- تشهد التجارة العالمية تحولات عميقة نتيجة التفتت الجيو-اقتصادي وتحول مراكز الثقل الاقتصادي العالمي.
- ويلعب الذكاء الاصطناعي دوراً في هذا التحول، لكن هناك خطرًا متزايدًا يتمثل في أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بالتجارة تُدرَّب على بيانات لم تعد تعكس ملامح التجارة العالمية الحالية.
وهذا يعني أن الاقتصادات النامية سريعة النمو، التي لا تمتلك بيانات تاريخية كافية، قد يتم تجاهلها من قبل هذه الأنظمة، مما يؤدي إلى إقصائها من النظام التجاري العالمي. فالممرات التي تمر عبرها التجارة العالمية تتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى خلال العقود الثلاثة الأخيرة. ورغم أن هذا التحول موثق جيدًا ويساعده الذكاء الاصطناعي، فإن الخطر يكمن في أن هذا الذكاء قد تم تدريبه على تصور لنظام تجاري لم يعد موجودًا، مما قد يؤدي إلى استبعاد بعض الأطراف بشكل دائم.
انخفضت واردات الولايات المتحدة من الصين بنسبة 29.4% في عام 2025. وفي الفترة نفسها، أظهر استطلاع أجرته سيتي أن 65% من الشركات العالمية تعمل بنشاط على تنويع مصادرها، مع بروز فيتنام والهند وتايلاند والمكسيك كوجهات رئيسية جديدة.
دخل الذكاء الاصطناعي إلى مجال تمويل التجارة حاملاً وعودًا حقيقية: تسريع عمليات التقييم، خفض تكاليف المعالجة، وتوسيع نطاق الائتمان ليشمل شركات كانت النماذج التقليدية ترفضها. هذه المكاسب حقيقية. لكن السؤال الذي لم يُطرح بما فيه الكفاية هو: هل تعكس البيانات التي تتعلم منها هذه النماذج خريطة التجارة القديمة أم الخريطة التي تتشكل الآن؟
ما البيانات التي يُدرَّب عليها الذكاء الاصطناعي في تمويل التجارة؟
يتم تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي في تمويل التجارة بشكل كبير على عقود من بيانات المعاملات من الممرات التي اعتادت البنوك التعامل معها: من الصين إلى الولايات المتحدة، ومن أوروبا إلى أمريكا الشمالية. هذه مسارات غنية بالبيانات الممتدة عبر الزمن. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة في مونتيري أو المصانع المتعاقدة خارج مدينة هو تشي منه، فتكاد لا تمتلك هذا التاريخ في البيانات. وبالنسبة لنموذج تم تدريبه على الخريطة القديمة، فإن هذه الشركات تبدو غير مرئية.
هذه ليست مشكلة خفية. فالبنوك ترفض ما لا يقل عن 40% من طلبات تمويل التجارة للشركات الصغيرة والمتوسطة في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وهي أسرع مناطق التجارة نموًا في العالم، وذلك بسبب نقص السجلات الائتمانية أو عدم توافق المقترضين مع نماذج التقييم التقليدية. ويبلغ حجم فجوة تمويل التجارة عالميًا 2.5 تريليون دولار، وتتركز تقريبًا بالكامل في ممرات الأسواق الناشئة حيث البيانات شحيحة. وإذا تم تدريب الذكاء الاصطناعي على البيانات المتاحة بدلًا من البيانات التي ينبغي أن تكون متاحة، فقد يؤدي ذلك إلى ترسيخ هذه الفجوة بشكل دائم.
وقد أشار تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي إلى هذه الديناميكية بوضوح، محذرًا من أن نماذج الذكاء الاصطناعي المدربة على البيانات المالية الحالية تميل إلى إعادة إنتاج التحيزات الكامنة فيها، مما يخلق دورة متكررة تُصبح فيها الأسواق غير الممثلة أصعب في الخدمة بمرور الوقت. وفي تمويل التجارة، يظهر هذا التأثير بشكل جغرافي واضح، حيث لا “تعرف” النماذج فيتنام أو مونتيري لأن قواعد البيانات لم تُبنَ مع أخذ هذه الممرات في الاعتبار.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُرسّخ خريطة التجارة العالمية؟
تكمن المشكلة الهيكلية في الذكاء الاصطناعي المدرب على بيانات قديمة في أن “النقاط العمياء” تتفاقم بمرور الوقت.
فعندما لا يمتلك نموذج تمويل التجارة سجل معاملات لممر معين، فإنه يصنفه على أنه أكثر خطورة. ويعني ارتفاع المخاطر تقليل التمويل الممنوح، ما يؤدي إلى قلة المعاملات المنجزة، وبالتالي تتسع فجوة البيانات بدلًا من أن تضيق. وبذلك لا يكتسب هذا الممر التاريخ اللازم لفهمه بدقة، لأن قرارات النموذج نفسه تمنع تكوين هذا التاريخ.
