بقلم: تامار كوهين
الطريق نحو المستقبل لا يبدأ فقط بتبنّي أدوات الذكاء الاصطناعي أو اعتماد سياسات العمل المرن، بل يبدأ أولًا بالتخلص من الممارسات والعقليات التنظيمية التي تعرقل أي تحول حقيقي. فالكثير من المؤسسات تتحدث عن التطور، لكنها ما تزال تعمل بعقلية الماضي، وتدير فرقها بأساليب لم تعد تناسب طبيعة العمل الحديثة.
من خلال النقاشات المستمرة مع قادة أعمال وخبراء ومؤسسات مختلفة، يتضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص التكنولوجيا، بل في وجود أنماط تنظيمية راسخة تخلق مقاومة داخلية للتغيير، وتخنق الابتكار، وتمنع المؤسسات من الاستفادة الكاملة من بيئات العمل المرنة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي.
هذه الأنماط السلبية تظهر في كل أنواع المؤسسات تقريبًا، سواء كانت شركات ناشئة أو شركات عالمية ضخمة، وهي السبب الخفي وراء تعثر كثير من مبادرات التحول.
عقلية الإدارة بالأوامر والسيطرة
أحد أكثر الأنماط السلبية ضررًا بمستقبل العمل هو استمرار أسلوب الإدارة القائم على الأوامر والسيطرة في وقت أصبحت فيه الثقة والاستقلالية عنصرين أساسيين للنجاح. فهناك مؤسسات ما تزال تتعامل مع الموظف باعتباره منفذًا للتعليمات فقط، بينما تُحتكر القرارات في المستويات العليا، ويُنظر إلى الطاعة بوصفها قيمة تنظيمية أساسية.
هذا الأسلوب يتناقض تمامًا مع طبيعة العمل الحديثة التي تعتمد على المبادرة والمرونة وسرعة التكيف.
وتزداد المشكلة وضوحًا في بيئات العمل الهجين والعمل عن بُعد. فبدلًا من تطوير ثقافة قائمة على الثقة، يلجأ بعض القادة إلى أساليب رقابية مرهقة، مثل إلزام الموظفين بتشغيل الكاميرات طوال الاجتماعات، أو مراقبة حركة الفأرة على الحاسوب، أو طلب تقارير تفصيلية عن كل نشاط يومي.
وتشير أبحاث حديثة أجرتها غالوب إلى أن 54% فقط من المديرين يثقون في قدرة الموظفين على الحفاظ على إنتاجيتهم أثناء العمل عن بُعد، بينما يشعر 57% من الموظفين بأنهم يحظون بثقة مؤسساتهم. هذه الفجوة تكشف أزمة أعمق تتعلق بالثقة داخل بيئة العمل.
المشكلة أن ثقافة المراقبة لا تضعف العلاقة بين المؤسسة وموظفيها فحسب، بل تؤدي أيضًا إلى نتائج عكسية، لأنها تدفع الناس للتركيز على إظهار الانشغال بدلًا من تحقيق نتائج حقيقية.
في المقابل، تتجه المؤسسات الأكثر نضجًا نحو نماذج قيادية مختلفة، تقوم على التمكين بدل السيطرة، وعلى دعم الموظفين بدل مراقبتهم. وتشير الدراسات إلى أن المدير الذي يجري حديثًا أسبوعيًا حقيقيًا وهادفًا مع كل موظف لديه يزيد احتمالية اندماج الموظفين في العمل بمعدل يصل إلى أربعة أضعاف.
مقاييس قديمة تقيس عملًا لم يعد موجودًا
كثير من المؤسسات ما تزال تقيس الأداء بعقلية تعود إلى العصر الصناعي، فتربط الإنتاجية بعدد ساعات العمل، أو مدة الجلوس في المكتب، أو عدد الرسائل الإلكترونية، أو كمية المهام المنجزة، وكأن العمل المعرفي يمكن قياسه بالطريقة نفسها التي كانت تُقاس بها خطوط الإنتاج في المصانع.
لكن طبيعة العمل تغيرت جذريًا.
فالقيمة الحقيقية اليوم لا تُقاس بعدد الساعات، بل بجودة التفكير، والقدرة على حل المشكلات، وصناعة القرارات، وتوليد الأفكار. الموظف الذي يقضي يومًا كاملًا في التفكير العميق للوصول إلى حل ذكي قد يكون أكثر قيمة من شخص أمضى اليوم بأكمله في تنفيذ أعمال كثيرة لكنها محدودة الأثر.
ومع ذلك، ما تزال أنظمة القياس التقليدية تكافئ الانشغال الظاهري أكثر من التأثير الحقيقي.
