القائمة الرئيسية

النظام المحيطي الذي يشكّل مناخ أوروبا

النظام المحيطي الذي يشكّل مناخ أوروبا
ملخص المقال

يتناول مقال بقلم أودري مورلي على موقع the conversation نظام الدوران المحيطي في شمال الأطلسي المعروف باسم «الدوران الانقلابي الأطلسي المريديوني (AMOC)»، موضحًا كيف أن تيار الخليج ليس سوى جزء من منظومة أعقد تنقل الحرارة من المناطق المدارية إلى شمال أوروبا وتساهم في مناخها المعتدل. ويشرح المقال آلية عمل هذا النظام بوصفه شريطًا ناقلًا ضخمًا تتحرك فيه المياه الدافئة شمالًا ثم تغوص بعد برودتها لتعود في الأعماق جنوبًا، مع التأكيد على أن هذا النموذج أبسط من الواقع الذي يتكون من شبكة ديناميكية من التيارات المتفاعلة. كما يناقش دور الدوامة شبه القطبية في التأثير على المناخ الإقليمي، واحتمال تسبب اضطراباتها في موجات برد شديدة شبيهة بالعصر الجليدي الصغير. ويعرض المقال حالة عدم اليقين العلمي بشأن مستقبل هذا النظام بسبب محدودية بيانات الرصد المباشر، محذرًا من أن أي تباطؤ فيه قد يؤدي إلى تغيرات مناخية كبيرة في أوروبا تشمل برودة أشد، اضطراب أنماط الأمطار، وتراجع إنتاج المحاصيل، إضافة إلى تقليل قدرة المحيطات على امتصاص الكربون، ما قد يفاقم آثار التغير المناخي عالميًا.

بقلم: أودري مورلي

لأجيال طويلة، نُسب المناخ المعتدل واللطيف في شمال غرب أوروبا إلى قوة بحرية أسطورية واحدة هي تيار الخليج. وقد ترسخت هذه الفكرة في الوعي الثقافي إلى درجة أن جيمس جويس في روايته «يوليسيس» يجعل الشخصية الرئيسية ستيفن ديدالوس يرفض الاستحمام بحجة أن «أيرلندا كلها مغسولة بتيار الخليج».

لكن تيار الخليج ليس إلا جزءًا واحدًا من نظام أكبر وأكثر تعقيدًا يعرف باسم «الدوران الانقلابي الأطلسي المريديوني» أو اختصارًا AMOC.

ولتبسيط الفكرة، يستخدم العلماء صورة شريط ناقل عملاق في المحيط، تتحرك فيه المياه الدافئة شمالًا عبر سطح المحيط الأطلسي انطلاقًا من المناطق المدارية. وعندما تصل هذه المياه إلى شمال الأطلسي فإنها تطلق حرارتها في الغلاف الجوي بطريقة تشبه عمل المدفأة. كما يحمل هذا النظام الرطوبة التي تسهم في تشكيل طبيعة المناخ المعتدل في أوروبا. وبعد أن تفقد المياه حرارتها تصبح أكثر برودة وكثافة، مما يجعلها تغوص إلى أعماق المحيط، ثم تعود جنوبًا في طبقات عميقة جدًا.

عندما يتحدث العلماء عن «تباطؤ» أو «تغير» هذا النظام فإنهم يشيرون في الأساس إلى انخفاض قوة هذا الدوران الحراري الطبيعي. فهم يقيسون كمية المياه التي تتحرك شمالًا وجنوبًا على أعماق مختلفة في المحيط الأطلسي، ومن خلال ذلك يقدّرون كمية الحرارة التي تنتقل من المناطق المدارية إلى شمال الأطلسي ثم تعود إلى الأعماق.

أكثر من مجرد شريط ناقل

رغم أن تشبيه الشريط الناقل مفيد لفهم الفكرة مبدئيًا، إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أنه تبسيط غير مكتمل وقد يكون مضللًا. فالنظام في الواقع شديد الحساسية للتغيرات التي تطرأ على كثافة مياه البحر عندما تتفاعل مع الغلاف الجوي والمياه العذبة والجليد والإشعاع الشمسي. ولهذا يبدو نظام AMOC أقل شبهاً بدورة واحدة مستقرة، وأكثر شبهاً بشبكة معقدة من المكونات الإقليمية المترابطة.

يمكن لأجزاء مختلفة من هذا النظام أن تتغير بشكل مستقل، وأحيانًا تؤثر فقط على مناطق محددة، وأحيانًا تمتد آثارها لتشمل النظام بأكمله.

ومن أبرز الأمثلة على أهمية هذا الفهم الإقليمي «الدوامة شبه القطبية» أو SPG، وهي نظام من التيارات المحيطية التي تحركها الرياح وتمتد من بحر لابرادور إلى غرب أيرلندا. هذا الجزء من النظام يمكن أن يتصرف بشكل مستقل نسبيًا عن الدوران الأطلسي الأكبر، إذ تتحكم فيه الرياح المحلية وتدفقات المياه العذبة المرتبطة بتغيرات الجليد البحري.

