بقلم: جيرالد ماكو
لقد دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة تمامًا، مرحلة لم يعد فيها مجرد أداة تساعد البشر، بل أصبح قادرًا على تنفيذ عمليات سيبرانية معقدة بصورة شبه مستقلة وبسرعة تتجاوز القدرات البشرية بكثير.
هذا ما كشفت عنه نتائج اختبار مستقل لنموذج «Claude Mythos Preview»، وهو أحدث وأكثر نماذج عائلة «كلود» تطورًا، التي تطورها شركة التكنولوجيا الأميركية Anthropic. وكما هو الحال مع أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي الحديثة، يستطيع هذا النموذج فهم اللغة البشرية وتحليل المعلومات والتعامل مع المشكلات المعقدة، لكن ما يميزه أنه بات قادرًا أيضًا على التخطيط والتنفيذ الذاتي لسلسلة طويلة من المهام التقنية المعقدة.
ويثير هذا التطور قلقًا واسعًا داخل القطاع المالي، الذي يعتمد على أنظمة رقمية مترابطة بشكل عميق، ما يجعله هدفًا مثاليًا للهجمات السيبرانية المتقدمة. فأي اختراق ناجح قد يؤدي إلى تعطيل أنظمة الدفع، ومنع العملاء من الوصول إلى أموالهم، وإضعاف الثقة بالنظام المصرفي كله.
ولهذا بدأت بنوك كبرى في بريطانيا والولايات المتحدة الاستعداد لإجراء اختبارات محكومة بدقة شديدة. وستحصل هذه المؤسسات على وصول مراقب وآمن إلى النموذج داخل بيئات تقنية معزولة، بهدف اختبار قدرته على اكتشاف الثغرات الأمنية في أنظمتها مع تقليل احتمالات إساءة الاستخدام إلى أدنى حد ممكن. ويشبه الأمر إلى حد بعيد دراسة الفيروسات الخطيرة داخل مختبرات شديدة الحماية.
وكان «معهد أمن الذكاء الاصطناعي» البريطاني، التابع لوزارة العلوم والابتكار والتكنولوجيا، قد خضع النموذج لاختبار صعب يعرف باسم «The Last Ones». وقد صممت هذه الاختبارات باعتبارها المرحلة الأخيرة قبل الاعتراف بأن أي نظام ذكاء اصطناعي أصبح قادرًا على تنفيذ هجمات سيبرانية واقعية ومعقدة من البداية حتى النهاية دون تدخل بشري مباشر.
وخلال التجربة استطاع «Mythos Preview» اكتشاف آلاف الثغرات الأمنية من نوع «اليوم الصفري»، وهي ثغرات لم يكن مطورو البرمجيات أنفسهم على علم بها، وذلك في مختلف أنظمة التشغيل والمتصفحات الشائعة. وبعض هذه الثغرات ظل مخفيًا لما يقارب سبعة وعشرين عامًا رغم أن هذه البرمجيات خضعت لملايين عمليات الفحص والمراجعة.
وفي الظروف نفسها يحتاج خبير بشري محترف إلى نحو عشرين ساعة لإنجاز المهمة، بينما نجح النموذج في إتمام سلسلة الهجوم كاملة ثلاث مرات من أصل عشر محاولات مستقلة، ليصبح أول نموذج ذكاء اصطناعي يتمكن من تنفيذ العملية كاملة من البداية إلى النهاية بصورة ذاتية.
وتكشف هذه النتائج عن تحول جوهري في قدرات الذكاء الاصطناعي. فالنموذج لم يعد ينفذ أوامر منفصلة فحسب، بل أصبح قادرًا على الربط بين خطوات متعددة ومعقدة، والتخطيط لها، واتخاذ قرارات متتابعة على مدى زمني طويل بأقل قدر ممكن من التدخل البشري.
ولا تقتصر أهمية هذا التطور على الأمن السيبراني وحده. فالقدرات نفسها قد تسمح مستقبلًا للذكاء الاصطناعي بإدارة تطوير البرمجيات، وتنظيم سلاسل الإمداد، والإشراف على العمليات المالية، وحتى المساهمة في الأبحاث العلمية بشكل مستقل. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي يقترب تدريجيًا من التحول من مجرد مساعد ذكي إلى جهة تشغيل مستقلة قادرة على إدارة مهام كاملة بنفسها.
ولهذا قررت Anthropic عدم إتاحة النموذج للعامة في الوقت الحالي، وفضلت حصر الوصول إليه ضمن مشروع يعرف باسم «Project Glasswing». ومن خلال هذا المشروع تمنح الشركة وصولًا محدودًا وخاضعًا للرقابة لعدد من شركات التقنية ومشغلي البنية التحتية الحيوية، من بينها Apple وGoogle وMicrosoft وCisco وAmazon.
