بقلم: كيت فيلد
يتقدم الذكاء الاصطناعي بسرعة داخل بيئات العمل، لكن الاستعداد له من حيث التدريب، ووضع الضوابط التنظيمية، وتهيئة القوى العاملة ما زال متأخراً بشكل مقلق.
أصبح من الصعب اليوم تجاهل هذا التدفق المستمر من الأخبار والتصريحات المؤسسية والأحاديث اليومية التي تدور حول تأثير الذكاء الاصطناعي على حياتنا وأساليب عملنا.
هذه الموجة الجديدة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي تبدو مستمرة في التوسع دون أي مؤشرات على التراجع. فقد أظهر استطلاع أجرته BSI أن أكثر من نصف قادة الأعمال في الولايات المتحدة، بنسبة 56 في المئة، يعتبرون الذكاء الاصطناعي عنصراً أساسياً لنمو مؤسساتهم، بينما يتوقع 70 في المئة منهم زيادة الاستثمارات في هذا المجال خلال الفترة القادمة.
تأثير الذكاء الاصطناعي على القوى العاملة
ورغم هذا التسارع في تبني التقنية، فإن وتيرة التفكير في أثرها على الإنسان داخل بيئة العمل لا تزال أبطأ بكثير. فالشركات في الغالب تندفع نحو تطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي دون أن تمنح الاهتمام الكافي لتأثير ذلك على الموظفين، أو لما قد يتطلبه الأمر من إعادة تأهيل وتطوير للمهارات.
تشير البيانات إلى أن معظم الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تذهب نحو الأتمتة وتقليل الاعتماد على الإنسان، أكثر من توجهها نحو تطوير قدرات العاملين. بل إن مصطلح الأتمتة يظهر في الخطاب المؤسسي المتعلق بالذكاء الاصطناعي بمعدل يقارب سبعة أضعاف مقارنة بمصطلحات مثل التدريب أو رفع المهارات أو التعليم. وهذا يعكس بوضوح أن الأولوية في كثير من المؤسسات باتت موجهة نحو التقنية على حساب الاستثمار في الإنسان.
ورغم أن 63 في المئة من القادة يعتقدون أن المجتمع استفاد من التجارب السابقة مع التحولات التكنولوجية مثل الإنترنت ووسائل التواصل والحوسبة السحابية، إلا أن تأثير الذكاء الاصطناعي يبدو أعمق وأسرع وأكثر قابلية لإحداث تغيير جذري ومستمر في سوق العمل مقارنة بتلك الموجات السابقة.
فجوة التدريب والجاهزية
أحد أبرز التحديات اليوم يتمثل في ضعف جاهزية القوى العاملة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي. فهناك فجوة واضحة بين تصور القادة لمستوى كفاءة الموظفين وبين الواقع الفعلي للتدريب المقدم لهم.
يبدو أن قادة الأعمال واثقون إلى حد كبير من قدراتهم ومن قدرات فرقهم، إذ يرى 69 في المئة منهم أنهم تلقوا التدريب الكافي لاستخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة ومسؤولة، كما يعتقد 66 في المئة أن موظفيهم يمتلكون المهارات اللازمة لاستخدام هذه الأدوات في العمل اليومي بشكل فعال.
لكن هذه الصورة الإيجابية لا تنعكس على أرض الواقع. فعدد الشركات التي لديها برامج تدريب وتطوير منظمة في مجال الذكاء الاصطناعي لا يتجاوز 30 في المئة فقط، في حين أن نسبة الشركات التي تمتلك إطاراً واضحاً لحوكمة الذكاء الاصطناعي لا تتجاوز 20 في المئة.
هذه الفجوة بين الثقة والتطبيق تخلق مخاطر حقيقية. فالموظفون الذين لا يحصلون على التدريب الكافي قد يجدون أنفسهم خارج سوق العمل مع تسارع التغيير، وفي المقابل فإن غياب الأطر التنظيمية والضوابط يزيد من احتمالية الاستخدام غير الآمن لهذه التقنيات، سواء على مستوى الخصوصية أو حماية البيانات أو الملكية الفكرية.
الذكاء الاصطناعي والقوى العاملة الشابة
هناك جانب آخر يحمل قدراً من التناقض في نظرة قادة الأعمال للذكاء الاصطناعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتأثيره على الجيل الجديد من الموظفين.
ففي الوقت الذي تسود فيه نظرة إيجابية عامة تجاه هذه التقنية، حيث يرى 74 في المئة من القادة في الولايات المتحدة أن الذكاء الاصطناعي حقق فوائد ملموسة لمؤسساتهم، لا ينظر إليه سوى 33 في المئة فقط كمصدر للمخاطر أو نقاط الضعف.
هذا التفاؤل يمتد أيضاً إلى فكرة تأثير الذكاء الاصطناعي على تطوير مهارات الموظفين الجدد. إذ يعتقد كثير من القادة أن هذه الأدوات ستسهم في تعزيز مهارات أساسية مثل التفكير النقدي، واتخاذ القرار، وجمع المعلومات، والإبداع. ويذهب 32 في المئة منهم إلى أن هذه المهارات ستتحسن بالفعل نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي.
لكن في المقابل، تظهر مفارقة لافتة، إذ يعبر عدد كبير من هؤلاء القادة عن شعور بالامتنان لأن بداياتهم المهنية سبقت ظهور الذكاء الاصطناعي. حيث يقول 61 في المئة منهم إنهم محظوظون لأنهم بدأوا حياتهم المهنية قبل انتشار هذه الأدوات، بينما يرى 43 في المئة أنهم ربما لم يطوروا مهاراتهم بالشكل الذي حدث فعلاً لو كانت هذه التقنيات متاحة في ذلك الوقت.
هذا التناقض يكشف عن فجوة في الفهم؛ فبينما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز قدرات الجيل الجديد، هناك إدراك ضمني أنه قد يغيّر بشكل جذري الطريقة التي تُبنى بها المهارات منذ البداية.
خلاصة
تتعامل المؤسسات في الولايات المتحدة مع الذكاء الاصطناعي بمزيج من الحماس والحذر في الوقت نفسه. فهناك قناعة واضحة بإمكاناته في تحسين الأداء وتعزيز الإنتاجية، لكن هذا التفاؤل لا يوازيه استعداد كافٍ من حيث التدريب أو بناء الأطر التنظيمية أو وضع الضوابط الأخلاقية.
ولكي يتم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بشكل فعّال وآمن وعادل، لا بد أن تتحول الأولويات من التركيز على الأتمتة فقط إلى الاستثمار الحقيقي في الإنسان. وهذا يتطلب تطوير برامج تدريب شاملة، وإنشاء أطر حوكمة واضحة، وتطبيق معايير أخلاقية تحكم استخدام هذه التقنيات.
ورغم أن هذه الإجراءات لن تمنع كل التحديات المرتبطة بتبني الذكاء الاصطناعي، إلا أنها تمثل خطوة أساسية لتقليل المخاطر، وتقليص فجوة المهارات، وضمان دمج هذه التقنية في بيئة العمل بطريقة أكثر توازناً واستدامة.
