بقلم: سكوت فريند وكومار راكيش رانجان
في عالم الأعمال غالبًا ما تتمسك الشركات بالأفكار المتعثرة لفترة طويلة ولا تتراجع إلا بعد ظهور أدلة واضحة على أنها لن تنجح
ومن الأمثلة الحديثة اللافتة على ذلك توجه شركة ميتا نحو الميتافيرس فقد استثمرت الشركة 80 مليار دولار على مدى عدة سنوات ثم أعلنت في مارس 2026 عن تغييرات تخلت إلى حد كبير عن استراتيجيتها الطموحة
لكن في المقابل تتبع العديد من الشركات نهجًا مختلفًا يتمثل في الابتعاد سريعًا عن الفشل بدل التمسك الأعمى بالرؤية فقد أنهت جوجل خدمة الألعاب السحابية Stadia عندما فشلت في تحقيق الانتشار وفضلت إعادة استخدام تقنيتها في مجالات أخرى كما تخلت مرسيدس عن مفهومها في الفورمولا 1 الذي يعتمد على عدم وجود الجوانب الجانبية عندما وصل إلى طريق مسدود تنافسيًا كما تحولت Slack من تطبيق ألعاب فاشل إلى منصة تواصل داخلية واسعة الانتشار في الشركات
ما دفع هذه القرارات لم يكن التسامح مع الفشل بل قدرة القيادات التنفيذية على قراءة إشارات الضعف مبكرًا ومواجهة الأدلة غير المريحة وتغيير المسار قبل تراكم الخسائر وبعبارة أخرى تبني مفهوم الفشل السريع
وبصفتنا أساتذة أعمال ندرس أداء المبيعات وفشلها فإننا نرى أن هذا المفهوم من أهم الأفكار في هذا المجال وأكثرها سوء فهم فهو لا يتعلق بالاحتفاء بالأخطاء أو خفض المعايير كما أنه لا يمنح القادة مبررًا للتخلي عن الدقة أو الاستسلام بسهولة
في جوهره يتعلق الأمر بخلق الظروف التي تسمح بالتعلم الأسرع من خلال بناء انضباط إداري يساعد على إدراك متى يكون المشروع غير مجدٍ والتوقف قبل أن تتفاقم التكاليف الغارقة وإعادة توجيه الموارد المحدودة نحو فرص أكثر وعدًا وهذه استراتيجية يمكن أن تنجح في أي شركة وعلى أي مستوى مهما كانت درجة المخاطرة
نموذج Slack
تستخدم Slack اليوم على نطاق واسع لكن القليل يتذكر أنها تأسست عام 2011 كلعبة متعددة اللاعبين عبر الإنترنت باسم Glitch ولم تحقق النجاح المتوقع فقد أغلقت الشركة التي كانت تعرف باسم Tiny Speck اللعبة في عام 2012 ولكن خلال ذلك اكتشف قادتها قيمة خفية في أداة تواصل داخلية كانوا قد طوروها فقط لتنسيق عملهم
هذا الجانب العملي من المشروع بدا وكأنه أداة يمكن أن تنجح في سوق متنامٍ لبرمجيات تعاون الفرق لذلك غيرت الشركة اتجاهها واستثمرت ما تبقى لديها من رأس مال ومواهب لإطلاق Slack في عام 2013 ومنذ ذلك الوقت أصبحت Slack واحدة من أسرع منصات البرمجيات المؤسسية نموًا في التاريخ مما أدى في النهاية إلى استحواذ Salesforce عليها مقابل 27.7 مليار دولار في عام 2021
غالبًا ما تُروى مثل هذه القصص باعتبارها قصص مثابرة لكنها في الواقع أمثلة على الانسحاب المنضبط ومن الحالات المشابهة اختراع شركة 3M لملاحظات Post it بالصدفة والتي بدأت كعلامات مرجعية مؤقتة لكتب الترانيم وتحول Shopify من بيع ألواح التزلج إلى بناء بنية تحتية للتجارة الإلكترونية وتحول Instagram من تطبيق مزدحم لتسجيل المواقع إلى منصة مركزة لمشاركة الصور
