بقلم: آيدي
في عام 2024، حددت إحدى الدراسات سبع طرق مختلفة يُناقش بها الذكاء الاصطناعي في الخطاب العام. وتتراوح هذه التصورات بين من يرى أن الذكاء الاصطناعي سيعزز قدرات الإنسان ويوسّع إمكاناته، وبين من يعتقد أنه سيقود في النهاية إلى تدمير البشرية. لكن القاسم المشترك بين هذه التصورات جميعًا يبدو وكأنه شعور راسخ بأن الذكاء الاصطناعي قادم لا محالة، سواء رحّبنا به أم لا.
وقد ظهر هذا بوضوح في كتاب The Coming Wave للكاتب Mustafa Suleyman، الذي تناول ما وصفه بـ«ثورة الذكاء الاصطناعي» بوصفها تحولًا قد يحمل أبعادًا كارثية، خصوصًا عند اقترانه بعلم الأحياء الاصطناعية. فالموجة التي يتحدث عنها ستكون، بحسب رأيه، ضخمة وغير قابلة للإيقاف أو السيطرة، ولذلك يرى أن التحدي الأكبر الذي يواجه البشرية يتمثل في كيفية احتواء هذه التكنولوجيا شديدة القوة.
حتمية إيجابية
أما كتاب The Next RenAIssance الصادر حديثًا للكاتب Zack Kass، فينطلق هو الآخر من فكرة أن الذكاء الاصطناعي تحول عالمي حتمي، لكنه يختلف عن سليمان في نظرته إلى النتائج المتوقعة. فبينما يركز سليمان على المخاطر، يرى كاس أن الذكاء الاصطناعي سيترك أثرًا إيجابيًا عميقًا على العالم، وسيمكن البشرية من تحقيق قفزة تاريخية تشبه في تأثيرها اكتشاف النار أو اختراع الطباعة أو ظهور المحرك البخاري.
وترتكز الفكرة الأساسية للكتاب على هذه الحتمية المفترضة، إذ يسعى إلى مساعدة القادة على فهم هذا التحول والتكيف معه بطريقة توسّع الإمكانات البشرية قبل أن يسبقهم المنافسون إلى ذلك. ويعكس هذا الطرح إحساسًا بالإلحاح، وافتراضًا بأن التكنولوجيا تعيد بالفعل تشكيل الصناعات والمؤسسات وسوق العمل بصورة «عميقة». بل إن الكتاب يصف المستقبل بأنه يبدو «غير واقعي، لكنه حتمي في الوقت نفسه».
ويضم الكتاب مجموعة من المقالات التي كتبها رواد أعمال وعلماء ومفكرون آخرون، يناقشون من خلالها كيف يمكن أن يتشكل المستقبل المدفوع بالذكاء الاصطناعي مع بقاء الإنسان في مركز الصورة. وتذهب هذه المقالات إلى أن البشرية تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي: أحد المسارين يقود إلى الانهيار البيئي، واتساع الفجوة الاجتماعية، وهيمنة التكنولوجيا، بينما يقود المسار الآخر إلى التجدد عبر الإبداع والتعاطف والتحول المنظومي.
قرارات حاسمة تنتظر البشرية
من الصعب إنكار أن العالم يواجه مجموعة متداخلة من الأزمات، من تغير المناخ وفقدان التنوع الحيوي إلى تفاقم عدم المساواة وتراجع الثقة بالمؤسسات. لكن ما يصبح أكثر غموضًا هو الادعاء بأن الذكاء الاصطناعي يمثل الحل لهذه المشكلات، خصوصًا أن هناك أسبابًا معقولة تدفع للاعتقاد بأنه قد يزيد الوضع سوءًا بدل إصلاحه.
ومن أبرز الأفكار التي يطرحها الكتاب مفهوم «الإنسانية الرقمية»، الذي يقوم على ضرورة توجيه التكنولوجيا وفق القيم الإنسانية. غير أن هذا الطرح قد يبدو منفصلًا عن الواقع بدرجة كبيرة، في ظل الاتهامات المستمرة لشركات التقنية بسرقة الملكية الفكرية أثناء تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن الإضرار بالعاملين في الصناعات الإبداعية. فمن السهل رفع شعارات إنسانية، لكن الأمر يختلف تمامًا عندما تُرفع هذه الشعارات في الوقت الذي تبدو فيه شركات التقنية وكأنها تتجاوز تلك القيم بلا اكتراث.
