القائمة الرئيسية

لماذا يعاني الأشخاص المصابون بالقلق واضطرابات المزاج الأخرى في إدارة عواطفهم

لماذا يعاني الأشخاص المصابون بالقلق واضطرابات المزاج الأخرى في إدارة عواطفهم
ملخص المقال

يناقش مقال على موقع the conversation بقلم ليان رولاندز مفهوم تنظيم العواطف باعتباره قدرة أساسية تساعد الأفراد على التحكم في مشاعرهم والتعبير عنها، موضحًا أن ضعف هذه القدرة قد يؤدي إلى صعوبات نفسية وسلوكيات غير صحية مثل إيذاء النفس أو الإفراط في الأكل أو استخدام الكحول. ويشرح أن تنظيم العاطفة يعتمد على استراتيجيات مثل إعادة التقييم المعرفي وتوجيه الانتباه، والتي ترتبط بوظائف في قشرة الفص الجبهي في الدماغ، لكن اختلال هذه الأنظمة العصبية قد يضعف فعاليتها. ويبين المقال أن اضطرابات القلق والاكتئاب ترتبط بصعوبات في استخدام هذه الاستراتيجيات، نتيجة نشاط عصبي أقل في مناطق تنظيم العاطفة، إضافة إلى وجود تحيزات معرفية تجعل تفسير المواقف أكثر سلبية. كما يشير إلى أن بعض الأشخاص يلجؤون إلى استراتيجيات غير تكيفية مثل الكبت والاجترار، والتي قد توفر راحة مؤقتة لكنها تزيد الأعراض سوءًا على المدى الطويل. ويخلص إلى أن اضطرابات المزاج ناتجة عن تفاعل معقد بين عوامل عصبية ونفسية وبيئية، مع الإشارة إلى أن ممارسات بسيطة مثل الامتنان واللطف والتأمل يمكن أن تساعد في تحسين الحالة النفسية ودعم تنظيم العواطف.

بقلم: ليان رولاندز

تنظيم العواطف هو أمر نقوم به جميعًا يوميًا طوال حياتنا. هذه العملية النفسية تعني أننا نستطيع التحكم في ما نشعر به وكيف نعبّر عن مشاعرنا في مواجهة أي موقف قد يطرأ. لكن بعض الأشخاص لا يستطيعون تنظيم عواطفهم بشكل فعّال، وبالتالي يمرّون بمشاعر صعبة وشديدة، وغالبًا ما يلجؤون إلى سلوكيات مثل إيذاء النفس، أو استخدام الكحول، أو الإفراط في تناول الطعام في محاولة للهروب منها.

هناك عدة استراتيجيات نستخدمها لتنظيم العواطف، مثل إعادة التقييم المعرفي (تغيير طريقة تفكيرك في شيء ما) وتوجيه الانتباه (تحويل انتباهك بعيدًا عن شيء ما). تعتمد هذه الاستراتيجيات على أنظمة عصبية في قشرة الفص الجبهي في الدماغ. لكن خلل هذه الآليات العصبية قد يعني أن الشخص غير قادر على إدارة عواطفه بشكل فعّال.

اضطراب تنظيم العاطفة لا يحدث ببساطة عندما يهمل الدماغ استخدام استراتيجيات التنظيم، بل يشمل أيضًا محاولات غير ناجحة من الدماغ لتقليل المشاعر غير المرغوب فيها، وكذلك الاستخدام غير المناسب لاستراتيجيات تكون تكلفتها طويلة المدى أكبر من فائدتها قصيرة المدى في تهدئة الشعور الشديد. على سبيل المثال، تجنب القلق بعدم فتح الفواتير قد يجعل الشخص يشعر بتحسن مؤقت، لكنه يؤدي إلى تكلفة طويلة المدى تتمثل في تراكم الرسوم.

هذه المحاولات غير الناجحة والتوظيف غير الفعّال للاستراتيجيات تُعد سمة أساسية في العديد من الاضطرابات النفسية، بما في ذلك اضطرابات القلق واضطرابات المزاج. لكن لا يوجد مسار واحد بسيط يفسّر هذا الاضطراب في هذه الحالات؛ فقد أظهرت الأبحاث وجود عدة أسباب.

1. خلل في الأنظمة العصبية

في اضطرابات القلق، يرتبط خلل أنظمة الدماغ العاطفية بأن الاستجابات العاطفية تكون أعلى بكثير من المعتاد، مع زيادة في إدراك التهديد ونظرة سلبية للعالم. هذه السمات تؤثر على فعالية استراتيجيات تنظيم العواطف، وتؤدي إلى اعتماد مفرط على استراتيجيات غير تكيفية مثل تجنب المشاعر أو محاولة كبتها.

