القائمة الرئيسية

كيف تصمم بيئة عمل مرنة

كيف تصمم بيئة عمل مرنة
ملخص المقال

يتناول المقال

بقلم إيدي على The Horizons Tracker التحول الكبير في نظرة العاملين إلى مفهوم العمل، حيث لم يعد يُنظر إلى الجهد والعمل الشاق باعتباره الطريق المضمون للنجاح، بل أصبحت الأولويات تميل أكثر نحو المرونة، والتوازن بين الحياة والعمل، والرفاه الشخصي. ويشير إلى أن الموظفين اليوم يشككون في قدرة العمل التقليدي على تحقيق الاستقرار المالي أو الرضا، ما يدفعهم للمطالبة بنماذج عمل أكثر تخصيصًا وحرية في الوقت والطريقة. كما يوضح أن المرونة، رغم فوائدها، قد تخلق توترًا داخل الفرق إذا طُبقت بشكل غير عادل، بينما يمكن أن تعزز الأداء عندما ترتبط بالمهام لا بالمزايا الفردية فقط. ويؤكد المقال أن نجاح نماذج العمل المرن يعتمد على العدالة والشفافية والقيادة المتعاطفة، مع إعادة تصميم بيئات العمل لتدعم التوازن والاستقلالية. وفي النهاية، يخلص إلى أن المؤسسات الناجحة هي التي تعتبر المرونة جزءًا أساسيًا من ثقافة العمل وليس مجرد ميزة إضافية.

بقلم: إيدي

على مدى معظم القرن العشرين، كان العمل، وبشكل خاص العمل الشاق، يُنظر إليه باعتباره أفضل طريق للوصول إلى حياة جيدة. لكن هذه الفكرة العامة لم تعد تلقى صدى لدى الكثير من الناس اليوم، إذ لم يعد العاملون المعاصرون يثقون بأن الجهد وحده كافٍ لتحقيق الازدهار والرضا في الحياة.

تغير الأولويات

على سبيل المثال، أظهرت أبحاث حديثة من كلية بايز للأعمال أن العاملين بشكل عام متشككون إلى حد كبير بشأن آفاق دخولهم المستقبلية. ومع ضعف الثقة في المستقبل المالي، بدأوا يوجهون اهتمامهم نحو أمور أخرى مثل المرونة، والرفاهية، والتوازن بين الحياة والعمل.

ويشرح الباحثون ذلك قائلين: ""يتزايد شك العاملين في أن العمل الجاد وحده سيقودهم إلى تحقيق أهدافهم الحياتية، ولذلك يتجهون إلى وظائف تمنحهم ما يقدرونه اليوم أكثر، وهو المرونة والتوازن الصحي بين العمل والحياة"".

هذا يمثل تحولاً كبيراً في طريقة التفكير تجاه العمل. فبينما كان الاعتقاد السائد سابقاً أن المثابرة والاجتهاد سيؤديان حتماً إلى تحقيق الأهداف، أصبح الناس اليوم يبحثون عن نوع جديد من العلاقة النفسية مع جهة العمل، علاقة تقوم على الاستقلالية، والتخصيص، والثقة.

المرونة الفعالة

لم يعد السؤال هو ما إذا كان ينبغي توفير المرونة أم لا، بل أصبح السؤال هو كيف يتم توفيرها بأفضل طريقة. تشير أبحاث من كلية كينغز في لندن إلى أن مفهوم المرونة لم يعد يقتصر على مكان العمل فقط، بل يشمل متى يعمل الأشخاص وكيف يعملون، بل وحتى لماذا يعملون.

أكثر من نصف العاملين في المملكة المتحدة يقولون إنهم يفضلون ترك وظائفهم بدلاً من العودة إلى نظام عمل مكتبي خمسة أيام في الأسبوع. لكن الموقع الجغرافي ليس سوى جزء من الصورة. فالعاملون يطالبون بشكل متزايد بالتحكم في ساعات عملهم، وطريقة تنفيذ مهامهم، وحتى الأدوات التي يستخدمونها.

