بقلم: داني برادلو
تواجه الدول الإفريقية المثقلة بالديون السيادية خيارات قاسية. فهي غالبًا ما تُجبر على الاختيار بين سداد ديونها بالكامل للدائنين أو تمويل احتياجات شعوبها مثل الصحة والتعليم والطاقة المتجددة والمياه. وعادة ما تتركز المفاوضات مع الدائنين على الجوانب المالية والاقتصادية والتعاقدية، بينما تُستبعد الآثار البيئية والاجتماعية إلى حد كبير.
لكن بفضل مبادرة طلاب قانون من فانواتو، قد يتغير هذا الواقع.
فانواتو دولة تتكون من جزر صغيرة في جنوب المحيط الهادئ، وتُعد من أكثر الدول تضررًا من تغير المناخ، حيث تواجه تهديدات ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف.
في عام 2019، طلب أستاذ قانون في فانواتو من طلابه اقتراح طرق للتعامل مع التهديد المناخي الذي يواجه بلدهم. فاقترحوا أن تطلب فانواتو من الجمعية العامة للأمم المتحدة استشارة محكمة العدل الدولية بشأن الالتزامات القانونية الدولية للدول فيما يتعلق بتغير المناخ. وتمكنوا من إقناع حكومتهم بتبني الفكرة، كما حشدوا دعمًا دوليًا، مؤكدين أنهم يريدون عرض أكبر مشكلة في العالم أمام أعلى محكمة دولية.
وفي عام 2023، وافقت الجمعية العامة على طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن مسألتين:
- التزامات الدول بموجب القانون الدولي لحماية البيئة من آثار انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري.
- العواقب القانونية التي تتحملها الدول إذا أخفقت في الوفاء بهذه الالتزامات، مما يؤدي إلى أضرار بيئية جسيمة للأجيال الحالية والمستقبلية.
وقد حظيت القضية باهتمام غير مسبوق، حيث تلقت المحكمة أكثر من 150 مذكرة مكتوبة، وقدمت أكثر من 100 دولة ومنظمة دولية مرافعات شفوية خلال تسعة أيام من الجلسات العلنية. وفي 23 يوليو 2025، أصدرت المحكمة رأيًا استشاريًا بالإجماع، في خامس مرة فقط خلال ما يقارب 80 عامًا.
رأت المحكمة أن التزامات الدول لا تقتصر على المعاهدات التي وقّعتها وصدّقت عليها، بل تشمل أيضًا الالتزامات الناشئة عن القانون الدولي العرفي، وهو القانون الذي تلتزم به الدول انطلاقًا من شعورها بالإلزام القانوني، ويُعد ملزمًا لجميع الدول والمنظمات الدولية، سواء وقّعت على المعاهدات أم لا.
القواعد الأساسية
أعلنت المحكمة وجود التزامين أساسيين في القانون الدولي العرفي:
الأول هو واجب منع الإضرار الجسيم بالبيئة. ويقتضي ذلك أن تمارس الدول العناية الواجبة قبل اتخاذ أي إجراءات قد تسبب ضررًا بيئيًا، وأن تقيّم احتمال حدوث ضرر كبير ومدى آثاره المتوقعة. كما يجب عليها مراعاة المعايير الدولية الحالية، سواء كانت ملزمة أو غير ملزمة، وضمان التزام الشركات والأفراد الخاضعين لولايتها بهذه الواجبات.
أما الالتزام الثاني فهو واجب التعاون مع الدول الأخرى لحماية البيئة والمساهمة في حل المشكلات الدولية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإنساني. وأكدت المحكمة أن البيئة السليمة شرط أساسي للتمتع بحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الحياة والصحة وسبل العيش، وكذلك حقوق الأطفال والنساء والشعوب الأصلية.
وفي تناولها للمسألة الثانية، أوضحت المحكمة أن الدول يمكن أن تتحمل مسؤولية قانونية إذا لم تتخذ جميع التدابير المتاحة لديها لمنع الأضرار البيئية الجسيمة. ورغم أن هذا الواجب ينطبق على جميع الدول، فإن مضمونه يختلف بحسب قدراتها، حيث يُعد الجهد المبذول هو العامل الحاسم، وليس النتائج المحققة.
