي بين الأفراد.
يمكن للمؤسسات تعزيز هذه الثقافة من خلال دعم الشفافية والتواصل المفتوح. على سبيل المثال، تعطي شركات مثل جوجل أهمية كبيرة للأمان النفسي، بحيث يشعر الموظفون بالقدرة على التعبير عن آرائهم وأفكارهم دون خوف.
هذا الانفتاح يشجع الموظفين على مشاركة المعرفة بدلاً من احتكارها، ويعزز ثقافة التعاون والابتكار.
كما يلعب القادة دورًا محوريًا في ترسيخ هذه الثقافة. فعندما تقوم القيادة بتقدير سلوكيات مشاركة المعرفة وتحفيزها، مثل الإسهام في قواعد المعرفة أو الإرشاد، فإن ذلك يعزز أهميتها داخل المؤسسة.
كما يمكن دمج قيم مشاركة المعرفة ضمن تقييم الأداء وأنظمة المكافآت. وبذلك تتحول المؤسسة إلى كيان تعليمي قادر على التكيف المستمر والنمو.
الخاتمة
يتطلب الحد من تسرب المعرفة نهجًا شاملاً داخل المؤسسة. وقد استعرض هذا المقال ثلاثة عناصر أساسية في أنظمة إدارة المعرفة، وهي التكنولوجيا، والعمليات، والثقافة، وكيفية تفاعلها مع أبعاد نموذج SECI في بناء المعرفة المؤسسية واستدامتها.
ومن خلال دمج هذه العناصر في العمليات الأساسية، يمكن للمؤسسات ليس فقط تقليل فقدان المعرفة، بل أيضًا تحويلها إلى مصدر قوة يدعم الابتكار والمرونة والنجاح الاستراتيجي على المدى الطويل.
إن تسرب المعرفة يمثل تهديدًا صامتًا لاستمرارية المؤسسات، والنقاش حول التكنولوجيا والعمليات والثقافة يقدم إطارًا عمليًا للتعامل معه. ويشير المحاضر راجيش ديلون إلى أن هذا الموضوع يكتسب أهمية خاصة في ظل موجة تسريح الموظفين الأخيرة في شركات التكنولوجيا في سنغافورة، حيث استثمرت العديد من المؤسسات بشكل كبير في استقطاب المواهب لكنها لم تبنِ أنظمة فعالة لنقل المعرفة.
ونتيجة لذلك، أدى فقدان الخبرات، خصوصًا المعرفة الضمنية، إلى تعطيل سير العمل وإطالة فترات التأهيل وتقليل الكفاءة التشغيلية. ويتفق راجيش مع تجربة الكاتب عندما كان رئيسًا للعمليات، ويؤكد أن المؤسسات في سنغافورة بحاجة إلى تجاوز فكرة بناء قواعد بيانات للمعرفة فقط، وإعادة التفكير في إدارة المعرفة كعملية حية ومتكاملة داخل العمل اليومي. كما يرى أن عمليات التسريح الأخيرة يجب أن تكون جرس إنذار. وفي المجمل، يؤكد أن المؤسسات التي تفشل في حفظ المعرفة ونقلها لا تخسر موظفيها فقط، بل تخسر أيضًا ميزتها التنافسية.
