بقلم: أحمد الجمال
بوصفي عالم حاسوب عملت على تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي ودراسة تطورها وانتشارها خلال العقد الماضي، لم أكن متفاجئًا بقرار OpenAI إيقاف Sora.
بالنسبة لي، التحديات التي واجهتها Sora تعكس قيودًا أعمق في القدرات الإبداعية للذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر صعوبة في تجاهلها.
مشكلات منذ البداية
أعلنت OpenAI عن Sora في 15 فبراير 2024 كأداة ذكاء اصطناعي تتيح للمستخدمين إنشاء مقاطع فيديو قصيرة انطلاقًا من أوامر نصية. ولتحقيق ذلك، كانت التقنية تعتمد على التنبؤ بكيفية تغيّر الصور من إطار إلى آخر بناءً على ما “تعلمته” من ملايين الساعات من الفيديوهات الموجودة مسبقًا.
لكن منذ البداية ظهرت مشكلات واضحة فيها.
أولًا، كانت Sora مكلفة للغاية في التشغيل. إنتاج الفيديو يتطلب قدرة حوسبة أكبر بكثير من إنتاج النصوص أو الصور، مما جعل من الصعب على OpenAI ضبط التكاليف. كما أنها لم تكن تحقق إيرادات كافية لتبرير هذه التكاليف، خصوصًا مقارنة بمنتجات ذكاء اصطناعي أخرى أقل تكلفة وأسهل في تحقيق الربح. ووفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، كانت Sora تخسر مليون دولار يوميًا.
ثانيًا، لم يتحول الزخم الإعلامي المبكر الذي رافق إطلاقها، حيث وصفها موقع TechPowerUp بأنها “نموذج تحويل النص إلى فيديو يتجاوز حدود الخيال”، إلى استخدام مستدام. فبعد أن خفت الضجة الأولية، بدا أن المستخدمين يواجهون صعوبة في إيجاد استخدامات عملية ومتكررة للتقنية.
ثالثًا، تعمل أدوات مثل Sora في منطقة قانونية رمادية، حيث تفرض مخاوف حقوق النشر وملكية المحتوى البصري على الشركات تبني موقف حذر ودفاعي. عمليًا، أدى ذلك إلى فرض قيود صارمة على الأوامر النصية تمنع الإشارة إلى شخصيات أو أفلام محمية بحقوق الملكية، وحظر إنتاج محتوى يشبه أشخاصًا حقيقيين أو ملكيات فكرية، إضافة إلى فرض تدابير قانونية مثل العلامات المائية وبيانات التعريف على المخرجات.
مجتمعة، دفعت هذه التحديات على الأرجح OpenAI إلى إعادة توجيه مواردها إلى مجالات أخرى، خصوصًا مع اشتداد المنافسة في صناعة الذكاء الاصطناعي.
عرض لخلل أوسع
لكن هناك أيضًا نمطًا لا يقتصر على فشل Sora وحدها.
العديد من برامج الذكاء الاصطناعي التوليدي الموجهة للمجالات الإبداعية واجهت مشكلة متكررة: انتشار سريع في البداية، يليه تراجع في الاستخدام المستمر.
يبدو أن كثيرًا من المستخدمين يجربون أدوات توليد الصور والفيديو مثل Midjourney وStability AI بدافع الفضول، لكن إذا كانت بيانات الاستخدام المتراجعة مؤشرًا، فإن عددًا قليلاً من المحترفين الإبداعيين يدمجون هذه الأدوات فعليًا في أعمالهم اليومية.
أطلقت OpenAI وشركات أخرى أدوات تعتمد على الأوامر النصية بهدف تقديم بديل أكثر كفاءة لعمليات الإنتاج الإبداعي التقليدية التي تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين في صناعة الأفلام والتصوير والتصميم. بدلًا من قضاء وقت طويل في إنتاج فيديو، يمكن ببساطة كتابة أمر نصي، ليقوم الذكاء الاصطناعي المدرب على مليارات من المحتوى البشري بإنتاجه.
الانحياز المضاد للإبداع في الذكاء الاصطناعي التوليدي
لكن ماذا حدث فعليًا؟
قد تبدو مخرجات الذكاء الاصطناعي من النصوص والصور واقعية ومبهرة. فالأنظمة تتبع التعليمات بدقة وتبدو وكأنها تمنح المستخدمين قدرًا كبيرًا من التحكم.
لكن هناك مشكلة جوهرية. في العمق، هذه الأنظمة مصممة لتقليد ما رأته مسبقًا، خصوصًا في الصور والفيديو. فهي مدربة على مجموعات ضخمة من البيانات البصرية، ويتم مكافأتها على إنتاج نتائج تشبه الأنماط الموجودة في تلك البيانات. لذلك تبدو النتائج واقعية ومألوفة.
لكن لأن الهدف هو إنتاج ما هو مألوف، فإن هذه الأنظمة تقوم بتقليل مساحة الابتكار. وهذا بطبيعة الحال لا يخدم الإبداع الحقيقي. حتى المعايير التي يستخدمها الباحثون لتقييم هذه الأنظمة تميل إلى تفضيل النتائج “الصحيحة” بصريًا بدلًا من النتائج التي تكسر التوقعات أو تقدم شيئًا جديدًا جذريًا.
