بقلم: كيلي غارتون وبويد سوينبورن
يتزايد استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة – بما في ذلك المشروبات الغازية، والوجبات الخفيفة، والوجبات الجاهزة – في جميع أنحاء العالم، رغم الأدلة التي تشير إلى أنها غير صحية.
تشكل الأطعمة فائقة المعالجة (UPFs) نحو 70% من المنتجات الغذائية المعبأة على أرفف المتاجر الكبرى، ونسبة أكبر من ذلك في المتاجر الصغيرة.
في بحثنا الجديد، نستكشف كيف تستغل الشركات المنتجة لهذه الأطعمة الطبيعة البشرية لجعل هذه المنتجات تبدو الخيار الأسهل والأكثر إشباعاً وجاذبية.
نوضح أن هذه الأطعمة مصممة لتجعلنا نرغب فيها ونستهلك كميات أكبر منها. كما يتم تسويقها لجميع الفئات، وخاصة الأطفال، بطريقة تجعلها تبدو الأكثر لذة والأكثر سهولة والأفضل من حيث القيمة مقابل المال، رغم ما تسببه من أضرار صحية عديدة.
إن انجذابنا لهذه الأطعمة ليس صدفة. فشركات الأطعمة فائقة المعالجة تستخدم مجموعة من الأساليب لزيادة الاستهلاك، ويستغل كثير منها طريقة تفكيرنا ومشاعرنا وسلوكنا.
لماذا نستمر في تناول الأطعمة فائقة المعالجة؟
تُعد هذه الأطعمة الأكثر معالجة في السوق. ووفقاً لمجلة The Lancet الطبية، فهي تركيبات تجارية مصنوعة من مكونات رخيصة مستخلصة أو مشتقة من أطعمة كاملة، وتُضاف إليها مواد مضافة، لكنها غالباً تحتوي على القليل جداً من الطعام الكامل أو لا تحتوي عليه إطلاقاً.
كما يتم تسويق هذه المنتجات بشكل مكثف، وغالباً ما تنتجها شركات عالمية كبرى.
لكن الأنظمة الغذائية الغنية بهذه الأطعمة ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالعديد من الأمراض الخطيرة، مثل زيادة الوزن أو السمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والسرطان، وأمراض الكلى المزمنة، والاكتئاب، إضافة إلى الوفاة المبكرة.
سأل بحثنا: لماذا نستمر في تناول هذه الأطعمة رغم معرفتنا بأضرارها؟ للإجابة، نظرنا إلى النظام الكامل الذي يطور هذه المنتجات وينتجها ويسوقها، وكيف تتداخل الطبيعة البشرية داخله.
قمنا بمراجعة عقد من الأبحاث المنشورة حول علم الغذاء وتسويق الأطعمة فائقة المعالجة، ثم عملنا مع خبراء في هذه المجالات لإنشاء وتحسين نماذج توضيحية تُظهر كيفية عمل هذا النظام.
تُسمى هذه النماذج “مخططات الحلقات السببية”، وتكمن أهميتها في إظهار حلقات التغذية الراجعة الإيجابية التي تدفع النظام نحو هدفه النهائي: بيع المزيد من هذه المنتجات.
وجدنا أن النظام يتكون من حلقات مترابطة عديدة تستغل جوانب من سلوك الإنسان وبيولوجيته.
منتجات مصممة لأقصى استهلاك
تشمل إحدى هذه الحلقات استخدام تركيبات مكونات مسببة للإدمان، خاصة الكربوهيدرات المكررة والدهون. بيولوجياً، تنشّط الكربوهيدرات (بما فيها السكريات) والدهون مسارات المكافأة بين الأمعاء والدماغ. وعند تناولهما معاً، يصبح تأثيرهما أكثر قابلية للإدمان.
يمكن دمج هذه المكونات بنسب مختلفة للوصول إلى ما يسمى “النقاط المثالية” الحسية، أي تعزيز الشعور بالمتعة والرغبة وتقليل الإحساسات السلبية.
تشمل الاستراتيجيات الأخرى طرق معالجة تقلل من إحساس الشبع الطبيعي أو تسرّع الهضم، مما يمنح شعوراً سريعاً بالمكافأة يختفي بسرعة، فيدفعنا إلى الرغبة في المزيد خلال وقت أقصر.
استراتيجيات التسويق
من ناحية التسويق، تُصمم هذه المنتجات لتكون سهلة التخزين والاستهلاك، ولتبدو ذات قيمة جيدة مقابل السعر.
تستخدم أساليب ترويجية متنوعة لجذب انتباه المستهلكين ورغبتهم، بالإضافة إلى خلق انطباع زائف بأنها صحية. أما الاستراتيجيات الموجهة للأطفال، فتستغل ارتباطات الثقافة الشعبية بمفاهيم المرح أو الجاذبية.
مثال آخر على حلقات التغذية الراجعة هو قيام الشركات بجمع كميات ضخمة من البيانات المعقدة حول عادات الشراء وحياتنا الرقمية، مما يسمح بتوجيه الإعلانات بدقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا بدوره يزيد من المبيعات ويولد بيانات إضافية لتحسين الاستهداف الإعلاني.
النظام ككل
حددنا إجمالاً 11 حلقة تغذية راجعة تعزز بعضها بعضاً. وتُظهر دراستنا لأول مرة كيف يشكل هذا الشبك نظام الأطعمة فائقة المعالجة، المصمم فعلياً لدفع الناس إلى شراء واستهلاك المزيد منها، وإزاحة الخيارات الصحية من النظام الغذائي.
يرتبط هذا النظام أيضاً بحلقات أوسع في سلاسل الإمداد الاقتصادية والمالية لإنتاج الغذاء عالمياً.
هذا الأمر مهم لأن الأنظمة الغذائية غير الصحية وزيادة الوزن مسؤولة عن 18% من الوفيات المبكرة والإعاقات القابلة للتجنب في نيوزيلندا، وكلا العاملين يرتبطان بالاستهلاك المفرط لهذه الأطعمة.
للأسف، لم تُجرِ نيوزيلندا مسوحات غذائية وطنية منذ العقد الأول من الألفية، لذا نعتمد على بيانات دول مشابهة مثل أستراليا لتقدير أن هذه الأطعمة تشكل نحو نصف استهلاكنا من الطاقة الغذائية.
ما الذي يمكن فعله؟
الأنظمة الغذائية الغنية بالأطعمة فائقة المعالجة ليست نتيجة اختيار فردي حر أو ضعف إرادة، بل نتيجة نظام مصمم بشكل متعمد.
يُسلط بحثنا الضوء على كيفية استغلال هذا النظام للناس، وخاصة الأطفال. وقد صنّف خبراء دوليون هذه الأطعمة كقضية صحية عالمية كبرى، ويوصون بسياسات حكومية قوية لتنظيمها ومواجهة آلياتها.
توجد بالفعل نماذج سياسات في أجزاء أخرى من العالم، خصوصاً في أمريكا اللاتينية. ويمكن لنيوزيلندا أن تحذو حذو دول فرضت ضرائب على هذه المنتجات والمشروبات السكرية، وقيوداً على الإعلانات الموجهة للأطفال، ومتطلبات صارمة لوسوم التغذية على واجهات العبوات، إضافة إلى سياسات شفافية مثل الكشف العلني عن أنشطة الضغط (اللوبي) في الحكومة.
التهاون ليس خياراً. يجب إعادة توازن النظام الغذائي بحيث يخدم الناس ويغذيهم الآن وفي المستقبل.
