- تتمتع أوروبا بميزة الثقة عندما يتعلق الأمر بالتمويل الرقمي، وذلك بفضل القوانين الصارمة وأطر الحوكمة القوية.
- ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يتعلم من اقتصادات أخرى، مثل الهند والبرازيل، في بناء منظومة أوسع للتمويل الرقمي وإطلاق اليورو الرقمي.
- ومع اقتراب ظهور اليورو الرقمي، لا تزال هناك تساؤلات قائمة حول قابلية التشغيل البيني، والخصوصية، والأطر التنظيمية، وغيرها.
تُعد الثقة اللغة المشتركة للسياسات المالية الأوروبية. فمن اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) إلى لائحة الأسواق في الأصول المشفرة (MiCA)، شكّلت الحوكمة والمساءلة الأساس الذي تقوم عليه مقاربة أوروبا للبنية التحتية المالية – فهي تمثل الأرضية التي يُبنى عليها كل شيء، لا سقفًا يحدّ من الإمكانات.
ومع تقدم أوروبا في طموحاتها بشأن اليورو الرقمي، حيث يستهدف البنك المركزي الأوروبي إطلاق تجربة أولية في النصف الثاني من عام 2027 مع إمكانية طرح كامل بحلول عام 2029، يظل هذا الالتزام قائمًا. ما يميز هذه اللحظة هو أن أوروبا لم تعد تضع القواعد لسوق قائم فحسب؛ بل تبني السوق نفسه من الصفر، وبشكل علني، مع اختبار هذه القيم في الوقت الفعلي.
الثقة في البنية التحتية المالية ليست أمرًا مفروغًا منه؛ بل تُكتسب تدريجيًا، من خلال ملايين التفاعلات اليومية التي تعمل تمامًا كما وُعد بها، وكذلك خلال اللحظات الأصعب عندما لا تسير الأمور كما ينبغي. والاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة المؤسسات التي تدير اليورو الرقمي على الحفاظ على هذه النزاهة عندما تتطور التكنولوجيا إلى ما يتجاوز تصميمها، وعندما تصبح الاستخدامات غير المتوقعة هي الأكثر أهمية، وعندما يلاحظ الجمهور الفجوة بين الوعود والواقع قبل الجهات التنظيمية.
التعلم من الرواد الأوائل
توفر تجارب الاقتصادات الأخرى رؤى قيّمة لتطوير العملة الرقمية في أوروبا.
فعلى سبيل المثال، يقدم مشروع الروبية الرقمية في الهند، الذي أُطلق في أواخر عام 2022، نموذجًا جيدًا للتعلم التنظيمي في الواقع. فقد نظّم بنك الاحتياطي الهندي عملية الإطلاق عبر مسارين: تجربة بالجملة لتسوية الأوراق المالية الحكومية، وتجربة بالتجزئة للاستخدام الأوسع. وتم تصميم كلا المسارين كتجارب خاضعة للرقابة بدلًا من مبادرات تستهدف التوسع الفوري. وجرى في البداية حصر المشاركة في تسعة بنوك في قطاع الجملة ومجموعة محدودة من المستخدمين والتجار في قطاع التجزئة، قبل التوسع إلى 17 بنكًا ونحو ستة ملايين مستخدم بحلول أوائل عام 2025.
والأهم من ذلك، أن البنك استخدم هذه الفترة لتعديل التكنولوجيا بناءً على ما رصده ميدانيًا. فعندما أدرك الحاجة إلى الشمول، أضاف المدفوعات دون اتصال للأشخاص الذين لا يملكون اتصالًا مستقرًا بالإنترنت. وعندما لاحظ إمكانات تحسين الإنفاق الاجتماعي، أدرج تحويلات قابلة للبرمجة لصرف المدفوعات الحكومية. لم تكن أي من هذه الإضافات جزءًا من التصميم الأصلي، لكنها تعكس مؤسسة مستعدة للسماح للأدلة بإعادة تشكيل افتراضاتها، وهو بالضبط ما يمنح البنية التنظيمية مصداقيتها بمرور الوقت.
وعلى الجانب الآخر من العالم، تعاملت البرازيل مع التمويل المفتوح كما لو كانت تبني برجًا، حيث وضعت الأساس أولًا ولم تضف طوابق جديدة إلا بعد التأكد من قدرة الهيكل على تحملها. ففي عام 2021، أطلق البنك المركزي البرازيلي العملية على أربع مراحل متميزة، وخلال السنة الأولى فقط تم ربط نحو خمسة ملايين حساب.