ويظهر القدر نفسه من التجاهل المتعمد عندما يتعلق الأمر بالاستدامة. فالكتاب يضم فصولًا عديدة تتناول التحديات البيئية التي تواجه البشرية، ويؤكد مؤلفوه أهمية بناء اقتصاد دائري أكثر استدامة، كما ينتقدون الاعتماد على مؤشرات اقتصادية تقليدية مثل الناتج المحلي الإجمالي بوصفها أدوات غير مناسبة لفهم العالم الحديث. لكن ما يظل غير واضح هو الكيفية التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد بها فعلًا في تحقيق هذه الأهداف، خصوصًا في ظل الاستهلاك الهائل للطاقة والموارد الذي تتطلبه هذه التكنولوجيا، وهو أمر موثق جيدًا.
تقويض الإبداع بدل دعمه
ربما تكمن أكثر النقاط إثارة للقلق في الطريقة التي يتناول بها الكتاب مسألة الإبداع. فبينما كان الفن أحد الأعمدة الأساسية لعصر النهضة التاريخي، يرى مؤلفو الكتاب أن الثقافة والإبداع سيؤديان دورًا محوريًا في عصر الذكاء الاصطناعي أيضًا. وهم يصفون الفن بأنه ليس ترفًا، بل عنصرًا أساسيًا لازدهار الديمقراطية والمجتمعات الحيوية.
صحيح أن هناك من يجادل بأن الذكاء الاصطناعي سيفتح أمام الفنانين طرقًا جديدة ومبتكرة للإبداع، لكن في المقابل ظهرت مخاوف أوسع تتعلق بالاستهانة بحقوق الملكية الفكرية، والإنتاج الكثيف لمحتوى رديء الجودة، إضافة إلى إحلال أدوات الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة محل الأعمال الإبداعية البشرية.
ويزداد هذا التناقض وضوحًا بعد التصريحات الأخيرة لـ Aaron Chatterji من OpenAI، والتي أشار فيها إلى أن ChatGPT يُنظر إليه بوصفه أداة استهلاكية أكثر من كونه أداة احترافية. ويتزامن ذلك مع إعلان Sam Altman أن شات جي بي تي سيبدأ في تقديم محادثات أكثر حميمية للمستخدمين الذين يمكنهم إثبات أنهم في العمر المناسب.
كل ذلك يترك انطباعًا بأن شركات التقنية تخوض سباقًا محمومًا نحو القاع، وهي تبحث بأي وسيلة ممكنة عن طرق لاسترداد المليارات التي أنفقتها على مراكز البيانات والبنية التحتية. كما أصبح من الواضح أن السردية المحيطة بالذكاء الاصطناعي ابتعدت كثيرًا عن الوعود الكبرى التي رافقت ظهوره قبل سنوات قليلة، مثل علاج السرطان أو حل أعقد مشكلات البشرية. واليوم يبدو أن ما يُقدَّم بوصفه «ابتكارًا» لا يتجاوز في كثير من الأحيان القدرة على إنتاج مقاطع فيديو رديئة بضغطة زر.
هذا الغياب لحل حقيقي ذي معنى اجتماعي يضعف الادعاءات التي تقول إن الذكاء الاصطناعي سيقود تحولًا إيجابيًا عميقًا في المجتمع. وقد رأينا بالفعل خلال جائحة كوفيد 19 أن شركات التقنية لم تتحول إلى قوة إنقاذ عالمية، بل استمرت في العمل ضمن النموذج ذاته القائم على جذب الانتباه وتحويله إلى أرباح. وبينما كانت البيانات الصحفية تعد بأن الذكاء الاصطناعي سيكون مختلفًا، يبدو حتى الآن أنه يسير في الاتجاه نفسه، وربما يقدم نسخة أكثر تطرفًا من الواقع القائم بدل أن يغيره.