وقد حددت مؤسسة بروكينغز هذه الظاهرة في أنظمة الائتمان المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، حيث تؤدي أنظمة التقييم غير القادرة على تقييم المقترضين من الأسواق غير المخدومة بدقة إلى قرارات أكثر تحفظًا، مما يحرمهم من الائتمان، ويمنع تكوين سجلات معاملات تمكن من تقييمهم بشكل صحيح لاحقًا. المشكلة هنا هيكلية وليست فردية.
والمفارقة أن ممرات التجارة الأكثر عرضة للخطر هي نفسها التي تتجه إليها سلاسل الإمداد العالمية. فشركة تصنيع ملابس في فيتنام ارتفع دخلها من 5 ملايين إلى 25 مليون دولار خلال ثلاث سنوات تمتلك قصة نجاح واضحة لأي محلل بشري متمرس. لكن نموذجًا مدربًا على ممرات لا تشمل هذا النمو يرى فقط غياب البيانات التاريخية، ويعتبر الحداثة مخاطرة.
يشير تقرير TradeTech الصادر عن المنتدى إلى أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل تمويل التجارة بسرعة، مع التأكيد على أن الشمولية تمثل تحديًا حقيقيًا، حيث يتم استبعاد الشركات الصغيرة من الاقتصادات النامية بشكل غير متناسب. كما أن سرعة اعتماد الذكاء الاصطناعي في الممرات التقليدية تفوق بناء البنية التحتية للبيانات في الممرات الجديدة. وإذا لم يتم سد هذه الفجوة بشكل مقصود، فسيتم سدها بشكل تلقائي بطريقة تُقصي هذه الأسواق.
ولا تزال هناك فرصة لممرات الأسواق الناشئة لبناء سجل بيانات للمعاملات وبالتالي الحضور في مجموعات التدريب الخاصة بالنماذج الحالية، لكن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى الأبد. فإذا ترسخت أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل أن تتمكن دول مثل الهند وفيتنام والمكسيك من بناء سجل كافٍ، فسيتم تفسير غيابها كدليل على المخاطر وليس كدليل على الحداثة، وسيكون من الصعب تصحيح هذا الضرر لاحقًا.
ما الذي يتطلبه الذكاء الاصطناعي المسؤول في تمويل التجارة؟
الحل ليس في إبطاء تبني الذكاء الاصطناعي، فمكاسبه في الكفاءة حقيقية، والقطاع بحاجة إليها. الحل يكمن في أن نكون أكثر وعيًا وانتقائية بشأن البيانات التي تدخل في هذه النماذج قبل أن تصبح بنيتها صلبة.
هناك ثلاثة أمور يجب أن تحدث بالتوازي.
أولاً، يجب تغيير مدخلات البيانات. تحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي في تمويل التجارة إلى التدريب على بيانات معاملات من ممرات الأسواق الناشئة، وليس فقط على المسارات التقليدية التي مولتها البنوك لعقود. هذه البيانات موجودة بالفعل في منصات التمويل الرقمي العاملة في هذه الأسواق، والسؤال هو ما إذا كانت المؤسسات مستعدة للبحث عنها واستخدامها.
ثانيًا، يجب أن تصبح قابلية تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي شرطًا أساسيًا وليس مجرد ميزة. فعندما يرفض نموذج طلب تمويل لشركة صغيرة في مدينة مثل هو تشي منه أو مونتيري، يجب أن تكون المؤسسة قادرة على شرح القرار من حيث البيانات المتاحة والبيانات المفقودة ومعنى هذا النقص. فالذكاء الاصطناعي الذي لا يستطيع تفسير قراراته لا يمكن مساءلته.
ثالثًا، يجب أن يتحول الأمر إلى نقاش حوكمة وليس مجرد مسألة تقنية. فالقرارات التي تُتخذ اليوم بشأن تدريب هذه النماذج والبيانات التي تعتمد عليها والممرات التي تتعلم رؤيتها ليست قرارات تجارية فقط، بل ستحدد شكل البنية المالية للتجارة العالمية لأجيال قادمة. وهذا يجعلها قضية ذات مصلحة عامة تتطلب تعاون المؤسسات متعددة الأطراف والمنظمين والقطاع الخاص.
إن التفتت الجيو-اقتصادي يمثل بالفعل أحد أبرز مخاطر هذا العقد، وقد يكلف الاقتصاد العالمي ما يصل إلى 5.7 تريليون دولار. وإذا قام الذكاء الاصطناعي بترسيخ خريطة التجارة القديمة داخل البنية المالية الجديدة، فقد يزيد من حدة هذا التفتت — ليس هذه المرة عبر السياسة، بل عبر البرمجيات.
