القائمة الرئيسية

انسَ المهارات… وظّف من يعرف كيف يكتشف الحل

انسَ المهارات… وظّف من يعرف كيف يكتشف الحل
ملخص المقال

يوضح المقال

بقلم فيرجينيا باكايتس على reworked  أن سوق العمل الحديث لم يعد يكافئ امتلاك المهارات الثابتة بقدر ما يكافئ “مرونة التعلم”، أي القدرة على التكيف السريع، واكتشاف الحلول في بيئات غير مستقرة، والتعلم المستمر من التجربة. ويشير إلى أن هذه الفئة من الأفراد نادرة نسبيًا، لكنها الأكثر قيمة في عالم تتغير فيه المهارات بسرعة كبيرة حتى تصبح قديمة خلال وقت قصير. لذلك، بدأت شركات كبرى في التحول من توظيف “الأذكى الذي يعرف كل شيء” إلى “الأكثر قدرة على التعلم والتكيف”. ويؤكد المقال أن مرونة التعلم ليست مجرد فضول، بل مزيج من الوعي الذاتي، وتقبل الخطأ، وسرعة تحويل المعرفة إلى تطبيق عملي، مع القدرة على التعامل مع الغموض والضغوط. كما يوضح أن اختبار هذه القدرة يتم من خلال أسئلة وسيناريوهات تقيس طريقة التفكير لا صحة الإجابة، وأن نجاحها داخل المؤسسات يتطلب ثقافة تدعم التجربة، والتغذية الراجعة المستمرة، وتقبل الخطأ. ويخلص إلى أن المشكلة ليست في ندرة هذه المواهب بقدر ما هي في بيئات عمل لا تكافئ التعلم الحقيقي، مما يؤدي إلى فقدان هذه الفئة أو كبحها داخل النظام التنظيمي نفسه.

بقلم: فيرجينيا باكايتس

انسَ أولئك الذين يعرفون كل شيء. الشركات اليوم تبحث عن نوع مختلف تمامًا من الموظفين، أشخاص يتعلمون باستمرار، يتكيفون بسرعة، ويزدهرون عندما يتغير كل شيء من حولهم.

إذا كنت تعتقد أن امتلاك المهارات هو مفتاح النجاح في عالم الشركات، فقد تحتاج لإعادة النظر. هناك شيء أكثر تعقيدًا بدأ يفرض نفسه بقوة. توظيف أشخاص يتمتعون بما يُعرف بـ “مرونة التعلم” قد يصبح العامل الحاسم في اقتصاد تتآكل فيه المهارات بسرعة تكاد تشبه آثار الأقدام على الشاطئ.

بالنسبة لمعظم الشركات، هذا يمثل تحديًا حقيقيًا. فقد أشار المنتدى الاقتصادي العالمي مؤخرًا إلى تصاعد ظاهرة يمكن وصفها بعدم استقرار المهارات، حيث يتعلم الموظف مهارة جديدة ثم يكتشف أنها أصبحت قديمة بعد فترة قصيرة.

تقول أميليا هاينز، مديرة الأبحاث وتطوير الشراكات في كورن فيري، إن نحو 15 في المئة فقط من القوى العاملة يتمتعون بمرونة تعلم حقيقية. وتوضح أن هؤلاء الأشخاص لديهم فضول دائم واستعداد لاكتشاف المجهول، وقدرة على تحويل ما يتعلمونه إلى تطبيقات عملية. وبصياغة أبسط، فهم يمتلكون استعدادًا وقدرة على التعلم من التجارب وتوظيفها في مواقف جديدة.

تكمن أهمية ذلك في أن بيئة الأعمال الحديثة تعمل في حالة دائمة من التقلب وعدم اليقين والتعقيد والغموض.

لماذا لا تستطيع الشركات الانتظار

المهارات أصبحت تفقد صلاحيتها بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. أزمة عالمية أو تنظيم جديد أو ظهور أدوات تقنية جديدة قد يجعل الخبير بالأمس عائقًا اليوم. من يحافظ على قيمته وسط هذه التحولات ليس بالضرورة صاحب الشهادات الأكبر، بل الشخص القادر على إيجاد الحلول عندما تتغير القواعد.

مايكروسوفت عبّرت عن هذا التحول عندما غيّرت فلسفة التوظيف لديها، مبتعدة عن البحث عن “الأذكى الذي يعرف كل شيء” نحو “الشخص الذي يتعلم كل شيء”. لم يكن ذلك مجرد خطاب ثقافي، بل تحول يعكس فهمًا جديدًا لطبيعة النجاح داخل المؤسسات. مرونة التعلم أصبحت حجر الأساس في قدرة الشركات على الصمود، وكلما تسارع السوق زادت أهميتها.