وتقول الشركة إن الهدف من ذلك هو تعزيز أمن البرمجيات الأكثر أهمية في العالم، عبر اكتشاف نقاط الضعف في أنظمة التشغيل والمتصفحات والمكتبات البرمجية الأساسية التي تقوم عليها معظم الأنظمة الرقمية الحديثة، ثم إصلاحها قبل أن يتمكن المهاجمون من استغلالها.
وفي الظروف التقليدية تعتمد إدارة الثغرات الأمنية على خبراء متخصصين يقضون وقتًا طويلًا في اكتشاف نقاط الضعف وتحليلها وإصلاحها. لكن ظهور «Mythos» قد يغير هذه المعادلة بالكامل، سواء بصورة إيجابية أو سلبية.
فمن جهة قد يساعد هذا النوع من النماذج المدافعين على اكتشاف آلاف الثغرات المجهولة وإصلاحها بسرعة غير مسبوقة، ما قد يجعل البرمجيات الحيوية أكثر أمانًا ويقلل فرص نجاح الهجمات الإلكترونية. وكثير من الجرائم السيبرانية الحالية، مثل هجمات برامج الفدية، تعتمد أساسًا على استغلال ثغرات معروفة أو يسهل اكتشافها في أنظمة غير محدثة، وهو ما قد يصبح أكثر صعوبة إذا استخدمت هذه النماذج على نطاق واسع في الدفاعات الأمنية.
لكن الصورة ليست مطمئنة بالكامل. فالهجمات الأكثر تطورًا، خصوصًا تلك التي تعتمد على سرقة بيانات الدخول أو الهندسة الاجتماعية أو استغلال الحسابات المخترقة مسبقًا، قد لا تتأثر كثيرًا، لأنها تتجاوز الثغرات البرمجية التقليدية أصلًا.
وفي المقابل قد يؤدي انتشار هذه القدرات إلى خفض الحواجز أمام الجهات الخبيثة، بحيث تصبح قادرة على اكتشاف الثغرات وربطها وتنفيذ هجمات معقدة بسرعة تفوق ما تستطيع الفرق البشرية القيام به اليوم.
ولا توجد حتى الآن أدلة علنية على وصول هذا النموذج إلى جماعات إجرامية أو جهات مدعومة من دول، لكن تاريخ الأمن السيبراني يشير إلى أن الجهات ذات الموارد الكبيرة ستسعى عاجلًا أو آجلًا إلى تطوير أنظمة مشابهة أو الحصول على وصول غير مباشر إلى هذه التقنيات.
ومن المتوقع خلال السنوات القليلة المقبلة أن تبدأ الحكومات في تحديث سياسات الأمن السيبراني بحيث يصبح استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في فحص الثغرات الأمنية أمرًا إلزاميًا، بدل الاكتفاء بعمليات الفحص البشرية المتقطعة. وهذا يعني أن المؤسسات ستضطر إلى مراقبة أنظمتها بصورة مستمرة باستخدام أدوات ذكية قادرة على اكتشاف المشكلات لحظة ظهورها.
ورغم أن ذلك قد يرفع مستوى الحماية بشكل كبير، فإنه سيؤدي أيضًا إلى زيادة التكاليف، وقد يتسبب أحيانًا في بطء الأنظمة أو ظهور إنذارات خاطئة أو اضطرابات تشغيلية مؤقتة أثناء تطبيق الإصلاحات الأمنية.
ومن المرجح كذلك أن تبدأ شركات التأمين السيبراني بالمطالبة بإثبات وجود مثل هذه الأنظمة الدفاعية قبل تقديم التغطية التأمينية، ما سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين ودفع مشغلي البنية التحتية الحيوية إلى تسريع تبني أنظمة المراقبة والاستجابة المؤتمتة. ولن يقتصر تأثير هذا التحول على البنوك والمؤسسات المالية، بل سيمتد إلى قطاعات الطاقة والرعاية الصحية والاتصالات والنقل.
ومع ذلك فإن «Mythos» ليس سوى بداية الطريق. فالنماذج القادمة التي تطورها Anthropic وغيرها من شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى يجري تصميمها لتعمل كوكلاء مستقلين بدرجة عالية، قادرين على التخطيط والتكيف وتنفيذ سلاسل طويلة ومعقدة من المهام دون إشراف بشري مباشر. وهذا لا يعني فقط اكتشاف الثغرات الأمنية، بل قد يشمل أيضًا إدارة عمليات واسعة النطاق وتنسيق أعمال معقدة في العالم الحقيقي بشكل مستقل.
ولهذا تبدو اللحظة الحالية مفصلية للغاية. فالتعامل مع هذه القدرات الجديدة يتطلب توازنًا دقيقًا بين سرعة التحرك والحذر في الوقت نفسه. كما أن الحوكمة الجيدة، والتعاون الدولي، والاستثمار المستمر في التطبيقات الدفاعية، ستكون جميعها ضرورية لضمان أن تصبح هذه التقنيات أداة لتعزيز الأمن والاستقرار، لا مصدرًا جديدًا للفوضى والتهديدات.
