بقلم: آدي
بينما تصدرت الأخبار التي تفيد بأن شركة أمازون ستسرح 14000 موظف، ويُعزى ذلك جزئيا وبحسب ما يُقال إلى صعود الذكاء الاصطناعي، عناوين الصحف، فإن تأثير الأتمتة على سوق العمل غالبا ما يتكشف بشكل غير مرئي. ففي وقت سابق من هذا العام وجدت أبحاث صادرة عن معهد المعايير البريطاني أن أكثر من 40 في المئة من أصحاب العمل يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتقليص الوظائف وسد فجوات المهارات.
وأظهرت الدراسة التي أُجريت في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وأستراليا واليابان والصين والمملكة المتحدة أن نحو ثلث المؤسسات كانت تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي قبل أن تقوم بتوظيف أي شخص، مع توقع العديد منهم أن ينمو هذا الاتجاه في السنوات القادمة.
الحفاظ على الثقة
على الرغم من ذلك، لا تزال القوى العاملة متفائلة إلى حد كبير. على الأقل هذا هو الانطباع الذي ترسمه أبحاث من جامعة كاليفورنيا ميرسيد، والتي تشير إلى أن الجمهور لا يشعر بقلق مفرط بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على سبل عيشه.
ووجدت الدراسة أن الناس كانوا بشكل عام متفائلين بشأن فرصهم عند مواجهة دخول الذكاء الاصطناعي إلى مكان العمل، وكان هذا التفاؤل أقوى بشكل خاص على المدى الطويل.
قام الباحثون باستطلاع آراء بضعة آلاف من البالغين في الولايات المتحدة، وقد أُعطي كل منهم معلومات حول التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي التوليدي. وبعد قراءة هذه المعلومات، كان من الشائع أن يعتقد الناس أن هذه التقنية ستصل في وقت أقرب مما كانوا يتوقعون.
ومع ذلك، لم يعتقد سوى عدد قليل منهم أن النتائج الاقتصادية ستتدهور أو أن على صانعي السياسات تقديم أشكال جديدة من الدعم للناس. وبعبارة أخرى، لم يكونوا أكثر قلقا فعليا بشأن البطالة التكنولوجية.
تفاؤل عنيد
يشرح المؤلفون قائلين إن هذه النتائج تشير إلى أن معتقدات الأمريكيين بشأن مخاطر الأتمتة عنيدة. حتى عندما يُقال لهم إن الذكاء الاصطناعي بمستوى الإنسان قد يصل خلال بضع سنوات فقط، فإن الناس لا يعيدون بشكل جذري تشكيل توقعاتهم أو يطالبون بسياسات جديدة.
ولعل هذا لا ينبغي أن يكون مفاجئا كبيرا. ففي النهاية، أظهرت دراسة إسبانية حديثة ما يسميه الباحثون تحيز عدم القابلية للتأثر، وهو ما يشير ببساطة إلى أننا نميل إلى الاعتقاد بأن الأتمتة ستؤثر على الآخرين أكثر مما ستؤثر علينا نحن.
وتبني هذه الدراسة على استطلاع أجرته مؤسسة بيو للأبحاث عام 2023، والذي وجد أن 62 في المئة من البالغين في الولايات المتحدة يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير كبير على العمال بشكل عام، لكن 28 في المئة فقط يعتقدون أنه سيؤثر بشكل كبير على وظائفهم الشخصية.
ومن المثير للاهتمام أن الباحثين الإسبان وجدوا أنه رغم ثقة الناس في أن وظائفهم ستبقى، فإنهم لم يكونوا واثقين من أنها ستظل ممتعة أو ذات معنى كما هي.
أخذ التهديد على محمل الجد
بينما يظل التأثير الدقيق للذكاء الاصطناعي غير مؤكد، يبدو أنه من الأفضل أن يكون الناس مدركين للتهديد بدلا من التفاؤل المفرط. وهنا تقدم الدراستان قدرا من الفهم لما قد يغير هذا التصور. فقد حاولت دراسة جامعة كاليفورنيا رفع مستوى الوعي بالذكاء الاصطناعي إلى حد بسيط، في حين كانت الدراسة الإسبانية أكثر مباشرة في تحديد العلاقة بين معرفة الذكاء الاصطناعي وزيادة الوعي بالمخاطر المحتملة للأتمتة.
ومن المرجح أن هذا الوعي يحتاج إلى أن يكون عمليا وتجريبيا أكثر منه نظريا. وما يتضح من الدراسة الكاليفورنية هو أن جعل التهديدات التكنولوجية تبدو أكثر إلحاحا لا يكفي وحده لتحفيز الأفراد على اتخاذ إجراءات أو لحشد الدعم لسياسات حكومية أكبر.
ويخلق هذا مفارقة غير مريحة لصانعي السياسات وقادة الأعمال. فإذا لم يتشكل القلق العام إلا بعد أن يصبح الاضطراب شخصيا وواسعا، فقد تجد المجتمعات نفسها مضطرة لبناء شبكات أمان وبرامج إعادة تدريب في اللحظة التي تكون فيها في أمس الحاجة إليها، وفي الوقت الذي تكون فيه الميزانيات أكثر ضغطا بسبب ارتفاع البطالة.
زيادة التعرض
تشير الأبحاث إلى أن لا التوقعات المخيفة ولا الجداول الزمنية البعيدة ستدفع إلى اتخاذ إجراءات استباقية. بدلا من ذلك، قد يكمن الطريق إلى التقييم الواقعي في التفاعل المباشر، من خلال جعل العمال يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي فعليا في مجالاتهم، لرؤية القدرات والقيود بشكل مباشر، وتطوير آراء واعية بدلا من آراء مجردة حول مدى تعرضهم للمخاطر.
سواء كان هذا التفاؤل العنيد مبررا أم لا، وسواء كانت وظائف جديدة ستظهر فعلا مع اختفاء وظائف قديمة كما حدث في تحولات تكنولوجية سابقة، فهذا ما يزال قيد الانتظار. لكن المؤكد أننا نجري تجربة حية حول كيفية تكيف المجتمعات عندما تظل القوى العاملة هادئة في مواجهة تحول يؤكد الخبراء أنه وشيك.
في الوقت الحالي، يراهن معظم العمال بهدوء على أنهم سيتعاملون مع الأمر عندما يحتاجون إلى ذلك، وأن التكيف سيأتي بشكل طبيعي، وأن هذه المرة لن تكون مختلفة جذريا. وسيحكم التاريخ ما إذا كانت هذه الثقة حكمة أم مجرد أمنيات.