وتُظهر أبحاث الاقتصادي نيك بلوم من جامعة ستانفورد أن الموظفين العاملين ضمن نماذج العمل الهجين يحققون مستويات إنتاجية مماثلة للعاملين حضورياً بشكل كامل، كما أن العمل المرن يساهم في خفض معدلات الاستقالة بنسبة تصل إلى 33% من دون التأثير على جودة الأداء.
كما كشف مؤشر توجهات العمل الصادر عن مايكروسوفت أن 87% من الموظفين يعتبرون أنفسهم منتجين، ما يعكس اتساع الفجوة بين الطريقة التي ينظر بها القادة إلى الإنتاجية والطريقة التي تُخلق بها القيمة فعلًا في بيئات العمل الحديثة.
أما مكتب إحصاءات العمل الأمريكي فقد أشار إلى أن ارتفاع نسبة العمل عن بُعد داخل أي قطاع يرتبط بزيادة في نمو الإنتاجية. وهذا يعني أن المؤسسات التي تريد مستقبلًا مختلفًا تحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم الأداء نفسه.
التركيز ينبغي أن يكون على النتائج لا على النشاط، وعلى الأثر لا على عدد الساعات، وعلى القيمة الحقيقية لا على المظاهر الشكلية للعمل.
وهم التدريب والتطوير
تتعامل كثير من المؤسسات مع التدريب وكأنه نشاط دعائي أكثر من كونه استثمارًا حقيقيًا في بناء القدرات. يتم إطلاق منصات تعليم إلكتروني، وتنظيم ورش عمل ودورات إلزامية، واستضافة متحدثين، ثم تُعلن المؤسسة بفخر أنها تستثمر في تطوير موظفيها.
لكن عند أول اختبار حقيقي يتضح أن شيئًا جوهريًا لم يتغير.
فبحسب أبحاث هارفارد بزنس ريفيو، ورغم أن الشركات الأمريكية أنفقت أكثر من 101 مليار دولار على التدريب المؤسسي خلال عام 2023، فإن 10% فقط من هذا الإنفاق أدى إلى نتائج ملموسة فعلًا.
الفجوة ما تزال كبيرة بين ما يتعلمه الموظفون داخل البرامج التدريبية وبين قدرتهم على تطبيقه في الواقع العملي.
وفي عام 2024، وصف 60% من موظفي المؤسسات الكبرى تجارب التعلم الإلكتروني بأنها ضعيفة أو متوسطة.
ويصبح هذا الخلل أكثر خطورة مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل الوظائف داخل المؤسسات. فوفقًا لتقرير صادر عن ماكينزي في نوفمبر 2025، يمكن أتمتة 57% من ساعات العمل في الولايات المتحدة باستخدام التقنيات الحالية، ومع ذلك فإن 55% فقط من المؤسسات تقدم برامج تدريب تقنية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
الكثير من المؤسسات تدرك أن موظفيها بحاجة إلى تطوير مهارات جديدة، لكنها تتعامل مع الأمر بطريقة سطحية، فتطلق برامج تدريبية يمر عليها الموظفون بسرعة فقط لإنهائها، من دون تفاعل حقيقي أو تطبيق عملي.
ورغم أن 84% من الموظفين يرون أن التعلم يمنح عملهم معنى أكبر، فإن نسبة الراضين فعلًا عن فرص التطوير المهني تراجعت من 44% في عام 2023 إلى 37% في عام 2024.
المشكلة الأساسية أن التعلم يُعامل كحدث مؤقت، بينما هو في الحقيقة عملية مستمرة تحدث أثناء العمل نفسه.
فالدراسات تشير إلى أن 70% من تعلم الموظفين يحدث من خلال التجربة اليومية والعمل المباشر، و20% عبر التوجيه والتفاعل مع الزملاء، بينما لا تتجاوز مساهمة التدريب الرسمي 10%.
الموظفون يطورون مهاراتهم من خلال التجربة والتطبيق والتغذية الراجعة والممارسة المستمرة، لا من خلال مشاهدة عروض تقديمية أو إنهاء دورات إلكترونية فقط.
ولهذا فإن المؤسسات التي تنجح في بناء ثقافة تعلم حقيقية هي تلك التي تجعل التعلم جزءًا طبيعيًا من سير العمل اليومي، وتوفر تدريبًا عمليًا مرتبطًا باحتياجات الموظفين الفعلية، بدل التركيز على الشهادات الشكلية.
وهم إدارة التغيير بالقوائم الجاهزة
من أخطر الأنماط السلبية أيضًا أن تتعامل المؤسسات مع التحول وكأنه مشروع له قائمة مهام يجب إنهاؤها. يتم إعداد خطة لإدارة التغيير، وتحديد أصحاب المصلحة، وإرسال رسائل التواصل الداخلي، واختيار سفراء للتغيير، ثم تعلن المؤسسة نجاح المبادرة لأنها أتمت جميع الخطوات المطلوبة.