واليوم، تدير البرازيل واحدة من أكثر منظومات التمويل المفتوح شمولًا في العالم، تضم أكثر من 60 مليون حساب، إلى جانب نظام “بيكس” للمدفوعات الفورية الذي أصبح بسرعة العمود الفقري للمعاملات الرقمية اليومية. وقد نجحت هذه البنية لأن التوسع كان يأتي بعد تحقيق الاستقرار في كل مرحلة. ويتطلب هذا النوع من التسلسل صبرًا مؤسسيًا لمقاومة إغراء البناء بسرعة تفوق قدرة الأساس على التحمل. وقد تراكمت الثقة بالطريقة نفسها – تدريجيًا ومن خلال المعاملات اليومية التي تعمل كما هو متوقع.
الحدود التنظيمية
تعكس هاتان التجربتان نوع الإشراف التدريجي القائم على الأدلة، كما ورد في الورقة البيضاء للمنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان “الحدود التنظيمية” – وهو إشراف يتطور عبر التعلم المنهجي بدلًا من الاستجابة للأزمات.
ومع انتقال اليورو الرقمي إلى مرحلة التحضير، لا تزال هناك تساؤلات حوكمة رئيسية: كيف سيتحول الاختبار الخاضع للإشراف إلى معايير واضحة؟ كيف سيتم الحفاظ على قابلية التشغيل البيني في ظل المشهد المالي الأوروبي المجزأ؟ كيف سيتم تطبيق التزامات الخصوصية عمليًا؟ كيف سيتم بناء ثقة المستهلك وقياسها؟ وكيف ستتكيف الأطر التنظيمية مع تطور التكنولوجيا واستخداماتها؟
تسعى الورقة البيضاء إلى معالجة هذه الأسئلة، حيث تحدد خمسة مجالات تصميم تشمل الحدود، والتعلم القائم على الأدلة، والوصول إلى السوق، والبنية التحتية المشتركة، والقواعد التكيفية، وهي عناصر تحدد ما إذا كانت التنظيمات تعزز الابتكار أو تعيقه. وبمجملها، تصف هذه المجالات القدرة المؤسسية التي تمكّن التنظيم من مواكبة الابتكار بدلًا من ملاحقته.
قوة التوافق
لا يمكن تجاهل الواقع السياسي. فلم يكن على الهند أو البرازيل التفاوض مع 26 نظامًا ماليًا آخر للمضي قدمًا، كما هو الحال في أوروبا. وقد أظهرت عملية إعداد اليورو الرقمي من قبل البنك المركزي الأوروبي تعلمًا تنظيميًا حقيقيًا على مستوى المنتج، لكن البنية الإشرافية المحيطة به لا تزال تعتمد على التوافق السياسي بين المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي والسلطات الوطنية – وهو جهد لم يكتمل بعد.
في أوروبا، يُعد بناء التوافق الآلية الأساسية لضمان النزاهة طويلة الأمد. وهذه العملية أبطأ وأكثر إرباكًا مما يفضله الكثيرون، لكنها أيضًا السبب في أن الأطر الأوروبية غالبًا ما تتمتع بشرعية قد تضطر النماذج الأسرع إلى اكتسابها لاحقًا.
سباق جديد
وهنا تصبح الثقة عنصرًا حاسمًا. فهي ليست مجرد شعور، بل دعم متجذر يظهر في اللحظات الحاسمة – مثل ما إذا كان النظام الذي يتعطل عصر يوم الجمعة يعود للعمل مساء اليوم نفسه، أو ما إذا كانت وعود الخصوصية تتطابق مع ما يحدث فعليًا لبيانات الناس في الواقع. لا يتبنى الناس التكنولوجيا الجديدة لأنها مبتكرة، بل لأنهم مقتنعون بأنها لن تخذلهم عندما يكون الأمر مهمًا. وهذا النوع من النزاهة يستغرق سنوات لبنائه – ويمكن أن يُفقد في لحظة واحدة.
تكمن قوة أوروبا ليس في سرعتها، بل في نزاهتها. وبينما قد تركز ولايات قضائية أخرى على كفاءة العمليات، تكمن فرصة أوروبا في قوة “المصافحة الرقمية”.
لن يُقاس الانتصار الحقيقي بمعدلات التبني أو سرعة المعاملات، بل بمدى تحول اليورو الرقمي إلى أكثر منظومة رقمية موثوقة في العالم.
وفي النهاية، لن تكون العملة الرقمية الأكثر نجاحًا هي الأسرع، بل تلك التي تثبت قدرتها على حماية مواطنيها حتى مع تغير التكنولوجيا. فالسباق الحقيقي يدور حول من يستطيع بناء بنية تنظيمية مرنة بما يكفي لحكم المستقبل دون فقدان ثقة الجمهور.
