- لقد غيّرت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح اقتصاديات إنتاج الطاقة، والآن تواجه منطقة آسيا والمحيط الهادئ (APAC) ""الموجة التالية"" من إزالة الكربون.
- يمكن أن يؤدي تحقيق طموحات الحياد الكربوني إلى توسيع اقتصاد منطقة آسيا والمحيط الهادئ بنحو 50 تريليون دولار بحلول عام 2070، وفقًا لأبحاث شركة ديلويت.
- يجب أن تركز هذه الموجة التالية من إزالة الكربون على أربعة ركائز حاسمة: الوقود المستقبلي، المعادن الحيوية، البطاريات، والتحول الصناعي.
لم تكن الحاجة الملحّة للتحول المناخي العالمي أكبر مما هي عليه الآن، ولا يوجد مكان تكون فيه المخاطر أعلى من منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وبينما أصبحت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بالفعل أقل مصادر الكهرباء تكلفة، فإن أصعب مرحلة في رحلة الحياد الكربوني – ""الموجة التالية من إزالة الكربون"" – باتت الآن أمام المنطقة.
يمكن أن يؤدي تحقيق أهداف الحياد الكربوني إلى توسيع اقتصاد المنطقة بنحو 50 تريليون دولار بحلول عام 2070، مما يفتح زيادة بنسبة 7.5% في الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا لتقرير ديلويت. ويعادل هذا المكسب نحو 47 تريليون دولار بالقيمة الحالية الصافية، متجاوزًا الاقتصادات مجتمعة لكل من أستراليا والهند واليابان اليوم. وعلى العكس، فإن الفشل في التحرك بسرعة قد يؤدي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بنسبة 5.5% (3.4 تريليون دولار سنويًا) بحلول عام 2050، مع خسائر محتملة تصل إلى 96 تريليون دولار بالقيمة الحالية الصافية بحلول 2070.
لكن الزخم الحالي غير كافٍ. إذ تمثل المنطقة 60% من الانبعاثات الكربونية العالمية، ولا تزال هذه الانبعاثات في ارتفاع. وللوفاء بالتزامات الحياد الكربوني، يجب على المنطقة تسريع جهودها، وهو ما يتطلب استثمارات هائلة تتراوح بين 79 و89 تريليون دولار بحلول عام 2050. وهذا يعني مضاعفة الاستثمارات السنوية في التقنيات منخفضة الكربون ثلاث مرات من مستوى 840 مليار دولار في عام 2023 إلى نحو 2.3 تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2030.
تسريع إزالة الكربون في آسيا والمحيط الهادئ
يجب أن تركز الموجة التالية من إزالة الكربون على أربعة محاور رئيسية: الوقود المستقبلي، المعادن الحيوية، البطاريات، والتحول الصناعي. وتمثل هذه المجالات تحديات هيكلية معقدة وترابطًا متزايدًا بين التكنولوجيا والموارد، مما يجعل المعايير المشتركة والتكامل الإقليمي أمرين حاسمين للنجاح.
الركيزة الأولى: تشغيل القطاعات صعبة التخفيض عبر الوقود المستقبلي
تعتمد إزالة الكربون من القطاعات التي يصعب كهربتها، مثل الطيران والتدفئة الصناعية، على الوقود المستقبلي مثل الهيدروجين النظيف، والوقود الاصطناعي (الأمونيا والميثانول)، والوقود الحيوي.
من المتوقع أن يصل الطلب على الهيدروجين في المنطقة إلى 236 مليون طن بحلول عام 2050، بقيمة سوقية تبلغ 632 مليار دولار سنويًا. ومع ذلك، فإن تكلفة هذه الأنواع من الوقود قد تكون أعلى بثلاثة إلى عشرة أضعاف من الوقود الأحفوري، كما أن الهيدروجين النظيف لا يمثل سوى أقل من 1% من الإنتاج العالمي. ويتطلب تطوير سلسلة قيمة الهيدروجين وحدها استثمارات سنوية تبلغ 130 مليار دولار على مدى 25 عامًا القادمة.
ويجب أن تعالج السياسات عوائق التكلفة من خلال وضع خرائط طريق وطنية واضحة، وتمويل البحث والتطوير، وتقديم حوافز ضريبية، وتسهيلات تمويلية، وآليات لدعم السوق مثل اتفاقيات الشراء طويلة الأجل. كما أن تنسيق البنية التحتية أمر ضروري، مع إنشاء مراكز إقليمية تربط بين البحث والإنتاج والطلب.
الركيزة الثانية: تأمين سلاسل الإمداد عبر المعادن الحيوية
تُعد المعادن الحيوية مثل الليثيوم والنيكل والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة أساسًا للتقنيات النظيفة. ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على الليثيوم بنحو تسعة أضعاف بحلول عام 2050، والنيكل بنسبة 226%. وقد يصل عدد المركبات الكهربائية في المنطقة إلى 671 مليون مركبة بحلول ذلك الوقت.