والأهم بالنسبة لأيرلندا والمملكة المتحدة أن أي ضعف مفاجئ في هذه الدوامة قد يؤدي إلى موجات برد شديدة غير معتادة شبيهة بما حدث خلال ما يعرف بـ«العصر الجليدي الصغير». فقد تميزت تلك الفترة، التي امتدت تقريبًا من أوائل القرن الرابع عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، بشتاءات قاسية لدرجة أن نهر التايمز كان يتجمد بالكامل.

وتشير الدراسات العلمية إلى أن هذا البرود الإقليمي الحاد كان على الأرجح نتيجة تغيرات في هذه الدوامة شبه القطبية، في حين ظل نظام AMOC الكلي مستقرًا نسبيًا. وهذا يعني أن التغيرات المناخية المحلية قد تحدث قبل وقت طويل من وصول النظام العالمي إلى نقطة انهيار شاملة.

ولهذا يركز العلماء اليوم على البحث عن علامات مبكرة لعدم الاستقرار داخل نظام AMOC.

هل هناك دلائل على أن هذا النظام بدأ بالفعل في التغير؟ رغم أن النماذج المناخية تتفق على احتمال حدوث اضطراب في هذا النظام خلال هذا القرن بسبب الاحتباس الحراري، فإن البيانات المباشرة لا تزال غير كافية للحسم.

فشبكات الرصد مثل «راپيد» و«OSNAP»، التي تقيس حركة المياه على السطح وفي الأعماق، لم يتم تشغيلها إلا منذ نحو عشرين عامًا فقط. وبالنسبة لنظام بحري ضخم بهذا الحجم فإن هذه الفترة لا تمثل سوى لحظة عابرة. ويقدّر العلماء أن الحاجة قد تمتد إلى أربعين عامًا أو أكثر من المراقبة المستمرة قبل التمكن من رصد تراجع طويل الأمد بشكل واضح يفصل بين التغير الحقيقي والتقلبات الطبيعية للمحيط.

لماذا هذا مهم؟

لقد بُنيت أنماط الحياة والاقتصاد والبنية التحتية في شمال غرب أوروبا عبر أجيال على أساس مناخ مستقر ومعتدل ورطب. وإذا ضعف هذا النظام أو انهار فإن التأثيرات ستنتشر عبر أيرلندا والمملكة المتحدة والقارة الأوروبية بأكملها.

تكمن أهمية هذا النظام في أنه ينقل كميات هائلة من الحرارة من المناطق المدارية إلى شمال الأطلسي حيث يتم إطلاقها في الغلاف الجوي. وأي ضعف فيه يعني أن جزءًا من هذه الحرارة لن يصل إلى أوروبا بكفاءة، مما يؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة في شمال غرب القارة.

ورغم أن فيلم «اليوم بعد الغد» قدم صورة درامية عن دخول مفاجئ إلى عصر جليدي جديد، فإن الواقع العلمي لا يقل خطورة حتى لو كان التغير تدريجيًا. فقد نشهد شتاءات أكثر قسوة وتكرارًا، مع موجات صقيع وتساقط ثلوج أشد. وكما حدث في العصر الجليدي الصغير، يمكن أن تؤدي هذه التغيرات إلى فشل في المحاصيل الزراعية ومجاعات محتملة. كما قد تزداد العواصف وتتغير أنماط الأمطار، مع احتمال حدوث صيف أكثر جفافًا، وهو ما ينعكس سلبًا على الزراعة والبنية التحتية مثل الطرق وحصاد المحاصيل.

كما يلعب نظام AMOC دورًا مهمًا في تخزين الكربون والحرارة في أعماق المحيط، مما يساهم في عزلها عن الغلاف الجوي. وفي الوقت الحالي تمتص المحيطات ما يقارب ربع إلى ثلث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن النشاط البشري سنويًا.

لكن إذا تباطأ هذا النظام فإن قدرة المحيط على تخزين الكربون ستتراجع أيضًا، كما أن توزيع المغذيات في النظم البيئية البحرية سيتأثر. وهذا لا يعني فقط تغير الطقس، بل قد يؤدي إلى إضعاف قدرة المحيطات على امتصاص الكربون، مما يسرّع وتيرة الاحتباس الحراري في حلقة تغذية راجعة خطيرة.

إن مراقبة هذا النظام ليست مسألة علمية فقط، بل هي مسألة أمنية على مستوى الدول والمناطق.

سواء حدث التغير بشكل تدريجي أو اقترب من نقطة تحول مفاجئة، فإن أثره على نمط الحياة في أوروبا سيكون عميقًا. ومن خلال مراقبة الإشارات القادمة من أعماق المحيط اليوم، يمكننا الاستعداد بشكل أفضل لمناخ المستقبل.

المصدر

مقالات ذات صلة