القائمة الرئيسية

لماذا قد تكون فكرة «الموظف المثالي» ضارة للأشخاص الذين يعانون من مشكلات الصحة النفسية

لماذا قد تكون فكرة «الموظف المثالي» ضارة للأشخاص الذين يعانون من مشكلات الصحة النفسية
ملخص المقال

يناقش مقال على موقع The Conversation بقلم هدار إلراز وجين ريمنانت كيف أن فكرة «الموظف المثالي» في بيئات العمل الحديثة أصبحت معيارًا ضمنيًا وغير واقعي يفترض أن الموظف يجب أن يكون دائم الإنتاج، متاحًا باستمرار، ومستقرًا عاطفيًا، دون مراعاة للتنوع الإنساني أو التحديات الصحية والنفسية. ويوضح المقال أن هذا النموذج يؤدي إلى وصم غير مباشر للموظفين، خصوصًا أولئك الذين يعانون من مشكلات في الصحة النفسية، حيث يُنظر إليهم أحيانًا على أنهم أقل كفاءة أو موثوقية، ما يخلق عوائق تتعلق بالأداء والوجود في آن واحد. كما يشير إلى أن هذا الضغط يدفع كثيرين إلى إخفاء حالاتهم أو الإفراط في العمل لإثبات الذات، وهو ما قد يفاقم مشاكلهم الصحية ويؤدي إلى إرهاق وانتكاسات. ويبرز المقال وجود فجوة واضحة بين التعامل مع الإعاقات الجسدية، التي تحظى غالبًا بتسهيلات عملية، وبين الحالات النفسية التي تواجه وصمًا وتشكيكًا أكبر. ويخلص إلى أن استمرار هذا النموذج يضر الأفراد والمؤسسات معًا، ويقترح التحول من البحث عن «الموظف المثالي» إلى بناء بيئات عمل مرنة وشاملة تركز على جودة المساهمة بدل الحضور المستمر، وتطبع الحديث عن الصحة النفسية بما يعزز العدالة والاستدامة في بيئة العمل.

بقلم: هدار إلراز وجين ريمنانت

في بيئة العمل الحديثة، تنتشر فكرة «الموظف المثالي» بوصفها نموذجًا غير معلن لكنه شديد التأثير في تشكيل التوقعات داخل المؤسسات. هذا النموذج يفترض أن الموظف يجب أن يكون دائم الإنتاج، متاحًا طوال الوقت، ومستقرًا عاطفيًا بشكل دائم دون أي تقلبات.

المشكلة الأساسية في هذا التصور أنه يتجاهل الواقع الإنساني؛ فهو يفترض أن جميع الموظفين لديهم القدرة نفسها على العمل دون انقطاع، ولا يراعي المسؤوليات الشخصية أو التحديات الصحية والنفسية. ورغم أن الهدف منه يبدو تحسين الكفاءة، إلا أنه في الواقع معيار غير واقعي لا يمكن لمعظم الناس تحقيقه، مما يؤدي إلى تهميش من لا يتوافقون معه، خصوصًا من يواجهون تحديات في الصحة النفسية.

في بحثنا في مجالي الإدارة والصحة، وجدنا أن هذا النموذج يتحول داخل المؤسسات إلى مصدر للوصم الاجتماعي، حيث يُستخدم كمعيار ضمني تُبنى عليه تقييمات الموظفين وتُصاغ من خلاله السياسات والممارسات اليومية.

اعتمدت الدراسة على مقابلات معمقة مع موظفين يعانون من حالات نفسية مختلفة مثل الاكتئاب، والقلق، والوسواس القهري، والاضطراب ثنائي القطب، ويعملون في قطاعات متعددة مثل التعليم والهندسة والمحاسبة والإدارة العليا، سواء في القطاعين العام أو الخاص أو القطاع الثالث.

بالنسبة لهؤلاء الموظفين، فإن التوقع المستمر بأن يكونوا في حالة استقرار عاطفي يصطدم بطبيعة حالاتهم التي تتسم بالتقلب وعدم الثبات.

عندما تتبنى المؤسسات نموذج «الموظف المثالي» كمعيار ضمني، فإنها تضع أمام الموظفين عوائق حقيقية. ويمكن فهم هذه العوائق على مستويين: عوائق تتعلق بـ«الأداء»، وأخرى تتعلق بـ«الوجود».