في أدمغة الأشخاص المصابين باضطرابات القلق، لا يعمل نظام إعادة التقييم بكفاءة. حيث تُظهر أجزاء من قشرة الفص الجبهي نشاطًا أقل عند استخدام هذه الاستراتيجية مقارنة بالأشخاص غير القلقين. بل إن ارتفاع مستويات أعراض القلق يرتبط بانخفاض أكبر في نشاط هذه المناطق الدماغية. وهذا يعني أنه كلما كانت الأعراض أشد، أصبحت القدرة على إعادة التقييم أضعف.

وبالمثل، يعاني المصابون بالاضطراب الاكتئابي الكبير (MDD) — وهو عدم القدرة على تنظيم أو إصلاح العواطف مما يؤدي إلى فترات طويلة من المزاج المنخفض — من صعوبة في استخدام التحكم المعرفي لإدارة المشاعر السلبية وتقليل حدتها. ويرتبط ذلك باختلافات عصبية حيوية، مثل انخفاض كثافة المادة الرمادية، وتقليل حجم قشرة الفص الجبهي. أثناء مهام تنظيم العاطفة، يُظهر المصابون بالاكتئاب نشاطًا وأيضًا دماغيًا أقل في هذه المنطقة.

كما يظهر لدى بعض المصابين بالاكتئاب ضعف في أنظمة الدافعية في الدماغ، وهي شبكة من الاتصالات العصبية تمتد من الجسم المخطط البطني في منتصف الدماغ إلى قشرة الفص الجبهي. وقد يفسر ذلك صعوبة تنظيم المشاعر الإيجابية (المعروفة بـ”فقدان المتعة”)، مما يؤدي إلى نقص في الشعور بالمتعة والدافعية للحياة.

2. استراتيجيات أقل فعالية

لا شك أن الناس يختلفون في قدرتهم على استخدام استراتيجيات تنظيم العاطفة. لكن بالنسبة للبعض، فإن هذه الاستراتيجيات لا تعمل بشكل جيد. من المحتمل أن الأشخاص المصابين باضطرابات القلق يجدون أن إعادة التقييم أقل فعالية بسبب الانحياز الانتباهي لديهم، حيث يوجّهون انتباههم بشكل لا إرادي نحو المعلومات السلبية أو المهدِّدة. وهذا يمنعهم من التوصل إلى تفسيرات أكثر إيجابية للموقف، وهو عنصر أساسي في إعادة التقييم.

ومن المحتمل أيضًا أن إعادة التقييم لا تعمل بكفاءة لدى المصابين باضطرابات المزاج. فوجود تحيزات معرفية قد يجعل الأشخاص المصابين بالاكتئاب يفسرون المواقف على أنها أكثر سلبية، ويصعب عليهم التفكير بشكل أكثر إيجابية.

3. استراتيجيات غير تكيفية

رغم أن الاستراتيجيات غير التكيفية قد تجعل الأشخاص يشعرون بتحسن مؤقت، إلا أنها تأتي بتكاليف طويلة المدى تتمثل في استمرار القلق واضطرابات المزاج. الأشخاص القلقون يعتمدون أكثر على استراتيجيات غير تكيفية مثل الكبت (محاولة إخفاء أو منع الاستجابات العاطفية)، وأقل على استراتيجيات تكيفية مثل إعادة التقييم. ورغم أن الأبحاث ما زالت مستمرة، يُعتقد أن هؤلاء الأشخاص أثناء التجارب العاطفية الشديدة يجدون صعوبة كبيرة في الانفصال عن الشعور — وهي خطوة أساسية في إعادة التقييم — لذلك يلجؤون إلى الكبت بدلًا من ذلك.

استخدام استراتيجيات غير تكيفية مثل الكبت والاجترار (حيث يكرر الشخص أفكارًا سلبية وانتقادية للذات) يُعد أيضًا سمة شائعة في الاكتئاب. هذه الاستراتيجيات، إلى جانب صعوبة استخدام أساليب تكيفية مثل إعادة التقييم، تطيل وتفاقم الحالة المزاجية المنخفضة. وهذا يعني أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب يصبحون أقل قدرة على استخدام إعادة التقييم أثناء نوبة الاكتئاب.

من المهم الإشارة إلى أن اضطرابات المزاج لا تنشأ فقط من خلل عصبي. فالأبحاث تشير إلى أن مزيجًا من العوامل الفسيولوجية في الدماغ، والعوامل النفسية، والبيئية، هو ما يساهم في ظهور هذه الاضطرابات واستمرارها.

وفي حين يواصل الباحثون تطوير علاجات واعدة، فإن بعض الإجراءات البسيطة يمكن أن تساعد في تقليل تأثير الأفكار والمشاعر السلبية على المزاج. مثل الأنشطة الإيجابية كالتعبير عن الامتنان، وممارسة اللطف، والتأمل في نقاط القوة الشخصية، وهي أمور تساعد بالفعل في تحسين الحالة النفسية.

المصدر

مقالات ذات صلة