بقلم: ديفيد بريست
شركات قائمة على الذكاء الاصطناعي من دون موظفين، ومن دون مكاتب، ومن دون اجتماعات مجلس إدارة، تحقق بالفعل ملايين الدولارات من الإيرادات. وربما تكون فكرة “الشركة” كما عرفناها طوال العقود الماضية تقترب من نهايتها.
أهم الأفكار
فكرة الشركة بدأت تتحول من كونها مجموعة من البشر إلى نظام برمجي مستقل يعمل ذاتيًا.
النماذج الأولى أثبتت أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ينفذ المهام فقط، بل أصبح قادرًا على إدارة البنية الكاملة للأعمال.
هذا التحول يفرض أسئلة معقدة حول المسؤولية والاستراتيجية والثقافة التنظيمية، وهي أسئلة لا نملك لها إجابات واضحة حتى الآن.
القوانين والأنظمة الاجتماعية الحالية صُممت لشركات يقودها البشر، لا لكيانات تديرها أنظمة ذكاء اصطناعي مستقلة.
التحدي الحقيقي أمام القادة اليوم ليس التكنولوجيا نفسها، بل التفكير في القواعد التي يجب أن تحكم هذا الاقتصاد الجديد.
لأكثر من مئة عام، كان لدينا تصور واضح نسبيًا لمعنى “الشركة”. كنا ننظر إليها باعتبارها مجموعة من الأشخاص يعملون معًا ضمن هيكل تنظيمي محدد لتحقيق هدف مشترك. للشركة ثقافة داخلية، وهيكل قانوني، وموظفون يحضرون يوميًا لأداء أعمالهم.
لكن هذا التعريف بدأ يتفكك.
هناك نوع جديد من الشركات بدأ بالظهور. شركات تمتلك رسالة واضحة، ومنتجًا، وخطة تسويقية، لكنها لا تملك موظفين، ولا مكاتب، ولا حتى اجتماعات مجلس إدارة.
منصة “بولسيا” التي أسسها رائد الأعمال المنفرد بن بروكا تدير اليوم أكثر من 1100 شركة مستقلة ذاتيًا. لكل شركة مدير تنفيذي يعمل بالذكاء الاصطناعي، يدير بشكل يومي دورات كاملة من التخطيط والتنفيذ وإعداد التقارير. وقد تجاوزت هذه الشركات مجتمعة حاجز مليون دولار من الإيرادات السنوية المتكررة. والمثير أن بروكا نفسه لا يملك أي موظفين. في مشهد كان يبدو عبثيًا قبل خمس سنوات فقط، أصبح يستخدم منتجه لإدارة منتجه نفسه.
وهناك أيضًا “فيليكس كرافت”، وهو وكيل ذكاء اصطناعي مُنح ألف دولار فقط، وطُلب منه بناء مشروع مربح. خلال أسابيع قليلة، أنشأ منتجًا معلوماتيًا، وأطلق سوقًا رقمية للذكاء الاصطناعي، وحقق أكثر من 62 ألف دولار من الإيرادات خلال ثلاثة أسابيع فقط. والأكثر غرابة أنه أصبح يغطي تكاليف تشغيله من العائدات التي يحققها بنفسه.
ولادة الشركة التي لا يعمل فيها بشر
من السهل النظر إلى هذه النماذج باعتبارها مجرد تجارب ذكية ومحدودة، لكن الواقع يشير إلى أن أكبر شركات البرمجيات المؤسسية في العالم تعمل الآن على تطوير الأدوات التي تجعل هذا النموذج قابلًا للانتشار الواسع.
الجميع يتجه نحو الفكرة نفسها.
شركة Salesforce تراهن بقوة على هذا الاتجاه من خلال منتجها “Agentforce”، الذي يتيح للشركات إنشاء وكلاء مستقلين ونشرهم لإدارة الأعمال والعمليات. وقد أصبح هذا المنتج الأسرع نموًا في تاريخ الشركة، مع أكثر من 18 ألف صفقة أُبرمت بحلول نهاية عام 2025.
وشركة ServiceNow تسير في الاتجاه ذاته، عبر ما تسميه “القوى العاملة المستقلة ذاتيًا”. بعض العملاء الأوائل، مثل CVS Health، يستخدمون هذه الأنظمة بالفعل لتنفيذ الأعمال الإدارية الروتينية، بما يسمح للعاملين في القطاع الصحي بالتركيز أكثر على المرضى.
الحقيقة أن هذا التحول يحدث بالفعل في أماكن لا يلاحظها معظم الناس. ففي منصة OpenTable، أصبحت الأنظمة المستقلة تعالج نحو 70% من استفسارات العملاء من دون أي تدخل بشري، وذلك خلال أسابيع قليلة فقط من تشغيل النظام.
ما كان يبدو استثناءً بدأ يتحول تدريجيًا إلى واقع جديد.
الأمر لم يعد يتعلق برواد أعمال يبنون شركات صغيرة بفرق عمل محدودة، بل نحن أمام ولادة كيان جديد بالكامل: “الشركة بلا بشر”.
وهذا يدفعنا إلى سؤال أساسي للغاية: ما معنى الشركة أصلًا اليوم؟
من هيكل لتنظيم البشر إلى برنامج يعمل ذاتيًا
في الحقيقة، كانت الشركة دائمًا نوعًا من التكنولوجيا الاجتماعية. فقد اخترع البشر الشركة كأداة لتنظيم العمل الجماعي وحل مشكلة أساسية: كيف نجعل أعدادًا كبيرة من الناس يعملون معًا بكفاءة؟
الهيكل الإداري، والتسلسل الوظيفي، والرؤية المؤسسية، كلها كانت أدوات لتنظيم الجهد البشري.
