القائمة الرئيسية

كيف حوّلنا النفايات البلاستيكية إلى خل: اختراق علمي يعمل بضوء الشمس

كيف حوّلنا النفايات البلاستيكية إلى خل: اختراق علمي يعمل بضوء الشمس
ملخص المقال

يعرض مقال بقلم يومين وو على موقع the conversation   مشكلة التلوث البلاستيكي الناتج عن إنتاج مئات الملايين من الأطنان سنويًا وصعوبة التخلص منه بطرق مثل الدفن أو الحرق أو حتى إعادة التدوير التقليدية، ثم يطرح بحثًا علميًا جديدًا يقترح حلاً مبتكرًا يعتمد على ضوء الشمس ومحفّز قائم على الحديد لتفكيك البلاستيك وتحويله إلى مادة ذات قيمة هي حمض الأسيتيك المستخدم صناعيًا على نطاق واسع. يستلهم هذا النهج آلية من الطبيعة مشابهة للفطريات التي تحلل الخشب، ويقوم على تحويل النفايات البلاستيكية عبر تفاعلات ضوئية في ظروف بسيطة وموفرة للطاقة، حيث تُفكك البوليمرات أولًا ثم يُعاد استخدام نواتجها لإنتاج مركب مفيد بدلًا من إطلاقها كملوثات. ويشير المقال إلى أن التقنية ما تزال في مرحلة التطوير وتواجه تحديات تتعلق بتوسيع نطاقها وفعالية تطبيقها الصناعي، لكنها تفتح الباب أمام تصور جديد للبلاستيك كمصدر للكربون يمكن تدويره إلى منتجات نافعة ضمن اقتصاد دائري مستدام.

بقلم: يومين وو

يُعدّ البلاستيك من أكثر المواد التي ابتكرها الإنسان متانةً واستدامة. وهذه المتانة نفسها هي ما جعله عنصرًا لا غنى عنه في مجالات مثل الطب، وتغليف الأغذية، ووسائل النقل. لكنها، في الوقت ذاته، أسهمت في خلق واحدة من أبرز المشكلات البيئية التي نواجهها اليوم.

يُنتَج سنويًا مئات الملايين من الأطنان من البلاستيك حول العالم، وينتهي جزء كبير منها في مكبات النفايات أو المحارق أو يتسرّب إلى البيئة الطبيعية، حيث يمكن أن يبقى لقرون طويلة.

أما الطرق الحالية للتخلص من التلوث البلاستيكي، فلها عيوبها الواضحة. فدفن النفايات في المكبات قد يؤدي إلى تسرب المواد الكيميائية والجزيئات البلاستيكية الدقيقة إلى البيئة المحيطة. وحرق البلاستيك يطلق غازات سامة وأبخرة ضارة. أما إعادة التدوير الميكانيكية، فغالبًا ما تُحوّل البلاستيك إلى منتجات أقل قيمة، في حين تتطلب إعادة التدوير الكيميائية ظروفًا قاسية من درجات حرارة وضغوط مرتفعة واستهلاكًا كبيرًا للطاقة.

في هذا السياق، قدّم بحث علمي حديث نهجًا مختلفًا تمامًا: استخدام ضوء الشمس مع محفّز قائم على الحديد لتحويل النفايات البلاستيكية الشائعة مباشرة إلى حمض الأسيتيك—المكوّن الأساسي للخل، وأحد المواد الكيميائية المهمة صناعيًا.

بدلًا من التعامل مع البلاستيك باعتباره مجرد نفايات، يبيّن هذا البحث إمكانية تحويله إلى مادة مفيدة في ظروف بسيطة نسبيًا.

استلهام الحل من فطر يحلّل الخشب

جاءت فكرة هذا البحث من الطبيعة. فهناك نوع من الفطريات يُعرف بـ""الفطر الأبيض المتحلّل للخشب"" يمتلك قدرة مدهشة على تفكيك اللجنين، وهو أحد أكثر المركبات تعقيدًا وصلابة في الخشب. ويعتمد في ذلك على إنزيمات تولّد أنواعًا كيميائية شديدة التفاعل قادرة على تكسير البنى الكربونية المعقدة.