زاوية الديون
رغم أن رأي المحكمة استشاري، فمن المرجح أن يكون ذا تأثير كبير، نظرًا لاعتماده على مجموعة واسعة من المرافعات، وصدوره بالإجماع عن 15 قاضيًا من 15 دولة.
ويعني استناد المحكمة جزئيًا إلى القانون الدولي العرفي في مجالي البيئة وحقوق الإنسان أن حكمها يمتد إلى أي إجراءات للدول قد يكون لها آثار سلبية كبيرة على المناخ والبيئة وحقوق الإنسان.
ومن خلال الخبرة في مجال القانون الدولي وتمويل التنمية، يتضح أن ذلك يشمل إعادة التفاوض أو إعادة هيكلة الديون الإفريقية.
فأي إجراء تتخذه الدول الإفريقية لمعالجة أزمة ديونها سيؤثر على قدرتها على إدارة انبعاثات غازات الدفيئة، وكذلك على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه حقوق مواطنيها، مثل الحق في الحياة والصحة وسبل العيش.
وهذا يعني أن على الدول المدينة ودائنيها فهم الآثار البيئية والمناخية لعملياتهم، والعمل معًا لمعالجة آثارها السلبية البيئية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، مع اختلاف المسؤوليات بحسب القدرات.
وقد يفتح رأي المحكمة الباب أمام فرص جديدة لتحميل الدول المدينة والدائنة، وكذلك المؤسسات المالية، مسؤولية الآثار البيئية والاجتماعية لأفعالها.
ثلاثة مسارات ممكنة للحل
يمكن ربط الحكم بقضية الديون عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
أولًا، يمكن للدول المدينة وأصحاب المصلحة استخدام القرار لتعزيز حججهم بضرورة إدراج الآثار البيئية والاجتماعية للديون في المفاوضات، مع التأكيد على أن الدولة لا يمكنها التهرب من مسؤوليتها القانونية الدولية عن تأثير الديون على الانبعاثات وحقوق الإنسان. كما يمكنهم الإشارة إلى أن الدائنين ودولهم يتحملون أيضًا التزامًا قانونيًا بتقييم هذه الآثار والتعاون في إدارتها.
ثانيًا، يمكن تذكير الأطراف المعنية بمضمون مسؤولياتهم القانونية الدولية، استنادًا إلى معايير مثل:
- المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان
- مبادئ الأونكتاد للإقراض والاقتراض السيادي المسؤول
- الميثاق العالمي للأمم المتحدة
- مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للسلوك المسؤول للشركات متعددة الجنسيات
- الإطار البيئي والاجتماعي للبنك الدولي
كما أن العديد من المؤسسات المالية الخاصة تعتمد سياسات بيئية وحقوقية تشير إلى هذه المعايير.
ثالثًا، يمكن للناشطين، مستلهمين تجربة طلاب فانواتو، استخدام الحكم لتعزيز مطالبهم، بالتأكيد على أن الدول المدينة والدائنة ملزمة قانونًا بمنع الضرر البيئي والتعاون لحماية البيئة، وضمان التزام الشركات والأفراد بهذه الواجبات، مع إمكانية مساءلتهم قانونيًا في حال الإخفاق.
وأخيرًا، توجد آليات دولية يمكن لغير الدول استخدامها لمساءلة الأطراف، مثل نقاط الاتصال الوطنية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وآليات المساءلة المستقلة في بنوك التنمية متعددة الأطراف، إضافة إلى المحاكم في عدد متزايد من الدول التي تشهد دعاوى ضد الحكومات والبنوك المركزية والقطاع الخاص بسبب الإخلال بالالتزامات المناخية.
وبالطبع، يمكن للدول والمؤسسات المالية تجنب هذه العواقب من خلال الالتزام برأي المحكمة، وتطوير آليات لإدارة الديون الإفريقية تتماشى مع الإرشادات القانونية الدولية.
