القائمة الرئيسية

فخ «إما هذا أو ذاك»

فخ «إما هذا أو ذاك»
ملخص المقال

في هذا المقال المنشور على موقع reworked، تشرح الكاتبة ماغي بيرس أن كثيرًا من التحديات القيادية لا يمكن حسمها عبر اختيار نهائي بين طرفين متعارضين، لأن بعض القضايا التنظيمية هي توترات مستمرة تحتاج إلى إدارة واعية لا إلى «حل» جذري. وتوضح أن القيادة الحديثة تميل إلى تمجيد الحسم والوضوح، بينما الواقع العملي يفرض على القادة التنقل المستمر بين أولويات متعارضة مثل التخطيط والتنفيذ، المرونة والانضباط، أو الإنجاز اليومي والطموح الاستراتيجي. فالإفراط في أي اتجاه يؤدي إلى آثار سلبية مع الوقت، لذلك لا تكمن القيادة الناضجة في الثبات على خيار واحد، بل في القدرة على التحرك الذكي بين الاتجاهات المختلفة بحسب تغير الظروف، مع الانتباه المبكر للإشارات التي تدل على أن الأسلوب الحالي بدأ يفقد فعاليته. وتشبّه الكاتبة هذا النمط من القيادة بمتزلج يغيّر اتجاهه باستمرار ليحافظ على توازنه، مؤكدة أن النجاح القيادي الحقيقي لا يقوم على الجمود، بل على المرونة الواعية والقدرة على الانعطاف في الوقت المناسب.

بقلم: ماغي بيرس

ثمة شعور يتكرر كثيرًا لدى القادة والمديرين. تتخذ قرارًا بعد تفكير، تلتزم به، تمضي في تنفيذه، ثم تفاجأ بعد فترة بأن القضية نفسها عادت إلى الواجهة من جديد. يعود النقاش ذاته، ويظهر التوتر نفسه، وكأن القرار الذي بدا حاسمًا لم يحسم شيئًا فعلًا. وفي كثير من الأحيان يبدأ القائد بالتساؤل: هل أخطأت في الاختيار من البداية؟ هل فاتني الخيار الصحيح؟

جزء كبير من هذا الإحساس يعود إلى الطريقة التي تعودنا بها على فهم المشكلات المهنية والتنظيمية. فثقافة الإدارة الحديثة تميل دائمًا إلى الدفع نحو الحسم. المطلوب من القائد أن يقرر، أن يرتب الأولويات، أن يختار اتجاهًا واضحًا ثم يتحرك بثبات. وغالبًا ما يُقدَّم الوضوح على أنه نقيض التردد، وكأن القيادة الجيدة تعني دائمًا اختيار أحد المسارين وترك الآخر خلفك.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.

فبعض التحديات لا يمكن التعامل معها بوصفها مسائل لها إجابة نهائية واحدة. بل إن محاولة حسمها بصورة قاطعة قد تجعلها أكثر تعقيدًا لا أقل. المشكلة هنا ليست ضعفًا في القيادة، ولا نقصًا في القدرة على اتخاذ القرار، بل في افتراض أن كل موقف يحتاج إلى خيار نهائي واضح، بينما الحقيقة أن بعض المواقف تتطلب شيئًا مختلفًا تمامًا: القدرة على التحرك المستمر بين اتجاهين متعارضين ظاهريًا.

حين لا يكون الاختيار بين طرفين حلًا

خذ مثالًا بسيطًا يتكرر في كل المؤسسات تقريبًا: التخطيط والتنفيذ.

كم مرة دخلت الفرق في نقاش طويل حول ما إذا كان الوقت قد حان للتوقف والتفكير بعمق، أم أن المطلوب هو تقليل التحليل والبدء في العمل؟ في العادة يبدو كل طرف مقنعًا. فالتخطيط ضروري لتجنب الفوضى، والتنفيذ ضروري حتى لا تتحول الاجتماعات إلى دائرة مغلقة من النقاشات.