إضافة إلى ذلك، لا يتم تدريب هذه الأنظمة على كل التنوع البصري في العالم أو كل الإنتاج الفني البشري، بل يتم اختيار البيانات بعناية لتكون نظيفة وواضحة وجذابة بصريًا. وهذا يعني أن النظام لا يتعلم فقط شكل الأشياء، بل يتعلم أيضًا ما يعتبر “جيد المظهر”.
في ورقة بحثية حديثة، أشرت إلى هذه المشكلة التي أسميها “الانحياز المضاد للإبداع”، وهو ميل هذه الأنظمة إلى تفضيل المألوف على حساب الابتكار الحقيقي.
وهذا يفسر لماذا تبدو الكثير من الصور والفيديوهات المنتجة بالذكاء الاصطناعي، رغم اختلاف موضوعاتها، متشابهة في الطابع العام. كما يفسر لماذا لا يعتمدها كثير من الفنانين والمبدعين بشكل واسع، لأن العمل الإبداعي الحقيقي يتطلب تجاوز الحدود لا إنتاج ما هو مقبول فقط.
حدود الاعتماد على الأوامر النصية
هناك مشكلة أخرى أيضًا.
عندما يستخدم شخص الذكاء الاصطناعي لإنشاء صورة أو فيديو عبر أمر نصي، فإنه يعمل ضمن قيود اللغة.
الفنان الذي يريد استخدام هذه الأدوات يجب أن يتعلم كتابة أوامر طويلة ودقيقة تحتوي على الكلمات المناسبة التي تحدد التكوين والألوان والإضاءة والجماليات. ولإنتاج عمل بصري مثير للاهتمام، يحتاج المستخدم إلى مهارة لغوية معقدة تعتمد على التلاعب بالكلمات ودمج أفكار غريبة واستخدام الاستعارات. إنها مهارة مختلفة تمامًا عن الإبداع البصري التقليدي.
كان هذا واضحًا منذ البداية. عندما أطلقت OpenAI نموذج DALL·E 2 في يوليو 2022، عرضت الشركة أمثلة لأوامر مصممة بعناية مثل “آلة إسبرسو تصنع القهوة من أرواح البشر” أو “عالم مجنون على شكل باندا يخلط مواد كيميائية لامعة”.
في هذه الحالات، مصدر الإبداع الحقيقي كان في صياغة الأوامر البشرية نفسها، وليس في الذكاء الاصطناعي. فالإبداع البصري يعتمد على براعة لغوية في المقام الأول، ويضطر المستخدم لتجربة العديد من الصيغ المختلفة للوصول إلى نتيجة مرضية.
الغرق في المحتوى الرديء
ليس من قبيل الصدفة أن تختار قاموس ميريام ويبستر وجمعية اللهجات الأمريكية كلمة “slop” ككلمة العام 2025، في إشارة إلى فيض المحتوى الرقمي الرديء المنتشر عبر الإنترنت، خصوصًا الصور المنتجة بالذكاء الاصطناعي التي تهدف إلى جذب التفاعل لكنها تفتقر إلى القيمة الإبداعية. وهذا يعكس الانحياز المضاد للإبداع، حيث يتعود المستخدمون على نمط بصري واحد يتميز بالمبالغة في التلميع والإضاءة المثالية والتكوين العام “المثالي” ولكن المكرر.
في وقت ما، كان يُنظر إلى فن الذكاء الاصطناعي على أنه شكل ناشئ من الفن المفاهيمي.
في صيف 2019، ضم مركز باربيكان في لندن أعمالًا فنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي في معرض “AI: More Than Human”. وفي نوفمبر من العام نفسه، عرض المتحف الوطني في الصين 120 عملًا فنيًا مدعومًا بالذكاء الاصطناعي، وشاهده أكثر من مليون شخص. وقد كنت من الداعمين لبعض الفنانين الذين استخدموا هذه التكنولوجيا في أعمالهم.
في تلك الفترة، كان إنشاء الفن باستخدام الذكاء الاصطناعي يعتمد على التجريب المستمر. لم تكن النماذج مدربة على مليارات الصور المحمية أو المنسقة من الإنترنت، بل كان الفنانون يدربون النماذج على صورهم الخاصة وإلهامهم الشخصي، بينما يُسمح للذكاء الاصطناعي بالتلاعب بالبكسلات دون قيود لغوية. لم يظهر نمط جمالي موحد، بل كان كل فنان ينتج شيئًا فريدًا يعكس هويته الفنية.
لكن يبدو أن تلك المرحلة المتفائلة انتهت. عندما أصبح توليد الصور محكومًا باللغة، تقلصت قدرته كوسيط فني. والنتيجة أننا أصبحنا أمام تقنية يبدو استخدامها الأنسب اليوم هو الميمات، والرسائل المزعجة، والتزييف العميق، والمحتوى الإباحي.
