بقلم: شوبها شيتي ولينيت م. نيوفيلد
العالم اليوم بعيد بشكل مقلق عن تحقيق أهداف التغذية العالمية. بل إن بعض المؤشرات في عدد من الدول لا تتراجع فحسب، بل تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.
لا يزال التقزّم يمثل تحديًا واسع الانتشار، حيث يعاني منه نحو 148 مليون طفل حول العالم. وفي المقابل، وعلى الطرف الآخر من المشهد، يواجه ملايين البالغين مشكلات زيادة الوزن أو السمنة، أو يعانون من أمراض غير معدية مرتبطة بنمط الحياة. وبين هذين الطرفين، هناك واقع صادم يتمثل في أن ما يقارب 1.6 مليار طفل صغير وامرأة يعانون من نقص في واحد أو أكثر من الفيتامينات والمعادن الأساسية. هذه الأوضاع لا تنعكس فقط على الحالة الصحية للأفراد، بل تمتد آثارها إلى النمو الجسدي والقدرات الذهنية والتحصيل الدراسي والإنتاجية، تاركةً بصمتها على المجتمعات والاقتصادات لسنوات طويلة.
صحيح أن سوء التغذية يرتبط بعدة عوامل، مثل نقص المياه النظيفة أو محدودية الوصول إلى الخدمات الصحية، إلا أن النظام الغذائي يظل العامل الأكثر تأثيرًا. ومع ذلك، فإن الواقع في عام 2023 كان صادمًا؛ إذ لم يتمكن نحو 2.8 مليار إنسان من تحمل تكلفة نظام غذائي صحي. وفي العام نفسه، بلغت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن سوء تغذية الأطفال ونقص المغذيات الدقيقة نحو 761 مليار دولار، أي ما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد، إذ أضافت السمنة وزيادة الوزن لدى البالغين ما يعادل 2.2% أخرى من الناتج العالمي على شكل خسائر اقتصادية.
أمام هذه الصورة، يبرز سؤال جوهري: ماذا تعني هذه الأرقام عمليًا للدول النامية؟ وكيف يمكنها التحرك؟ للإجابة عن ذلك، عملت منظمة الأغذية والزراعة والبنك الدولي على تطوير منهجية جديدة تساعد في قياس التكاليف المباشرة وغير المرئية للأنظمة الغذائية غير الصحية، وتم اختبارها عمليًا في بلدين.
قراءة أعمق في أنماط الغذاء
يحاول تقرير حديث بعنوان ""كشف تكلفة الأنظمة الغذائية غير الصحية"" تقديم صورة أدق لهذه التكاليف، من خلال عزل أثر النظام الغذائي عن العوامل الأخرى المعروفة مثل الصرف الصحي أو المياه.
تم اختيار إثيوبيا والفلبين كنموذجين للدراسة، وهما بلدان يجمع بينهما تحدٍ مزدوج: استمرار سوء التغذية في مراحل الطفولة المبكرة، إلى جانب تزايد التعرض للأمراض غير المعدية. ورغم اختلاف السياقات الاقتصادية وأنماط الغذاء بينهما، إلا أن التقزّم لا يزال مرتفعًا في كليهما، في الوقت الذي تتزايد فيه معدلات السمنة والأمراض المرتبطة بها.
ولفهم ما يأكله الناس بشكل أدق، جرى التعاون مع جهات بحثية وطنية وصناع قرار في العاصمتين مانيلا وأديس أبابا، واستخدام أداة تحليلية تُعرف بـ""المؤشر العالمي لجودة النظام الغذائي""، والذي يقيس جودة الغذاء من حيث النوع والكمية معًا.