لكن المشكلة أن اختيار أحد الطرفين بالكامل لا يحل المعضلة. الإفراط في التخطيط يستهلك الوقت والطاقة ويقتل الزخم. وفي المقابل، الاندفاع المستمر نحو التنفيذ من دون مراجعة أو تفكير يقود إلى أخطاء متكررة وإعادة عمل وارتباك في الاتجاه.

ولهذا فإن التعامل مع المسألة وكأن المطلوب هو اتخاذ قرار نهائي بين التخطيط أو التنفيذ يفوّت جوهر الموضوع. فلا التخطيط يغني عن التنفيذ، ولا التنفيذ يلغي الحاجة إلى التخطيط. وأي مؤسسة تتبنى أحدهما وحده ستدفع الثمن عاجلًا أم آجلًا.

هذا الفهم ليس جديدًا تمامًا. فقد تناول Barry Johnson هذه الفكرة من خلال ما عُرف لاحقًا باسم «تفكير الاستقطاب»، حيث أوضح أن بعض القضايا ليست مشكلات تحتاج إلى حل جذري، بل توترات مستمرة تحتاج إلى إدارة واعية. ففي هذه الحالات يكون الطرفان مهمين معًا، وأي انحياز مفرط لأحدهما يخلق آثارًا جانبية متوقعة.

لكن ما يبدو واضحًا نظريًا يصبح أكثر تعقيدًا في الواقع العملي. فليس كافيًا أن نقول إننا نحتاج الأمرين معًا. السؤال الحقيقي هو: متى نعطي هذا الجانب أولوية أكبر؟ ومتى يحين وقت الانتقال إلى الجانب الآخر؟

وهنا تحديدًا يبدأ سوء الفهم.

كثيرون يلجؤون فورًا إلى كلمة «التوازن»، لكنها ليست الكلمة الأدق لوصف ما يحدث في البيئات المعقدة. فالتوازن يوحي بحالة ثابتة مستقرة، بينما الواقع التنظيمي متغير باستمرار. والظروف لا تبقى على حالها حتى نحافظ على نقطة وسط مثالية.

العمل القيادي الحقيقي لا يشبه الوقوف ساكنًا في المنتصف، بل يشبه الحركة المستمرة.

وربما لهذا السبب يكون السؤال الأهم أحيانًا ليس: ما القرار الصحيح؟ بل: هل أخطئ أصلًا عندما أظن أن هناك قرارًا نهائيًا سيُنهي هذا التوتر مرة واحدة وإلى الأبد؟

القيادة بوصفها حركة لا حسمًا

تخيل شخصًا يتزلج على الثلج فوق منحدر طويل. هو لا يهبط بخط مستقيم، ولا يتحرك بعشوائية يمينًا ويسارًا. بل ينحني في اتجاه معين، مستجيبًا لطبيعة الأرض وسرعته وزاوية الانحدار. ثم بعد فترة يغير اتجاهه وينتقل إلى الجهة الأخرى. وبعدها يعود مجددًا. وهكذا.

لو أصر على البقاء في الاتجاه نفسه طوال الوقت فسيفقد السيطرة ويسقط. والانحراف من جهة إلى أخرى ليس علامة تردد، بل هو ما يسمح له بالاستمرار أصلًا.

وهذا يشبه كثيرًا ما يحدث في القيادة.

فالانتقال بين الأساليب المختلفة لا يعني غياب القناعة، ولا يدل على التذبذب أو ضعف الحسم. بل قد يكون هو السلوك الأكثر نضجًا ووعيًا. القائد الجيد لا يتنقل عشوائيًا بين الخيارات، بل ينخرط بالكامل في اتجاه معين حين يكون مناسبًا، ثم ينتبه إلى اللحظة التي يبدأ فيها هذا الاتجاه بفقدان فعاليته، فيتحول تدريجيًا نحو الاتجاه المقابل.