لكن الواقع يبقى كما هو.
هذا النوع من التفكير يفشل لأنه يتعامل مع التغيير باعتباره شيئًا يُفرض على المؤسسة من الخارج، بينما التحول الحقيقي لا يحدث إلا عندما يتغير التفكير والسلوك والثقافة من الداخل.
كما أن هذا النهج يفترض أن اتباع الخطوات الصحيحة سيؤدي تلقائيًا إلى النتائج المطلوبة، بينما الواقع التنظيمي أكثر تعقيدًا وفوضوية مما تسمح به القوالب الجاهزة.
ولهذا نرى مؤسسات تعلن عن سياسات عمل مرن لكنها ما تزال تدير الموظفين بعقلية الحضور والمراقبة. ومؤسسات تستثمر في أدوات التعاون الحديثة بينما ثقافة الاجتماعات فيها تستنزف الوقت والطاقة. وأخرى تطبق حلول ذكاء اصطناعي متقدمة من دون معالجة الأسباب الحقيقية التي تمنع الموظفين من استخدامها والاستفادة منها.
التحول الحقيقي يبدأ عندما تطرح المؤسسة على نفسها أسئلة صعبة.
ما طبيعة العمل الذي نحتاج فعلًا إلى إنجازه؟
كيف يمكن تنظيمه بطريقة مختلفة؟
ما الافتراضات القديمة التي ما نزال نتمسك بها حول الإدارة والإنتاجية؟
من المستفيد من استمرار الوضع الحالي؟
وكيف يمكن التعامل مع مقاومة التغيير داخل المؤسسة؟
الانتقال من الإدراك إلى التغيير الحقيقي
التخلص من هذه الأنماط السلبية ليس أمرًا سهلًا، لأنها غالبًا متجذرة في ثقافة المؤسسة وطريقة تفكيرها وهياكلها الإدارية. والتعامل معها يتطلب شجاعة حقيقية لمواجهة أسئلة غير مريحة تتعلق بالسلطة والغاية وطريقة العمل نفسها.
لكن المؤسسات التي تنجح فعلًا في التحول تشترك في مجموعة من السمات الواضحة.
فهي تتعامل مع التغيير بتواضع، وتعترف بأنها لا تملك كل الإجابات. وتستمع بصدق إلى وجهات النظر المختلفة، حتى الأصوات المعارضة. كما تراجع افتراضاتها القديمة باستمرار، وتكون مستعدة لتحديها وتغييرها.
وهي لا تقيس نجاحها فقط بمدى الالتزام بالإجراءات الجديدة، بل بقدرتها على بناء مؤسسة أكثر مرونة وقدرة على التكيف والتعلم المستمر.
هذه الأنماط السلبية ستكون مألوفة لكل شخص يعمل في التحول التنظيمي أو يقود مبادرات تطوير داخل المؤسسات. لكن مستقبل العمل لن يكون من نصيب المؤسسات التي تتحدث عن التغيير فقط، بل المؤسسات التي تملك الجرأة على مواجهة جذور المشكلات، وفهمها بعمق، والعمل الجاد لبناء بدائل أفضل.
ماذا أيضًا قد يكون سببًا في إعاقة مؤسستك؟
خمسة أسئلة يجب أن يطرحها كل قائد قبل تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي ليس تهديدًا، لكنه أيضًا ليس عصًا سحرية. معظم حالات الفشل تحدث عندما يتجاوز القادة الأسئلة الجوهرية الصعبة. وهناك خمسة أسئلة أساسية تصنع الفرق بين الضجيج الإعلامي والتأثير الحقيقي.
السلوكيات اليومية التي تحول الفرق الجيدة إلى فرق استثنائية
الفرق الاستثنائية لا تُبنى بالصدفة. أغلب الفرق تمتلك المواهب والقدرات المطلوبة، لكن ما ينقصها هو السلوكيات اليومية الصغيرة التي تخلق الانسجام والثقة والتعاون الحقيقي.
أبحاث EY الجديدة تكشف أن الموظفين مستعدون للذكاء الاصطناعي بينما القيادات ليست كذلك
تشير أبحاث EY الحديثة إلى وجود فجوة كبيرة بين حماس الموظفين تجاه الذكاء الاصطناعي وبين قدرة المؤسسات على بناء مهارات حقيقية ومستدامة. كما توضح أن التحدي الأكبر لم يعد في التقنية نفسها، بل في قدرة القيادات على مواكبة هذا التحول وإدارته بوعي وفعالية.