جزء من سبب ندرة هذه الصفة يعود إلى طبيعة الدماغ وليس إلى الدافع الشخصي فقط. فقد أظهرت أبحاث أن الاعتراف بالخطأ ينشط نفس الدوائر العصبية المرتبطة بالألم الجسدي، بينما الشعور بالصواب يحفز مراكز المكافأة نفسها المرتبطة بتحقيق المكاسب. لذلك ليس غريبًا أن يكرر كثير من القادة نفس القرارات حتى لو لم تعد مناسبة، فالأمر مرتبط بكيمياء الدماغ أكثر مما هو مرتبط بالعناد.

وعند وقوع الأزمات، ينقسم الناس سريعًا إلى فئتين، فئة تتوقف أمام المشكلة، وفئة تبدأ في البحث عن طريق للخروج منها. ما يحدد هذا الفرق هو وجود اتجاه واضح يمكن التوجه نحوه، وهو ما تصنعه القيادة الفعالة داخل المؤسسات، لأنه الفارق بين فريق يتعافى بسرعة وآخر يتعثر.

ما الذي يتم توظيفه فعليًا

مرونة التعلم ليست مهارة بسيطة أو سلوكًا جانبيًا. بل هي مجموعة من القدرات تشمل المرونة الذهنية والتعامل مع الناس والتكيف مع التغيير وتحقيق النتائج إضافة إلى الوعي الذاتي. في التطبيق العملي، تعني هذه الصفات غياب تضخم الأنا، والقدرة على تقبل عدم امتلاك الإجابة، وعدم التجمّد أمام المواقف غير المألوفة. كما تعني وعي الشخص بمشاعره وكيف تؤثر في قراراته وسلوكه، وهو أمر لا يتقنه معظم الناس.

تظهر هذه الصفة بوضوح في مجالات مثل الاستشارات الإدارية، حيث يُوضع المحترفون في مواقف جديدة تمامًا ويُطلب منهم حل مشكلات لم يسبق لهم مواجهتها. النجاح هنا لا يعتمد على الخبرة السابقة بقدر ما يعتمد على القدرة على التعامل مع المجهول والتخلي عن الأنا والرغبة الحقيقية في الفهم.

هناك أيضًا مفهوم آخر يرتبط بسرعة التعلم وتحويل المعرفة إلى نتائج فعلية في العمل. الفكرة ليست في التعلم فقط، بل في سرعة تطبيق ما يتم تعلمه في سياقات مختلفة. الشركات التي تتفوق عادة هي تلك التي يتعلم فيها الموظفون بسرعة ويتعافون من الأخطاء بسرعة أيضًا.

وفقًا لبعض النماذج التحليلية، يمكن تقسيم هذه القدرة إلى جانبين، قدرة ذهنية على التقاط الأنماط بسرعة، واستعداد سلوكي للدخول في مناطق غير مريحة. وجود أحدهما دون الآخر لا يكفي، فالمتعلم السريع الذي يرفض الخطأ يمثل عبئًا، كما أن الشخص المنفتح الذي لا يستطيع تحويل المعرفة إلى نتائج لا يقدم قيمة حقيقية.

هل يتم التوظيف بناءً على هذه الصفة أم تطويرها

معظم الشركات تحاول الأمرين لكنها غالبًا لا تنجح في أي منهما بالشكل المطلوب. بعض الخبراء يرون أن من الأسهل توظيف أشخاص يمتلكون مرونة التعلم بدل محاولة بنائها من الصفر، لأن الفارق يشبه الفرق بين رياضي محترف وشخص يذهب إلى النادي بشكل متقطع.

مع ذلك، فإن تطوير هذه القدرة داخل المؤسسات يظل مهمًا حتى لو كان التوظيف يعتمد عليها. المشكلة أن برامج التدريب التقليدية غالبًا لا تواكب سرعة التغير في بيئة العمل. لذلك يصبح الاستثمار في مهارات مثل حل المشكلات والتفكير النقدي والقدرة على توظيف المعرفة في سياقات جديدة أمرًا أساسيًا، لأنها مهارات تستمر فائدتها حتى عندما تتغير الوظائف.

كيف تكتشف هذا النوع من المرشحين

يمكن اكتشاف الأشخاص الذين يتمتعون بمرونة التعلم من خلال أسلوب المقابلات، بشرط أن يركز السؤال على طريقة التفكير وليس على صحة الإجابة. الفكرة هي ملاحظة كيف يتعامل الشخص مع الغموض والتعقيد والتغير المفاجئ في المعطيات.