انطلاقًا من هذه الفكرة، سعى الباحثون إلى محاكاة هذه الآلية باستخدام مادة صناعية.

فتم تطوير محفّز مكوّن من نيتريد الكربون المُطعَّم بذرات الحديد، وهو شبه موصل قادر على امتصاص الضوء المرئي. وتم تثبيت ذرات الحديد بشكل منفرد داخل هذا الهيكل، فيما يُعرف علميًا بـ""محفّز الذرة الواحدة"".

على عكس الجسيمات النانوية، تبقى كل ذرة حديد منفصلة ومندمجة داخل البنية، وهو ما يمنح النظام دقة عالية. وتعمل كل ذرة حديد كموقع نشط يشبه مواقع العمل في الإنزيمات الطبيعية، ما يعزز الكفاءة مع الحفاظ على الاستقرار.

تفاعلان متتابعان يقودهما الضوء

يعتمد هذا النظام على سلسلة من التفاعلات التي يحفّزها الضوء.

فعند تعريضه لضوء الشمس، وبوجود بيروكسيد الهيدروجين، تقوم مواقع الحديد بتنشيط هذا المركّب لتوليد جذور هيدروكسيلية عالية التفاعل. وهذه الجذور هي أنواع كيميائية نشطة للغاية بسبب احتوائها على إلكترونات غير مزدوجة.

تبدأ هذه الجذور بمهاجمة السلاسل الكربونية الطويلة التي تكوّن أنواعًا مختلفة من البلاستيك، مثل البولي إيثيلين (المستخدم في الأكياس)، والبولي بروبيلين (حاويات الطعام)، والبولي إيثيلين تيرفثالات (زجاجات المشروبات)، وحتى البولي فينيل كلوريد.

ومع استمرار التفاعل، تتحلل هذه البوليمرات تدريجيًا إلى جزيئات أصغر، وصولًا إلى تكوّن ثاني أكسيد الكربون.

لكن العملية لا تتوقف هنا. فبدلًا من إطلاق هذا الغاز في الجو، يعيد النظام استخدامه في خطوة ثانية، حيث يُختزل ثاني أكسيد الكربون باستخدام ضوء الشمس ليُحوَّل إلى حمض الأسيتيك.

بمعنى آخر، يتحول الكربون الموجود في النفايات البلاستيكية أولًا إلى حالة مؤكسدة، ثم يُعاد تجميعه في صورة جزيء جديد ذي قيمة.

وهذه المقاربة تميّز هذا النظام عن معظم تقنيات إعادة التدوير الحالية، إذ تجمع بين التفكيك وإعادة التصنيع في عملية واحدة.

لماذا حمض الأسيتيك؟

يُعرف حمض الأسيتيك على نطاق واسع كمكوّن أساسي في الخل، لكنه في الواقع مادة صناعية مهمة تُستخدم في إنتاج المواد اللاصقة، والطلاءات، والمذيبات، والألياف الصناعية، والأدوية.

ويُقدَّر الطلب العالمي عليه بملايين الأطنان سنويًا، ما يجعله سوقًا بمليارات الدولارات.

حاليًا، يُنتَج معظم حمض الأسيتيك عبر عملية صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة تُعرف بـ""كربنة الميثانول""، حيث يتفاعل الميثانول مع أول أكسيد الكربون تحت درجات حرارة مرتفعة.

أما تحويل النفايات البلاستيكية إلى حمض الأسيتيك، فيفتح الباب أمام نموذج دائري جديد، يقوم على إعادة استخدام الكربون الموجود بالفعل بدلًا من استخراج كربون جديد.