الأهم من ذلك أن القائد الناضج لا ينتظر حتى تتفاقم المشكلة كي يتحرك. بل يكون منتبهًا للإشارات المبكرة: انخفاض الزخم، تراجع الوضوح، الإرهاق، البطء، الفوضى، أو أي علامة تشير إلى أن ما كان مفيدًا بالأمس بدأ يصبح عبئًا اليوم.

أين تظهر هذه التوترات في بيئة العمل؟

ما إن تبدأ بملاحظة هذا النوع من التحديات حتى تكتشف أنه حاضر في كل مكان تقريبًا.

بين الإنجاز اليومي والطموح الاستراتيجي

تحتاج المؤسسات إلى تحقيق نتائج ملموسة الآن، لكنها تحتاج أيضًا إلى التفكير فيما يجب أن تكون عليه مستقبلًا. وإذا انشغل القادة بالكامل بالعمليات اليومية ضاع المستقبل وسط ضغط الحاضر. وإذا انغمسوا في التفكير الاستراتيجي البعيد فقدت الفرق تركيزها وشعورها بالتقدم الحقيقي.

ولا يمكن حسم هذه المسألة بقرار دائم. فهناك لحظات يصبح فيها التركيز على التنفيذ أولوية قصوى، ولحظات أخرى تستدعي التوقف وإعادة التفكير في الاتجاه الأكبر.

بين المرونة والانضباط

كل مؤسسة تريد موظفين قادرين على المبادرة والتحرك السريع واتخاذ القرار. لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى معايير واضحة وضبط واتساق في الأداء.

وحين تميل المؤسسة أكثر من اللازم نحو المرونة، تبدأ الفوضى والتشتت. وحين تبالغ في الرقابة والإجراءات، تخسر الحماسة والابتكار والطاقة.

لهذا فالموضوع ليس صراعًا بين الحرية والسيطرة، بل قدرة مستمرة على التحرك بينهما بحسب ما تتطلبه المرحلة.

بين الاتساق العالمي والاستجابة المحلية

في المؤسسات الكبيرة التي تعمل عبر مناطق وأسواق متعددة يظهر هذا التوتر بوضوح. فوجود معايير موحدة مهم للحفاظ على الهوية والاتساق، لكن الإفراط في المركزية يجعل المؤسسة بطيئة ومنفصلة عن الواقع المحلي. وفي المقابل، فإن إعطاء كل منطقة حرية كاملة قد يؤدي إلى تآكل الهوية المشتركة وفقدان الانسجام.

ولا توجد هنا وصفة ثابتة تصلح دائمًا. فبعض الظروف تتطلب توحيد القرار، بينما تتطلب ظروف أخرى منح مساحة أكبر للحلول المحلية.

إعادة فهم طبيعة العمل القيادي

إذا كانت الحركة أهم من «التوازن» التقليدي، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي على القائد طرحه على نفسه ليس: ما الخيار الصحيح الذي يجب أن ألتزم به دائمًا؟

بل ربما يكون السؤال الأهم:

هل أحاول التعامل مع قضية متحركة وكأنها قرار نهائي؟

وهل هناك أسلوب نجح معي سابقًا لكنني بدأت أتمسك به أكثر مما ينبغي؟

وما الإشارات التي تخبرني بأن الوقت حان للانتقال إلى الجهة الأخرى؟

القيادة في البيئات المعقدة لا تكافئ الجمود، حتى لو بدا في ظاهره حسمًا وثباتًا. ما تكافئه حقًا هو القدرة على التحرك الواعي: أن تلتزم عندما يكون الالتزام مطلوبًا، وأن تتعلم أثناء الحركة، وأن تعرف متى يحين وقت الانعطاف قبل أن تصبح كلفة البقاء في الاتجاه نفسه أعلى من كلفة التغيير.

فالعمل الحقيقي ليس أن تقف ثابتًا في المنتصف، بل أن تعرف كيف تتحرك بذكاء مع تغير الظروف.

المصدر

مقالات ذات صلة