يمكن مثلًا سؤال المرشح عن موقف اضطر فيه لاتخاذ قرار رغم نقص المعلومات أو تناقضها، وكيف تصرف في تلك الحالة. أو عن تجربة تغيرت فيها أهداف المشروع أثناء التنفيذ وكيف أعاد ضبط خطته. أو عن موقف واجه فيه أزمة مفاجئة في العمل وما كانت أول خطوة قام بها وما الذي كان سيفعله بشكل مختلف لاحقًا. كذلك يمكن سؤاله عن طريقته في متابعة التطورات في مجاله قبل أن تصبح واضحة للجميع.

في المناصب العليا، تستخدم بعض الشركات اختبارات محاكاة أكثر تعقيدًا، حيث يُوضع المرشح أمام بيئة عمل فوضوية مليئة بالطلبات المتعارضة والمعلومات الناقصة، ويُطلب منه تحديد الأولويات واتخاذ قرارات تحت الضغط. الفكرة هنا ليست الوصول إلى إجابة مثالية، بل مراقبة طريقة التفكير.

كما تُستخدم أدوات تقييم تقيس سرعة اكتشاف الأنماط، والقدرة على نقل المعرفة من سياق إلى آخر، والرغبة الحقيقية في الفهم وليس مجرد الاستخدام السطحي للمعلومات. ومن العلامات المهمة أن المرشح الذي يعترف بعدم اليقين ويفكر بصوت عالٍ غالبًا ما يكون أكثر قدرة على النجاح من الذي يدّعي امتلاك الإجابة فورًا.

بناء ثقافة تدعم هذا النوع من الأشخاص

المشكلة الشائعة أن المؤسسات قد توظف أشخاصًا قادرين على التعلم السريع ثم تضعهم في بيئة لا تسمح لهم بذلك. لا يوجد مسار واضح للتطور، ولا خطة تعلم مرتبطة باحتياجات العمل الفعلية.

من الحلول الفعالة تعيين شخص داخل كل فريق تكون مهمته ربط تطوير المهارات بالاحتياج الحقيقي للعمل، بحيث لا تتحول عملية التدريب إلى نشاط منفصل عن الواقع. هذا الشخص يعمل كحلقة وصل بين أهداف الإدارة وتطوير الأفراد.

كما أن الأشخاص ذوي مرونة التعلم لا ينجحون في بيئة تفرض عليهم نمط تعلم واحد. هم يحتاجون إلى تنوع في الفرص مثل الإرشاد المهني وتغيير المهام والعمل على مشاريع جانبية والتعلم من الزملاء. لكن ذلك يتطلب من المديرين أنفسهم تقبل فكرة أنهم لن يكونوا دائمًا المصدر الأعلم في الغرفة، وأن طرح الأسئلة وتحدي الافتراضات جزء أساسي من العملية.

التقييم السنوي التقليدي لم يعد كافيًا، لأن التغذية الراجعة تحتاج أن تكون مستمرة وقريبة من العمل نفسه. كما أن دور الموارد البشرية لا يقتصر على وضع السياسات، بل يمتد إلى ضمان توفر الوقت والميزانية للتعلم الفعلي، وإلا فإن الثقافة تبقى مجرد شعارات.

هناك تكلفة خفية أيضًا عندما تفشل الشركات في الاحتفاظ بهذه الفئة من الموظفين، فهم غالبًا يحملون معهم المعرفة التي اكتسبوها إلى أماكن أخرى. والأسوأ أن بعض البيئات التنظيمية تجعل الموظفين يتوقفون عن المحاولة بعد أول تجربة فاشلة، مما يقتل الابتكار بالكامل.

الخلاصة

من المفيد أيضًا منح الأشخاص ذوي مرونة التعلم فرصة لنقل معرفتهم للآخرين، لأن قدرتهم على النمو يمكن أن تنتقل بسهولة إلى الفريق. وتشير بعض الدراسات إلى أن المديرين الذين يتمتعون بهذه المرونة يرتقون في مناصبهم بوتيرة أسرع من غيرهم.

اللافت أن كثيرًا من الشركات التي تعاني اليوم من نقص في هذه القدرة لا تدرك أصل المشكلة. فالأشخاص القادرون على التعلم ما زالوا موجودين، لكنهم غالبًا توقفوا عن إظهار ذلك لأن بيئة العمل لم تعد تكافئ التجربة أو تقبل الخطأ كجزء من التعلم. الفجوة بين ما تقوله الشركة وما تكافئه فعليًا هي المكان الذي تفقد فيه مرونة التعلم قيمتها، وغالبًا لا يكون ذلك بسبب شخص واحد، بل بسبب النظام ككل.

المصدر

مقالات ذات صلة