القائمة الرئيسية

هل ينجز موظفوك العمل؟ نعم. لكن إلى متى؟

هل ينجز موظفوك العمل؟ نعم. لكن إلى متى؟
ملخص المقال

يوضح المقال

بقلم سارة دين على موقع reworked  أن الاحتراق الوظيفي لا يحدث فجأة، بل يتسلل تدريجيًا عندما يواصل الإنسان العمل مستنزفًا طاقته النفسية والجسدية والعقلية للحفاظ على أدائه، وكأنه يستدين من مستقبله ليحافظ على إنتاجيته الحالية. ومع استمرار هذا الاستنزاف، يدخل العقل والجسد في “وضعية البقاء”، فتتراجع القدرة على الإبداع والتفكير العميق والتعافي الصحي، بينما تتفاقم الضغوط النفسية والمشكلات الصحية. ويركز المقال على أن الأداء المستدام لا يعتمد فقط على الإنجاز، بل على إدارة الطاقة الداخلية والعلاقة الصحية مع الذات، مستشهدًا بمفهوم “السيادة الذاتية” لدى إيما سيبالا، وبأبحاث تؤكد أن الطاقة الإيجابية داخل بيئة العمل هي العامل الأهم في نجاح القادة والمؤسسات. ويخلص إلى أن حماية رفاهية الموظفين، وتوفير بيئة صحية واستقلالية وتعافٍ مستمر، لم تعد رفاهية إدارية، بل شرطًا أساسيًا لاستمرار الأداء والإنتاجية على المدى الطويل.

بقلم: سارة دين

الاحتراق الوظيفي لا يبدأ بانهيار مفاجئ، ولا يرسل إشارات صاخبة تنبهك إليه. بل يتسلل بهدوء، ويتراكم يومًا بعد يوم، مع كل دفعة طاقة يستدينها الإنسان من نفسه ليواصل العمل. ولهذا يحتاج القادة إلى الانتباه مبكرًا، قبل أن يحين وقت دفع الثمن.

من السهل أن ننخدع بالأداء المستمر ونعتبره دليلًا على الاستدامة. فالموظفون ينجزون المهام، ويلتزمون بالمواعيد، ويحققون الأهداف المطلوبة منهم. لكن خلف هذا المشهد المنظم، هناك كثيرون يعملون وهم مستنزفون تمامًا. وعندما يستمر الإنسان في تقديم الأداء نفسه رغم تآكل طاقته لفترة طويلة، فإن العواقب لا تتأخر.

يمكن تشبيه ما يحدث هنا بالاستدانة من العقل والجسد. فأنت تستهلك اليوم طاقة لا تملكها فعلًا، وتسحب من رصيدك المستقبلي كي تحافظ على إنتاجيتك الحالية. والمشكلة أن هذا النوع من “الاقتراض” لا يأتي مجانًا، بل بفوائد باهظة تتراكم مع الوقت.

الإنسان يملك رصيدًا يوميًا من الطاقة الذهنية والعاطفية والجسدية. وكل مهمة، وكل ضغط، وكل قرار يستهلك جزءًا من هذا الرصيد. وعندما يواصل العمل رغم نفاد الطاقة، فهو لا يحافظ على الأداء بقدر ما يؤجّل الانهيار. قد يبدو منتجًا في الظاهر، لكن ما يحدث داخليًا مختلف تمامًا.

العقل في هذه الحالة يتحول إلى وضعية البقاء. يتخلى تدريجيًا عن الوظائف التي تحتاج إلى صفاء وهدوء وتركيز طويل المدى، ويبدأ في الاعتماد على حلول سريعة وقصيرة الأجل. وربما ينجح ذلك مؤقتًا، لكنه يأتي على حساب الإبداع، والقدرة على التفكير العميق، واتخاذ القرارات السليمة، وحتى القدرة على حل المشكلات.

ولا يتوقف الأمر عند الأداء المهني فقط، بل يمتد إلى الصحة نفسها. فعندما تكون الطاقة متوفرة، يستطيع الجسم تنظيم التوتر، وضبط الهرمونات، واستعادة التوازن. أما عندما يعيش الإنسان في حالة استنزاف مستمرة، فإن أنظمة البقاء تسيطر، بينما تتراجع الوظائف المسؤولة عن التعافي والحماية طويلة المدى. وهنا تبدأ المشكلات الصحية والنفسية بالظهور، ويصبح الإرهاق المزمن جزءًا من الحياة اليومية.

لكن الطاقة ليست جسدية فقط. هناك أيضًا الطاقة الذهنية التي تصنعها طريقة تفكير الإنسان وحديثه الداخلي مع نفسه. فالموظف الذي يعيش تحت وطأة الشك الدائم في ذاته أو السرديات السلبية يضيف إلى استنزافه عبئًا آخر غير مرئي. ولهذا فإن الأداء المستدام لا يرتبط بعدد الساعات أو حجم الإنجاز وحده، بل يرتبط كذلك بالحالة النفسية والعاطفية التي يعمل منها الإنسان.

