القائمة الرئيسية

كيف يمكن تعزيز القدرة التنافسية الصناعية لأوروبا في عصر يسوده عدم اليقين

كيف يمكن تعزيز القدرة التنافسية الصناعية لأوروبا في عصر يسوده عدم اليقين
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تسعى أوروبا لتعزيز قدرتها التنافسية الصناعية في ظل عالم مضطرب، من خلال التركيز على التصنيع المحلي وتحديث سياساتها الصناعية، لكنها تؤكد أن العامل الحاسم يبقى تأمين طاقة مستقرة وميسورة التكلفة. وتبرز التحديات المرتبطة بارتفاع الطلب على الطاقة، وتقلب الأسواق، والمنافسة العالمية، ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية وتنويع مصادر الطاقة ضرورة ملحّة. وفي النهاية، تشدد على أن مستقبل الصناعة الأوروبية لن يتحقق بالسياسات وحدها، بل عبر تحركات سريعة وتعاون واسع لبناء أنظمة طاقة قادرة على دعم النمو المستدام.

  • يمثل قانون المسرّع الصناعي للاتحاد الأوروبي تحولاً نحو التصنيع المحلي لتعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية لأوروبا.
  • ويُعد توفير إمدادات طاقة آمنة وميسورة التكلفة العامل الحاسم للحفاظ على التوسع الصناعي واسع النطاق.
  • كما يتطلب سد الفجوة المتزايدة بين العرض والطلب على الطاقة استثمارات ضخمة في البنية التحتية.

كشفت المفوضية الأوروبية في مارس عن قانون المسرّع الصناعي، مرسلة رسالة واضحة لا لبس فيها: إن مستقبل القارة الاقتصادي يعتمد على قوة قاعدتها الصناعية. ومن المقرر أن يُدخل التشريع إجراءات ترخيص مبسطة، وتفضيلات في المشتريات لصالح “صُنع في الاتحاد الأوروبي”، إضافة إلى شروط أكثر صرامة على الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الاستراتيجية. ويمثل ذلك أكثر تحولات السياسة الصناعية جرأة في بروكسل منذ عقود. ويأتي هذا كرد مباشر على تصاعد المنافسة العالمية واعتراف صريح بأن أوروبا يجب أن تحقق ازدهارها من خلال التصنيع، لا عبر التنظيم فقط.

لا يمكن المبالغة في حجم الرهانات. فالصناعات الراسخة مثل التصنيع والكيماويات والبناء تشكل جزءاً أساسياً من طموح أوروبا للتحديث والمنافسة عالمياً. فهي توفر أكثر من 20% من القيمة المضافة للاقتصاد الأوروبي، وتوظف أكثر من 20% من القوى العاملة في القارة، ومن المتوقع أن تنمو بأكثر من 12.5% بحلول عام 2027. ويضع قانون المسرّع الصناعي هدفاً واضحاً يتمثل في رفع حصة التصنيع من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي إلى 20% بحلول عام 2035. غير أن تحقيق هذا الهدف سيتطلب ليس فقط إصلاحات تنظيمية، بل أيضاً بنية تحتية مادية ومالية داعمة. كما أن تعبئة المواد والعمالة اللازمة للحفاظ على هذه المبادرة ستعتمد على نماذج تعاون مرنة وموثوقة بين القادة الإقليميين الرئيسيين.

أوروبا وإحياء صناعتها
لكن قبل كل شيء، يظل العامل الأهم في إحياء الصناعة الأوروبية هو الوصول إلى طاقة آمنة ومستقرة وميسورة التكلفة. ففي مختلف أنحاء القارة، تمثل الصناعة نحو 25% من الاستهلاك النهائي للطاقة، بينما يستهلك قطاع النقل (بأنواعه المختلفة) 31% إضافية. ومع الارتفاع السريع في استهلاك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي الأوسع، وكلاهما أساسي لخطط النمو المستقبلية، من المتوقع الآن أن يتضاعف استهلاك الطاقة أربع مرات. فكل زيادة بنسبة مئوية في التوسع الصناعي والرقمي تعني طلباً إضافياً على الطاقة.

هذا الواقع الحسابي قاسٍ، خاصة في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط الذي هز أسواق الطاقة العالمية وزاد من هشاشة سلاسل الإمداد التي ظهرت قبل سنوات قليلة. فقد أصبحت تقلبات الأسعار، واختناقات البنية التحتية، والمخاطر الجيوسياسية خلفية دائمة يتعين على المصنعين الأوروبيين التخطيط في ظلها للاستثمارات الرأسمالية، وتطوير البنية التحتية، وحتى التوظيف. وفي هذا السياق، لم يعد أمن الإمدادات مجرد شرط ثانوي، بل أصبح العامل التنافسي الذي سيحدد الاستقرار الفوري والتقدم طويل الأمد للصناعة الأوروبية.