لكن سلاسل الإمداد هشة ومركزة بشكل كبير، حيث تهيمن الصين على معظم الفئات، مما يخلق مخاطر تتعلق بتقلب الأسعار والتوترات الجيوسياسية. ويتطلب تلبية الطلب على المعادن لتحقيق الحياد الكربوني استثمارات تتراوح بين 360 و450 مليار دولار بحلول 2050، مع فجوة تمويلية لا تقل عن 140 مليار دولار.
تشمل الحلول السياسية بناء شراكات تجارية مستقرة تتجاوز تجارة السلع الخام، وتسريع تطوير المناجم، وتحفيز إعادة التدوير لتغطية ما يصل إلى 20% من الطلب بحلول 2030. كما تعمل دول غنية بالموارد مثل إندونيسيا وماليزيا على تقييد صادرات المواد الخام لتعزيز التصنيع المحلي.
الركيزة الثالثة: تشغيل محرك الكهرباء عبر البطاريات
تُعد البطاريات عنصرًا أساسيًا لاستقرار الشبكات واعتماد المركبات الكهربائية. ومن المتوقع أن ينمو سوق البطاريات عالميًا من 120 مليار دولار إلى ما بين 330 و500 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعًا بارتفاع مبيعات المركبات الكهربائية التي قد تصل إلى 40% من إجمالي المبيعات الجديدة.
تسيطر الصين على نحو 83% من تصنيع البطاريات عالميًا، لكن اقتصادات أخرى في المنطقة تعمل على تطوير قدراتها من خلال شراكات واستثمارات استراتيجية.
ويجب أن تعالج السياسات التحديات مثل القلق من مدى القيادة، وتوسيع البنية التحتية للشحن، وتقديم حوافز مثل الإعفاءات الضريبية. كما ينبغي تحديث تنظيم الشبكات لدمج البطاريات على نطاق واسع، مع دعم البحث والتطوير في تقنيات جديدة.
الركيزة الرابعة: إزالة الكربون من الصناعة – محرك النمو
تُعد الصناعة العمود الفقري لاقتصاد المنطقة، حيث تمثل 74% من إنتاج الصلب و77% من الأسمنت و65% من المواد الكيميائية عالميًا. لكن الانبعاثات الصناعية تمثل نحو 40% من إجمالي الانبعاثات في المنطقة.
ويصعب إزالة الكربون من هذه القطاعات بسبب اعتمادها على عمليات عالية الحرارة وكثيفة الطاقة، مع قلة البدائل منخفضة الكربون وارتفاع تكلفة تحديث الأصول. ويتطلب الأمر استثمارات إضافية سنوية كبيرة في رأس المال والبنية التحتية.
يجب أن تركز السياسات على خفض التكاليف وتحفيز السوق من خلال وضع خرائط طريق واضحة، ودعم التقنيات الانتقالية، وتوسيع استخدام تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه.
الاستثمار والتسعير والتعاون الإقليمي
العامل المشترك بين جميع الركائز هو سد فجوة الاستثمار الضخمة وخفض تكلفة الحلول النظيفة. وبدون تدخل حكومي، قد يتعثر التحول.
يُعد تسعير الكربون أداة فعالة اقتصاديًا، لكنه لا يُطبق إلا في عدد محدود من دول المنطقة. ويمكن أن يولد ما يصل إلى 4 تريليونات دولار من الإيرادات العامة، ويساعد الصناعات على التكيف مع المعايير العالمية.
ولتحقيق الاستثمارات المطلوبة، يجب اعتماد سياسات قوية تشمل أطر تنظيمية واضحة، وأدوات تمويل عامة، وتعزيز التعاون الإقليمي لتطوير البنية التحتية التجارية.
تحول ضروري لكنه معقد
ستكون هذه المرحلة الجديدة من التحول الطاقي أكثر صعوبة واضطرابًا من المرحلة الأولى. ويجب على صناع السياسات توقع التحديات والتقلبات، لكن تكلفة التقاعس ستكون أكبر بكثير.
تمتلك منطقة آسيا والمحيط الهادئ التكنولوجيا ورأس المال والموارد والكوادر البشرية اللازمة لقيادة التحول نحو اقتصاد خالٍ من الكربون. وسيعتمد النجاح على سياسات جريئة وعملية تدعم الابتكار والاستثمار والتكامل الإقليمي.
ومن خلال الالتزام بسياسات واضحة وتحفيز الطلب وإدارة فجوات الأسعار وتعزيز التعاون، يمكن للمنطقة أن تحقق مستقبلًا مزدهرًا ومحايدًا كربونيًا، وأن تقود الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ.