في كتابها «Sovereign»، تتحدث إيما سيبالا عن فكرة “السيادة الذاتية”، وتصفها بأنها حالة من الحرية الداخلية والعلاقة الصحية مع الذات، تسمح للإنسان بالوصول إلى كامل إمكاناته دون أن يستهلك نفسه في الطريق.

وترى أن هذه السيادة تبدأ من التصالح مع الذات، وفهم المشاعر وإدارتها بوعي، والتخلص من الأنماط الذهنية التي تستنزف الإنسان بدل أن تدعمه، وبناء علاقات صحية مع النفس والآخرين، واحترام الجسد والتعامل معه بوصفه شريكًا لا أداة للاستهلاك.

هذه ليست أفكارًا مثالية أو عاطفية كما قد تبدو، بل هي أساس عملي للأداء طويل المدى. فالأشخاص الذين يعرفون كيف يحافظون على طاقتهم النفسية والجسدية لا ينجون فقط من الاحتراق، بل يقدمون أفضل ما لديهم بصورة أكثر استقرارًا واستدامة.

وفي دراسة نشرتها هارفارد بزنس ريفيو، توصلت سيبالا والباحث كيم كاميرون إلى نتيجة لافتة: العامل الأهم في نجاح القادة ليس الكاريزما ولا النفوذ ولا الذكاء الاستثنائي، بل ما أسمياه “الطاقة العلائقية الإيجابية”، أي الطاقة التي تنتقل بين الناس فتمنحهم الحماس والتجدد والشعور بالدعم.

حين تستثمر المؤسسات في طاقة موظفيها، وفي قدرتهم على التعافي، وفي بيئة نفسية صحية، فإنها لا تحسن رفاهيتهم فقط، بل تحسن الأداء نفسه. فالإبداع يصبح أعلى، والمرونة أكبر، والقدرة على التكيف أقوى. بل إن الدراسات تشير إلى أن المؤسسات التي تبني هذه الثقافة تحقق نتائج أفضل في الإنتاجية والربحية أيضًا.

لكن كيف يمكن منع هذا الاستنزاف قبل أن يتحول إلى أزمة؟

البداية تكون بإعادة تعريف فكرة التعافي. فالتعافي ليس مكافأة يحصل عليها الإنسان بعد أن ينهار، بل جزء من طريقة العمل نفسها. والمؤسسات الذكية لا تنتظر حتى يصل موظفوها إلى حافة الإنهاك، بل تجعل استعادة الطاقة عنصرًا أساسيًا في ثقافتها اليومية.

كذلك من المهم النظر إلى الإنسان بصورة شاملة. فلا يمكن معالجة الضغط المهني بمعزل عن الحالة النفسية أو طريقة التفكير أو البيئة التي يعمل فيها الفرد. قد توفر المؤسسة عشرات البرامج والأدوات المتعلقة بالرفاهية، لكن السؤال الحقيقي هو: هل تغيّر هذه الأدوات فعلًا طريقة عيش الناس لعملهم يوميًا؟

ومن الضروري أيضًا التوقف عن قياس النتائج وحدها. فالإنتاجية ليست كل شيء. قياس الطاقة البشرية نفسها يمنح المؤسسات فهمًا أدق لقدرة فرقها على الاستمرار، ويساعد الأفراد على إدراك ما يستنزفهم وما يمنحهم الحيوية.

أما الاستقلالية، فهي عامل حاسم آخر. عندما يشعر الموظف أن لديه مساحة لاتخاذ القرار وإدارة عمله بطريقة تناسبه، فإنه يحافظ على طاقته بصورة أفضل، ويشعر بملكية أكبر لما يقوم به. والاستقلالية لا تعني غياب القيود، بل وضوح المساحة التي يستطيع الإنسان التحرك داخلها بحرية.

ويبقى دور القائد هو الأهم. فالقائد الذي يدرك حدوده، ويمارس التعاطف مع نفسه، ويحترم حاجته إلى التوازن، يخلق ثقافة تسمح للآخرين بفعل الشيء نفسه. أما القائد الذي يطالب الناس بالاهتمام بصحتهم بينما يعيش هو في استنزاف دائم، فلن ينجح في بناء بيئة صحية مهما تحدث عن الرفاهية.

في النهاية، قد يساعدك استنزاف نفسك على الحفاظ على الأداء اليوم، لكنه يستهلك مستقبلك بصمت. والطريق الحقيقي إلى التميز لا يقوم على الضغط المستمر وتجاوز الحدود طوال الوقت، بل على بناء طاقة قابلة للاستمرار، وعقل متوازن، وجسد لا يُعامل كآلة.

وفي عالم تتزايد فيه الضغوط والتعقيدات باستمرار، لم يعد الاهتمام برفاهية الإنسان رفاهية إدارية أو فكرة مثالية، بل أصبح شرطًا أساسيًا لاستمرار الأداء نفسه. فالإنتاجية والرفاهية ليسا خيارين متنافسين، بل عنصران يكمل أحدهما الآخر. وإذا أرادت المؤسسات أن تحافظ على قدرتها على الإنجاز في المستقبل، فعليها أن تتوقف عن استنزاف الإنسان باسم الأداء، وأن تبدأ في حماية الطاقة التي يصنع بها هذا الأداء أصلًا.

 المصدر

مقالات ذات صلة