وقد وجدت دراسة مؤشر علاقة العمل من شركة HP أن سبعة وثمانين في المئة من العاملين في المعرفة مستعدون للتنازل عن جزء من رواتبهم مقابل عمل أكثر تخصيصاً، سواء من حيث الجدول الزمني المرن أو بيئة العمل المخصصة أو طريقة التعاون. وبالمثل، أظهر تقرير نبض العمل من شركة Randstad أن حرية التحكم في ساعات العمل أصبحت أكثر قيمة من مكان العمل نفسه.

العمل من أجل الحياة

عبر كل هذه الدراسات، يظهر نمط واضح: الموظفون يريدون عملاً يتناسب مع حياتهم، وليس العكس. وينطبق هذا بشكل خاص على النساء والآباء والأمهات، الذين يظهرون رفضاً واضحاً للتضحية بالرفاه الشخصي من أجل التقدم المهني.

ويشير باحثو كلية كينغز إلى أن ""نماذج العمل الهجين المصممة بشكل جيد تقدم فوائد كبيرة لكل من أصحاب العمل والموظفين، وقد حدث تحول ملحوظ في المواقف، حيث أصبح العاملون يرون المرونة على أنها القاعدة وليس الاستثناء"".

ورغم أن الكثير من النقاش حول المرونة يركز على السياسات العامة داخل المؤسسات، فإن هناك ديناميكية مهمة تحدث على المستوى الفردي أيضاً. ففي العديد من أماكن العمل، يعقد الموظفون اتفاقات شخصية مع مديريهم، يقومون من خلالها بتخصيص أدوارهم بما يتناسب مع احتياجاتهم أو مهاراتهم أو طموحاتهم. ويطلق باحثو كلية ستيفنز لإدارة الأعمال على هذه الترتيبات اسم ""الصفقات الفردية"" أو ""i-deals"".

ويشرح الباحثون ذلك بقولهم: ""الصفقة الفردية هي ترتيب عمل غير موحد ومخصص يتم التفاوض عليه بين الموظف وصاحب العمل، لكنه غير متاح بشكل افتراضي لجميع الموظفين"".

نهج مخصص مثالي

سعى الباحثون إلى فهم تأثير هذه الترتيبات الفردية على أداء الفرق وجودة خدمة العملاء. ومن خلال دراسة سلسلة من محلات الأطعمة في الولايات المتحدة وعدد من الشركات في الصين، قاموا بتحليل ثلاثة أنواع رئيسية من هذه الترتيبات: المرونة، والمسار المهني، والمهام.

وكانت النتائج لافتة. عندما يُمنح بعض الموظفين ترتيبات مرونة مثل السماح لهم بالمغادرة مبكراً أو تعديل ساعات عملهم، فإن ذلك يؤدي أحياناً إلى توتر في العلاقات داخل الفريق.

ويقول الباحثون: ""بشكل واعٍ أو غير واعٍ، يميل الناس إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين. فإذا سُمح لشخص بالمغادرة مبكراً، قد يشعر زملاؤه بأن ذلك غير عادل أو أنهم مضطرون لتعويض النقص في العمل"".

تقويض الفريق

هذا الوضع قد يؤدي إلى زيادة التوتر وإضعاف تماسك الفريق. ومع ذلك، وجدت الدراسة أن ليس كل أنواع هذه الترتيبات الفردية لها أثر سلبي. فعلى سبيل المثال، ترتيبات المهام أدت إلى تحسين أداء الفريق لأنها سمحت للموظفين بالتركيز على الأعمال التي يتقنونها أكثر من غيرها. أما الترتيبات المتعلقة بالمسار المهني فلم تكن إيجابية بنفس الدرجة.

ويؤكد الباحثون أن المرونة ليست مشكلة في حد ذاتها. لكن آثارها السلبية تظهر غالباً في البيئات التي يكون فيها التواجد الجسدي ضرورياً للتنسيق، مثل المطاعم أو خدمات العملاء المباشرة.