أما الذكاء الاصطناعي فهو يقدم الآن إجابة مختلفة تمامًا على المشكلة نفسها.
وكيل الذكاء الاصطناعي يمكنه كتابة برمجياته الخاصة، وإدارة تسويقه، وتشغيل عملياته، وحتى اتخاذ قراراته التشغيلية.
وعندما اكتشف نظام “بولسيا” أنه يحتاج إلى قدرة حوسبية إضافية، لم يرسل طلبًا إداريًا كما يفعل الموظفون عادة، بل أخبر مؤسسه بأنه يجب أن يجمع التمويل بنفسه. وبعد أن منح بروكا النظام إمكانية الوصول إلى بريده الإلكتروني لمدة أسبوعين، بدأ النظام يتفاوض فعليًا مع المستثمرين.
هنا لم تعد الشركة مجرد هيكل لإدارة البشر، بل أصبحت كيانًا مستقلًا يمتلك حسابًا مصرفيًا ويتصرف ذاتيًا.
أسئلة جديدة لا تملك إجابات سهلة
هذا التحول ليس مجرد تطور تقني مثير للاهتمام، بل يفرض علينا مواجهة أسئلة عميقة لم تُصمم أنظمتنا الحالية للإجابة عنها.
أول هذه الأسئلة يتعلق بالمسؤولية.
في الشركات التقليدية، خطوط المسؤولية واضحة نسبيًا. يمكن إقالة الرئيس التنفيذي، ويمكن مساءلة مجلس الإدارة قانونيًا. لكن ماذا يحدث عندما ترتكب شركة تُدار بالكامل بالذكاء الاصطناعي خطأً جسيمًا أو تتسبب بضرر؟
من يتحمل المسؤولية حينها؟
هل هو المبرمج الذي أطلق النظام؟
أم مالك الخوادم التي يعمل عليها؟
أم الشركة المالكة؟
أم الذكاء الاصطناعي نفسه؟
الأطر القانونية الحالية لم تُبنَ أصلًا للتعامل مع هذا النوع من الكيانات.
السؤال الثاني يتعلق بمعنى “الاستراتيجية” و”الثقافة”.
فثقافة الشركات كانت دائمًا انعكاسًا لعادات البشر وقيمهم وطريقة تفكيرهم. والاستراتيجية كانت نتاج خبرة بشرية وقدرة على التقدير والحكم.
أما الشركة التي يديرها الذكاء الاصطناعي فقد تمتلك هدفًا وخطة واضحة، لكنها لا تمتلك قيمًا مشتركة أو خبرة إنسانية حقيقية. يمكنها تنفيذ الخطط بكفاءة مذهلة، لكنها لا تمتلك الحكمة التي تتكون من التجربة البشرية الحية.
ثم يأتي السؤال الأهم: ما الهدف النهائي لهذه الكيانات؟
الشركات التقليدية صُممت لتحقيق قيمة للمساهمين والموظفين والعملاء في الوقت نفسه. أما الشركة التي لا يعمل فيها بشر فقد تتحول إلى دائرة مغلقة هدفها الوحيد هو جمع الموارد وتعظيم بقائها ونموها.
نحن هنا أمام شكل جديد بالكامل من أشكال الحياة الاقتصادية، ولم نفكر بعد بعمق في النتائج المترتبة على ظهوره.
المهمة الحقيقية التي تنتظرنا
قد يبدو من السهل التقليل من أهمية هذه النماذج واعتبارها مجرد تجارب هامشية، خصوصًا أن كثيرًا من هذه الشركات ما يزال صغيرًا، وربما يفشل عدد كبير منها.
لكن الفكرة الأساسية نفسها لن تختفي.
فالتكنولوجيا التي تجعل هذا النوع من الشركات ممكنًا تتطور بسرعة هائلة ومتسارعة.
والأهم من ذلك أن الاتجاه العام أصبح واضحًا ويصعب تجاهله.
فالمنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع أن يؤدي الذكاء الاصطناعي والأتمتة إلى إعادة تشكيل 22% من الوظائف عالميًا بحلول عام 2030، مع ظهور 170 مليون وظيفة جديدة واختفاء 92 مليون وظيفة، أي بصافي زيادة يبلغ 78 مليون وظيفة.
كما وجد باحثون من Massachusetts Institute of Technology أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية قادرة بالفعل على تنفيذ أعمال تعادل نحو 12% من الوظائف الأمريكية بتكلفة تنافسية.
ومن هذا المنظور، تبدو “الشركة بلا بشر” مجرد النتيجة المنطقية لمسار بدأ بالفعل منذ سنوات.
ماذا يعني هذا بالنسبة لنا؟
التحدي الحقيقي ليس مواكبة التكنولوجيا، بل تحديث طريقة تفكيرنا المؤسسية بالكامل.
فعلى مدى عقود طويلة، صممنا المؤسسات لإدارة العمل البشري. أما اليوم، فنحن مضطرون للتفكير في عالم قد لا يكون العاملون فيه بشرًا أصلًا.
القضية ليست إيقاف الابتكار، بل فهم ما الذي نبنيه فعلًا.
فالشركة لم تكن يومًا مجرد آلة لصناعة المال، بل كانت جزءًا أساسيًا من المجتمعات ومن حياة الناس اليومية.
ومع أتمتة بنية الشركة نفسها، يصبح السؤال الأكثر أهمية:
ما الصفات الإنسانية التي لا يمكن التنازل عنها أبدًا؟
وما الأشياء التي يجب ألا نضحي بها مهما بلغت كفاءة الأنظمة؟
