يجد الاقتصاد العالمي نفسه عند مفترق طرق. فالتجارة الدولية تتباطأ، وعدم اليقين الاقتصادي يتزايد، كما أن التجارة بين الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم، مهددة بالتفكك. ولا يقتصر الأمر على التجارة فقط، إذ إن البلدين يستثمران في بعضهما البعض بدرجة أقل بكثير مما كانا عليه قبل بضع سنوات.
ما الذي يقود هذا إعادة تشكيل أنماط التجارة؟ بالنسبة لبعض الاقتصادات الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة في ظل رئاسة دونالد ترامب، يُعد السعي نحو قدر أكبر من الاعتماد على الذات عاملاً محورياً. ففي الفترة بين عامي 2017 و2023، تراجعت واردات الولايات المتحدة بشكل حاد في المنتجات التي كانت تعتمد فيها بشكل كبير على الصين، بما في ذلك الآلات الصناعية، وأجهزة الكمبيوتر وقطعها، ومعدات إلكترونية أخرى مثل الشاشات.
لهذا التحول آثار مهمة على سلاسل القيمة العالمية. إذ تُعد سلاسل القيمة العالمية العمود الفقري للتجارة الدولية، حيث تُوزَّع أنشطة الإنتاج من البحث وتصميم المنتجات إلى التجميع عبر مواقع متعددة، ويُضاف “القيمة” في كل مرحلة من هذه المراحل. ويتم هذا التوزيع عبر عدة دول بتنسيق من الشركات متعددة الجنسيات.
يتسارع حالياً إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، وأمام الاقتصادات الصناعية خياران رئيسيان. يمكنها إعادة التصنيع إلى داخل حدودها، أي إعادة الأنشطة الصناعية إلى بلدانها الأصلية، وهو ما يمثل أولوية معلنة للإدارة الأمريكية الحالية.
أو يمكنها اتباع نهج “التصنيع لدى الدول الصديقة”، عبر تحويل الواردات والاستثمارات نحو اقتصادات أقرب جغرافياً أو تلك التي تربطها بها علاقات طويلة الأمد.
بالنسبة للدول النامية، فإن التوازن بين هذين الخيارين بالغ الأهمية. فإذا قامت الاقتصادات المتقدمة بإعادة جزء كبير من الإنتاج إلى داخلها، فقد تتضرر الدول النامية نتيجة فقدان الاستثمارات وفرص العمل.
كما أن الأتمتة والتحول الرقمي يجعلان من السهل على الدول المتقدمة إنتاج السلع محلياً، ما يزيد من هذا الخطر على الدول الفقيرة مقارنة بما كان عليه قبل عقد من الزمن.
أما بالنسبة للمستهلكين، فإن إعادة التصنيع داخل الدول المتقدمة قد تعني ارتفاع أسعار السلع اليومية على الأقل في المدى القصير، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج في تلك الاقتصادات. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الأدلة التجريبية على هذا التأثير لا تزال محدودة.
المخاطر والفرص
لكن التصنيع لدى الدول الصديقة يقدم بديلاً مختلفاً. وتشير الإشارات المبكرة من دول مثل المكسيك وفيتنام، والتي شهدت مؤخراً زيادة في الاستثمارات وتوسّع المصانع من قبل الشركات متعددة الجنسيات، إلى أن هذا النهج يمكن أن يخلق فرصاً جديدة. وعندما يقترن بسياسات حكومية داعمة مثل حوافز الاستثمار أو دعم تحديث التكنولوجيا، يمكن لهذه التحولات أن تضمن حدوث جزء أكبر من الإنتاج محلياً، مما يؤدي إلى انتقالات معرفية وتعلم تقني أكبر.
ولفهم المخاطر والفرص، تم تحليل المنتجات التي يشهد فيها الانفصال بين الولايات المتحدة والصين أعلى درجات الوضوح، أي التي يتراجع فيها حجم التجارة. وقد أظهر هذا التحليل ظهور مجموعتين رئيسيتين، لكل منهما آثار مختلفة على الاقتصادات النامية.
المجموعة الأولى تشمل بشكل أساسي سلعاً معقدة نسبياً، مثل الإلكترونيات الاستهلاكية، ومكونات المركبات، والمواد الكيميائية، والآلات. في هذه الفئة، تعمل الولايات المتحدة على تنويع وارداتها بسرعة، وهي بالفعل تنتج هذه السلع بكفاءة تنافسية.