تحديث البنية التحتية للطاقة
يتطلب التحكم في هذا العامل الاستثمار في مزيج متوازن من مصادر الطاقة، وبنية تحتية موثوقة، وشبكات فعالة قادرة على توفير الطاقة بسرعة وعلى نطاق واسع. ويعتمد تحول أوروبا الصناعي ومرونتها الاقتصادية على تنويع الموارد وتحديث الأنظمة، من خلال تعظيم الاستفادة من الغاز والطاقة المتجددة والطاقة النووية والهيدروجين، ودمجها بذكاء وتحسينها رقمياً لضمان إمدادات وفيرة وبأسعار مناسبة. ولا يمكن أن يعتمد استقرار القارة ونموها المستقبلي على مصدر واحد أو شبكات قديمة، خاصة في ظل الحاجة إلى نحو 3.5 تريليون يورو لتطوير أنظمة طاقة قادرة على مواجهة الصدمات الخارجية واستيعاب الزيادة المتوقعة في الطلب.

إن إلحاح الوضع في أوروبا واضح، لكن تحدي تحديث البنية التحتية للطاقة لم يعد مهمة محلية، بل أصبح سباقاً عالمياً عالي المخاطر من أجل التنافسية الاقتصادية والمرونة، مع تنافس مناطق أخرى بقوة على نفس رأس المال العالمي.

فالولايات المتحدة تسرّع جهودها نحو التصنيع المحلي وريادة الذكاء الاصطناعي بهدف تقليل الاعتماد الخارجي. وفي آسيا، تواصل الصين هيمنتها على سلاسل توريد معدات الطاقة المتجددة، مستفيدة من استثمارات ضخمة لخفض تكاليف الطاقة، بينما تقود دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية دمج الهيدروجين في استراتيجياتها الصناعية طويلة الأجل كركيزة لأمن الطاقة. وليس من قبيل المصادفة أن يضع الاجتماع السنوي للأبطال الجدد للمنتدى الاقتصادي العالمي، الذي سيُعقد في داليان بالصين هذا يونيو، موضوعي المرونة الصناعية والتحول في الطاقة في صميم جدول أعماله. فهذا يعكس قناعة إقليمية أوسع بأن الاقتصادات الأكثر استعداداً لقيادة العقد المقبل هي تلك التي نجحت بالفعل في مواءمة رأس المال والسياسات والبنية التحتية ضمن استراتيجية طاقة طويلة الأجل متماسكة.

حقيقة بسيطة
بالنسبة لأوروبا وبقية العالم، لن يتحقق النهضة الصناعية عبر التصريحات السياسية وحدها، بل من خلال استثمارات عملية في الموارد والبنية التحتية القادرة على دعم اقتصاد متزايد التعقيد والاستهلاك للطاقة. لقد حدد قانون المسرّع الصناعي الوجهة، والآن على القارة تأمين الوقود اللازم للوصول إليها.

تواجه أوروبا حقيقة بسيطة: إن إحياء صناعتها يتطلب أمن الإمدادات وتطوير البنية التحتية على نطاق غير مسبوق.

وهذا الاحتياج بدأ بالفعل في تحفيز التحرك. فقد اجتمع أصحاب المصلحة الإقليميون الأسبوع الماضي في معرض هانوفر بألمانيا لإطلاق أسبوع الطاقة الأوروبي، وهي منصة جديدة تهدف إلى جمع سلسلة القيمة الكاملة للطاقة مع الصناعات الأوروبية التي تعتمد على الطاقة الموثوقة والميسورة، من التصنيع والخدمات اللوجستية إلى مراكز البيانات والتدفئة الحضرية. ومع أن نسخة هذا العام كانت مختصرة، إلا أن الإطلاق الكامل سيجري في عام 2027، بالتزامن مع معرض هانوفر، لتقديم ما أصبح نادراً في ظل التقلبات العالمية: عمل منسق وفعّال لضمان الإمدادات للصناعات الأساسية والحفاظ على القدرة التنافسية طويلة الأمد لأوروبا.

تواجه أوروبا حقيقة واضحة: إحياء صناعتها يتطلب تأمين الإمدادات وتطوير البنية التحتية على نطاق غير مسبوق. فالتصنيع والخدمات اللوجستية ومراكز البيانات والتدفئة الحضرية تستهلك طاقة تفوق ما يمكن للشبكات الحالية توفيره، بينما يؤدي التوسع في الكهرباء والذكاء الاصطناعي إلى توسيع هذه الفجوات شهراً بعد شهر. وفي ظل هذا التحول الحتمي، إلى جانب مشهد عالمي يتسم بعدم الاستقرار الجيوسياسي، يجب على الحكومات وقادة الصناعة التحرك فوراً لتعبئة رأس المال وتعزيز التعاون لبناء أنظمة طاقة مرنة قادرة على دعم نمو مستدام، أو المخاطرة بتخلفهم عن المنافسين بشكل حاسم.

المصدر

مقالات ذات صلة