وقد أظهرت التجارب أن هذا النظام يحقق معدلات إنتاج جيدة مقارنة بطرق أخرى تعتمد على الضوء. وعند تحسين استخدام الضوء داخل المفاعل، ارتفعت كفاءة الإنتاج بشكل ملحوظ.

ومن اللافت أن التفاعل يتم في درجة حرارة الغرفة وتحت ضغط جوي عادي، خلافًا لمعظم تقنيات إعادة التدوير الكيميائية التي تتطلب تسخين البلاستيك إلى مئات الدرجات.

التعامل مع النفايات الواقعية

غالبًا ما تركز الدراسات المخبرية على أنواع نقية من البلاستيك، لكن الواقع أكثر تعقيدًا، حيث تكون النفايات مختلطة ومليئة بالشوائب. لذلك، تم اختبار النظام على أنواع متعددة من البلاستيك، سواء بشكل منفرد أو في خليط.

وأظهر المحفّز قدرة على معالجة عدة أنواع شائعة من البلاستيك. وكان أداء البولي فينيل كلوريد (PVC) مميزًا بشكل خاص، ويُعتقد أن ذلك يعود إلى إطلاق الكلور أثناء التحلل، مما يسهم في توليد جذور تفاعلية إضافية تسرّع العملية.

كما حافظت ذرات الحديد على توزيعها الدقيق حتى بعد تكرار الاستخدام، وهو مؤشر مهم على استقرار المحفّز وكفاءته، خاصة أن تدهور المحفّز قد يؤثر سلبًا على الأداء والسلامة البيئية.

ويعتمد النظام على إضافة بيروكسيد الهيدروجين، الذي يُستهلك خلال التفاعل. ورغم أنه يتحلل إلى ماء وأكسجين ويُعد آمنًا نسبيًا، فإن التحدي المستقبلي يتمثل في توفيره بطريقة مستدامة وعلى نطاق واسع.

من المختبر إلى التطبيق

لا يخلو تحويل هذه التقنية إلى تطبيق صناعي من التحديات. فانتشار الضوء داخل المفاعل، وتصميمه، وتنوع مكونات النفايات البلاستيكية، كلها عوامل تؤثر في الكفاءة. كما أن الإضافات الموجودة في البلاستيك التجاري—مثل الأصباغ والمواد المثبتة—قد تؤثر على التفاعل.

ولفهم الجدوى الاقتصادية، أُجري تقييم أولي يشير إلى أن الجمع بين معالجة النفايات وإنتاج مادة ذات قيمة قد يساعد في تعويض التكاليف، خاصة عند احتساب الفوائد البيئية.

وعلى نطاق أوسع، يبرز هذا العمل أهمية المحفزات الذرية والتصميم المستلهم من الطبيعة، حيث يمكن تحقيق تحولات كيميائية معقدة في ظروف بسيطة باستخدام ضوء الشمس كمصدر للطاقة.

إعادة التفكير في دورة حياة البلاستيك

لن تُحل مشكلة التلوث البلاستيكي عبر تقنية واحدة فقط. فالتقليل من الاستخدام غير الضروري للبلاستيك، وتحسين تصميم المنتجات، وتعزيز أنظمة إعادة التدوير، كلها خطوات أساسية.

لكن تحويل النفايات البلاستيكية إلى مواد مفيدة يضيف بعدًا جديدًا للحل، إذ يعيد تعريف البلاستيك ليس فقط كمشكلة بيئية، بل كمصدر كربوني يمكن الاستفادة منه.

وإذا نجحنا في تسخير ضوء الشمس لتنفيذ هذه التحولات بكفاءة وعلى نطاق واسع، فقد تتحول عبوات الأمس المهملة إلى مواد أولية لصناعات المستقبل.

يبقى التحدي اليوم هو نقل هذه الإنجازات من المختبر إلى الواقع العملي. وإذا تحقق ذلك، فسيكون خطوة مهمة نحو اقتصاد دائري حقيقي، لا تمثل فيه النفايات نهاية القصة، بل بدايتها.

المصدر

مقالات ذات صلة