وقد أظهرت النتائج مزيجًا من المؤشرات الإيجابية والتحديات. ففي إثيوبيا، لا يزال الاعتماد على الحبوب الكاملة التقليدية مرتفعًا، كما أن استهلاك السكريات منخفض نسبيًا، وهو أمر إيجابي. لكن في المقابل، تعاني الأنظمة الغذائية من ضعف التنوع، خاصة فيما يتعلق بالفواكه والخضروات. أما في الفلبين، فرغم وجود تنوع غذائي أكبر نسبيًا، إلا أن الاعتماد الكبير على الأرز المكرر—وهو أقل فائدة غذائيًا—إلى جانب انتشار استهلاك اللحوم المصنعة والأطعمة السكرية، يمثل مصدر قلق. كما أن استهلاك الأغذية الغنية بالعناصر الغذائية، مثل الفواكه والخضروات، لا يزال دون المستوى المطلوب.
أين تكمن التكلفة الخفية؟
بعد فهم طبيعة الأنظمة الغذائية، انتقل التحليل إلى تقدير الخسائر الاقتصادية المرتبطة بها. وقد شمل ذلك حساب تأثيرات متعددة، مثل انخفاض الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، والوفيات المبكرة الناتجة عن التقزّم أو السمنة، إضافة إلى عوامل الخطر المرتبطة بالنظام الغذائي مثل ارتفاع ضغط الدم ومستويات السكر في الدم.
النتائج كانت لافتة. ففي الفلبين، بلغت تكلفة التقزّم المرتبط بالنظام الغذائي نحو 0.85% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما وصلت في إثيوبيا إلى 3% في عام 2023. أما الأمراض غير المعدية المرتبطة بالسمنة وعوامل الخطر الغذائية، فقد شكلت عبئًا أكبر في الفلبين، حيث بلغت تكلفتها 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021، مقارنة بـ1.7% في إثيوبيا عام 2019.
ورغم أن نصف الخسائر المرتبطة بتقزّم الأطفال يعود إلى عوامل أخرى مثل الخدمات الصحية والتغذوية، فإن النصف الآخر يرتبط مباشرة بسوء النظام الغذائي، ما يؤكد أن الغذاء ذاته يمثل محورًا أساسيًا في المشكلة.
وتكشف هذه النتائج عن حقيقة مهمة: طبيعة الخسائر الاقتصادية تتغير مع تغير أنماط سوء التغذية في الدول. ففي إثيوبيا، لا يزال التقزّم هو العبء الأكبر اقتصاديًا، بينما في الفلبين، ومع التقدم في الحد من التقزّم، أصبحت السمنة والأمراض المرتبطة بها هي المصدر الأكبر للخسائر.
كيف يمكن الاستجابة؟
معالجة جميع أشكال سوء التغذية تظل ضرورة ملحّة، لكن فهم الفروق في طبيعة التحديات يساعد على توجيه السياسات بشكل أدق. ففي إثيوبيا، قد يكون التركيز على تنويع الإنتاج الزراعي، وتعزيز الربط بين المزارعين والأسواق الحضرية، خطوة فعالة لزيادة توفر الغذاء المغذي وتحسين القدرة على تحمّل تكلفته. أما في الفلبين، فإن الحد من انتشار الأطعمة فائقة المعالجة والرخيصة قد يسهم في تقليل العبء الصحي والاقتصادي على الأفراد والنظام الصحي.
وفي خطوة مهمة، اعتمدت اللجنة الإحصائية للأمم المتحدة في مارس 2025 مؤشر ""الحد الأدنى لتنوع النظام الغذائي"" كأداة جديدة لقياس التقدم نحو القضاء على الجوع. إلا أن الطريق لا يزال طويلًا، إذ تظل الحاجة قائمة إلى بيانات أكثر دقة وتفصيلًا حول ما يأكله الناس فعليًا.
تحسين هذه البيانات لا يعد مجرد عمل إحصائي، بل هو شرط أساسي لإعادة تصميم أنظمة الغذاء بحيث تضمن للجميع—في كل مكان—الوصول إلى غذاء صحي ومغذٍ.