عوائق الأداء تظهر في شكل سياسات صارمة وأعباء عمل غير مرنة لا تراعي اختلاف الظروف الفردية أو الحالات الصحية غير الظاهرة. أما عوائق الوجود فتظهر حين يشعر الموظف أن قيمته كإنسان ومهني تتأثر، ويتم النظر إليه على أنه أقل كفاءة أو أقل موثوقية فقط لأنه لا يتوافق مع هذا النموذج المثالي.

وغالبًا ما يدفع هذا الضغط الموظفين إلى بذل جهد مضاعف لإثبات أنفسهم، خاصة خوفًا من أن يُنظر إليهم على أنهم ضعفاء أو عبء على الفريق. وقد يصل الأمر إلى التضحية بوقت الراحة والصحة النفسية من أجل الحفاظ على صورة «الموظف القادر دائمًا».

لكن هذا السلوك لا يمر دون تكلفة. فالإفراط في العمل ومحاولة إخفاء الأعراض أو تعويض فترات التعب قد يؤديان إلى تدهور الحالة الصحية وزيادة احتمالية الانتكاس. كما أن بعض البيئات التنظيمية التي تدفع الموظف للعمل خارج ساعات الدوام دون مقابل قد تكشف عن نقص في شمولية ثقافة العمل نفسها.

في الواقع، كثير من أنظمة الموارد البشرية تفترض أن إدارة الصحة النفسية مسؤولية فردية بالكامل، دون دعم كافٍ من المؤسسة. ومع استمرار الضغط للأداء المرتفع، يدخل الموظف في دائرة مرهقة من التوتر والإجهاد وتفاقم الأعراض.

هذا النموذج يدفع أيضًا كثيرًا من الموظفين إلى إخفاء مشكلاتهم النفسية خوفًا من تأثيرها على مسارهم المهني، إذ قد يُنظر إلى الإفصاح عن أي حالة تحتاج إلى تكييفات في العمل على أنه مخاطرة وظيفية.

وبسبب هذا المناخ، قد يلجأ البعض إلى إخفاء أعراضهم أو حتى عدم الإفصاح عنها في استبيانات الصحة. لكن هذا الإخفاء يخلق عبئًا نفسيًا كبيرًا، حيث يعيش الموظف في حالة مراقبة دائمة لنفسه ومحاولة مستمرة لإخفاء ما يمر به، إلى جانب تنظيم مواعيده العلاجية بسرية.

المفارقة أن هذا النوع من «التكيف الصامت» يسمح بالاستمرار في العمل، لكنه في الوقت نفسه يعزز نفس النظام الذي يفرض هذا الصمت، ويجعل الدعم المؤسسي غير مرئي أو غير متاح فعليًا.

كما أظهر البحث وجود فجوة واضحة بين التعامل مع الإعاقات الجسدية وبين التعامل مع الحالات النفسية. فبينما تُوفر التسهيلات الجسدية مثل الممرات والمنحدرات بشكل طبيعي ومقبول، فإن الاحتياجات النفسية غالبًا ما تواجه تشكيكًا أو وصمًا أو عدم تصديق.

التمسك بنموذج «الموظف المثالي» لا يضر فقط بالموظفين، بل قد يضر أيضًا بالمؤسسات نفسها على المدى الطويل، من خلال فقدان الكفاءات وزيادة معدلات الاستنزاف والتوظيف المتكرر وتكاليف التدريب.

كما أن عبء التعامل مع الوصمة داخل العمل قد يؤدي إلى الإرهاق المهني أو إبعاد الموظف عن أداء مهامه الأساسية.

لذلك، يقترح هذا الطرح ضرورة التحول من البحث عن «الموظف المثالي» إلى بناء «بيئات عمل مثالية». أي بيئات تتخلى عن فكرة أن الإنتاجية يجب أن تكون مستمرة بلا انقطاع، أو أن الاستقرار العاطفي شرط أساسي للقيمة المهنية.

المطلوب هو التركيز على جودة المساهمة لا على عدد ساعات الحضور أو مستوى التوافر الدائم، إلى جانب تصميم بيئات عمل مرنة تراعي التنوع الإنساني، وتطبع الحديث عن الصحة النفسية بدلًا من إخفائه.

في النهاية، المشكلة في فكرة «الموظف المثالي» أنها تصور غير واقعي يتجاهل اختلاف البشر. والعدالة الحقيقية في بيئة العمل تبدأ عندما تتوقف المؤسسات عن محاولة تشكيل الأفراد وفق قالب واحد، وتبدأ في إعادة تصميم العمل نفسه ليكون مناسبًا للجميع، بما يتيح لكل موظف أن يساهم وفق قدراته وظروفه.

المصدر

مقالات ذات صلة