يمكن إعادة تصنيع هذه المنتجات بسهولة داخل البلاد، خصوصاً إذا ساهمت الأتمتة في خفض التكاليف. فعلى سبيل المثال، تُعد أشباه الموصلات محوراً رئيسياً لجهود إعادة التصنيع في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الخطر على المنتجين الحاليين في الدول الأخرى يبدو محدوداً في الوقت الراهن، إذ رغم تقليص الولايات المتحدة وارداتها من الصين في هذه المنتجات، فإن مناطق نامية أخرى لم تشهد اتجاهاً مماثلاً.
أما المجموعة الثانية، فتشمل منتجات تقوم الولايات المتحدة بتنويع مصادرها منها، لكنها ليست قادرة على إنتاجها محلياً بشكل تنافسي. وقد شكّلت هذه المجموعة ما يزيد قليلاً عن 6 في المئة من المنتجات النهائية التي استوردتها الولايات المتحدة في عام 2023، أي ما يعادل نحو 181 مليار دولار أمريكي. وهذه نسبة صغيرة نسبياً، لكنها ذات أهمية اقتصادية كبيرة.
داخل هذه المجموعة، تظهر نوعان من الفرص. السلع المعقدة تقنياً، مثل المعدات الكهربائية، وأجهزة الكمبيوتر، وقطع السيارات، توفر أكبر فرصة للاقتصادات متوسطة الدخل التي تمتلك خبرة صناعية قوية للفوز بالعقود وجذب الاستثمارات. أما السلع الأقل تعقيداً تقنياً، مثل المنسوجات والأثاث، فهي أنسب للدول منخفضة الدخل. وفي كلا الحالتين، تحتاج الحكومات إلى التفاوض بعناية لضمان أن الاستثمارات تضيف قيمة محلية، وتدعم تطوير المهارات، وتجنب الآثار الاجتماعية أو البيئية السلبية.
بالنسبة للمستهلكين حول العالم، يقدم التصنيع لدى الدول الصديقة توقعاً أقل سلبية من إعادة التصنيع داخل الدول أو فرض الرسوم الجمركية. فقد تُصنع السلع في دول مختلفة، بينما تبقى الأسعار مستقرة إلى حد كبير.
من قد يستفيد؟
حتى الآن، تمكنت دول شرق وجنوب شرق آسيا، بما في ذلك فيتنام وتايلاند وماليزيا وإندونيسيا، من استحواذ أكبر حصة من فرص التصنيع لدى الدول الصديقة، خصوصاً في القطاعات عالية التقنية مثل أجهزة الكمبيوتر. كما ارتفعت صادراتها إلى الصين، مما يعزز دورها المركزي في شبكات التصنيع الآسيوية. لكن استمرار هذا الزخم يعتمد على الرسوم الجمركية، وتكاليف الإنتاج، وسرعة الأتمتة.
ومن المستفيدين المحتملين أيضاً دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، بقيادة المكسيك، حيث يهيمن قطاع السيارات على نمو الصادرات. كما يمكن أن تستفيد جنوب آسيا، حيث توسع الهند حضورها في المنتجات عالية ومنخفضة التقنية، بينما تبرز بنغلاديش في المنتجات منخفضة التقنية. في المقابل، لا تزال إفريقيا وغرب آسيا غائبتين إلى حد كبير عن مشهد التصنيع لدى الدول الصديقة الناشئ.
أما خطر إعادة التصنيع الواسعة داخل الدول المتقدمة على هذه الدول فما يزال محدوداً في الوقت الحالي، لكنه لا يمكن تجاهله في ظل التحولات المستمرة في أنماط التجارة والاستثمار العالمية. ومع ذلك، قد يعوض التصنيع لدى الدول الصديقة هذه الخسائر أو حتى يتجاوزها، مما يفتح مسارات جديدة للتصنيع والتنمية.
ومع إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية بفعل عدم اليقين الاقتصادي والتطور التكنولوجي، ستكون الاقتصادات النامية التي تستثمر في قدراتها الإنتاجية وتتبنى سياسات صناعية ذكية هي الأقدر على اقتناص الفرص. وفي بعض الحالات، قد يتيح لها التصنيع لدى الدول الصديقة القفز مباشرة نحو أنشطة أكثر تقدماً بسرعة تفوق مسارات التنمية التقليدية.
أما بالنسبة للمستهلكين، فهناك جانب إيجابي أيضاً. فقد يتغير اسم البلد المصنّع على جهاز الكمبيوتر أو الشاحن أو القميص القادم الذي نشتريه، لكن الأسعار ستبقى مستقرة إلى حد كبير، على الأقل قبل تطبيق الرسوم الجمركية. وبهذا المعنى، فإن العولمة لن تختفي، لكنها ستتخذ شكلاً جغرافياً مختلفاً.