ويقول الباحثون: ""لا نريد أن نفهم من ذلك أن التفاوض حول المرونة الفردية أمر غير مرغوب فيه. هناك أدلة كثيرة على فوائد المرونة في مجالات مثل الأكاديميا وتكنولوجيا المعلومات والصناعات الإبداعية، حيث تعزز الاستقلالية الابتكار"".

العدالة والشفافية

إذن ماذا ينبغي أن يفهم المدراء من كل هذا؟ هناك فوائد واضحة وموثقة للعمل المرن، لكن المهم هو أن يتم تطبيقه بطريقة تُنظر إليها على أنها عادلة ولا تولد الاستياء داخل الفريق. ولتحقيق ذلك، يجب أن يكون المديرون شفافين في قراراتهم، وقادرين على إجراء حوارات صادقة مع الموظفين سواء بشكل فردي أو جماعي.

ويتوافق هذا مع أبحاث أخرى تشير إلى أن أسلوب القيادة يمكن أن يحدد نجاح أو فشل نماذج العمل المرن. على سبيل المثال، وجدت أبحاث من الجامعة المفتوحة في كتالونيا أن العمل عن بعد والفرق الافتراضية يمكن أن تكون فعالة جداً إذا كان المديرون مستعدين لتكييف أسلوبهم القيادي. ويتضح بشكل متزايد أن هذا التكيف ضروري لتحقيق نوع المرونة الذي يطمح إليه الموظفون.

وقد أكدت دراسة مؤشر علاقة العمل من HP هذا المعنى، حيث أظهرت أن العديد من المدراء يفتقرون إلى مهارات مثل التعاطف والتواصل، وهي مهارات أساسية لضمان تطبيق المرونة بشكل صحيح.

القيام بذلك بالشكل الصحيح

في العام الأخير، شهدنا في بعض الحالات العكس تماماً للمرونة، مع عودة عدد من المؤسسات إلى سياسات صارمة تلزم الموظفين بالعمل من المكتب.

لكن المؤسسات الأكثر نجاحاً هي تلك التي تنجح في تنظيم ممارسات العمل الهجين والمرن بشكل واضح. وغالباً ما تتضمن هذه الممارسات تنسيق أيام الحضور إلى المكتب بحيث يجتمع الفريق في الوقت نفسه، مع الاستثمار في أدوات العمل عن بعد لضمان تعاون فعال عند التباعد الجغرافي. كما تقوم هذه المؤسسات بتحديد التوقعات بوضوح لضمان الحفاظ على التماسك دون التضحية باستقلالية الأفراد.

نحن نشهد تحولاً جذرياً في طريقة تعامل الناس مع العمل، وهو تحول يعكس تغير أولوياتنا كبشر. فمع أن ثلث العاملين فقط يرون أن العمل وسيلة أساسية لبناء الصداقات، وأعداد أقل يؤمنون بأن وظائفهم توفر لهم أماناً طويل الأمد، فإن العقد النفسي الذي حكم جزءاً كبيراً من القرن العشرين يتآكل أمام أعيننا.

ويشرح الباحثون ذلك بقولهم: ""يشعر الموظفون بالعزلة، وبالضغط الناتج عن عبء العمل، وبنقص الدعم النفسي، وبانعدام الأمان المالي. يجب على القادة أن يخلقوا بيئات عمل تعزز الترابط، وتسمح بالتوازن بين العمل والحياة، وتوفر إحساساً بالاستقرار في ظل اقتصاد شديد عدم اليقين"".

ما يظهر اليوم هو فهم جديد للإنتاجية والمعنى. فبينما يظل الأجر الجيد وتوازن العمل أموراً مهمة، فإن الأهم هو قدرة أصحاب العمل على توفير توازن حقيقي بين العمل والحياة، والعمل الهادف، والشعور بالانتماء. المؤسسات الأكثر نجاحاً في المستقبل ستكون تلك التي لا تنظر إلى المرونة كميزة إضافية، بل كجزء أساسي من تصميم العمل نفسه. وهذا يتطلب الاعتراف بأن الاستقلالية والتعاطف والتخصيص ليست امتيازات في بيئة العمل، بل هي توقعات أساسية لدى العاملين اليوم.

المصدر

مقالات ذات صلة