هذه القصص مجتمعة تشير إلى أن النجاح لا يعتمد فقط على الاستمرار بل أيضًا على القدرة على إدراك مبكر أن المسار لم يعد مجديًا وتغييره إلى مسار أفضل
معرفة متى وكيف نتراجع
رغم هذا التاريخ ما تزال ثقافة الأعمال تروج لفكرة أبسط مفادها أن العزيمة هي أساس النجاح
لكن هذا التفكير قد يؤدي إلى ما يعرف بمغالطة التكاليف الغارقة حيث تستمر الشركات في مشاريع غير ناجحة فقط لأنها استثمرت فيها الكثير مسبقًا وهناك أمثلة عديدة على هذا الخطأ مثل رفض Blockbuster عرض شراء من Netflix والاستمرار في نموذج المتاجر التقليدية وتفضيل Kodak حماية أعمالها في الأفلام رغم أنها اخترعت الكاميرا الرقمية واستمرار تمويل مشروع الطائرة الأسرع من الصوت Concorde رغم الأدلة القوية على عدم جدواه التجارية وقد انتهت هذه الشركات جميعًا إلى الإفلاس بعد أن كانت مهيمنة في صناعاتها
التكاليف الغارقة تتعارض مباشرة مع فكرة الفشل السريع لكن الأبحاث تشير إلى أن فوائد هذا النهج تتجاوز التحولات الكبرى في الشركات لتشمل أيضًا القرارات اليومية فدراسات مبيعات الشركات بين الشركات تظهر أن الانسحاب المبكر من الفرص منخفضة الاحتمال يمكن أن يحسن الدافعية والأداء
ومع ذلك هناك شرط أساسي لنجاح هذا النهج وهو أن يمتلك التنفيذيون وموظفو الواجهة الأمامية فهمًا واقعيًا لقدرات الشركة واحتياجات العملاء بدل اعتبار الخروج المبكر خيارًا افتراضيًا غير مدروس
وتشير الأبحاث أيضًا إلى نمط واضح في تطبيق الفشل السريع حيث يتم اتخاذ القرار في ثلاث مراحل رئيسية ويمكن توضيح ذلك من خلال قصة Slack
المرحلة الأولى جمع المعلومات
في هذه المرحلة يتم جمع إشارات تساعد على تحديد ما إذا كان المشروع سينجح أو لا وقد تأتي هذه الإشارات من الملاحظة المباشرة أو من البيانات والهدف هو بناء صورة مبكرة قائمة على الأدلة حول ما إذا كان المشروع يحقق تقدمًا أم لا وفي حالة Slack أدرك الرئيس التنفيذي ستيوارت باترفيلد وفريقه من خلال تجربة المستخدم المباشرة أن لعبة Glitch لم تكن ممتعة كما لاحظوا إشارات أخرى تشير إلى وجود قيود هيكلية تمنع نجاحها على الأجهزة المحمولة
المرحلة الثانية تفسير البيانات
في هذه المرحلة يتم تحليل البيانات المجمعة ودمج الخبرة مع الفهم السياقي والأدوات التحليلية للتمييز بين الأفكار التي تستحق الاستثمار وتلك التي لا تستحق ويمكن استخدام أساليب منظمة مثل مقارنة الأهداف بالمعايير التاريخية لضمان أن التقييم يعتمد على الأدلة وليس على الحدس فقط وفي حالة Glitch قام باترفيلد بدمج الإشارات المبكرة وخلص إلى أن اللعبة لا تستحق المزيد من الموارد رغم التكاليف الكبيرة التي تم إنفاقها
المرحلة الثالثة التنفيذ
وهذه هي المرحلة الأصعب فعندما تشير البيانات والتحليل إلى أن التوقف هو الخيار الأفضل يصبح اتخاذ القرار صعبًا لأن ثقافة العمل غالبًا ما تكافئ الاستمرار حتى عندما لا يكون منطقيًا لذلك يحتاج القادة إلى القدرة على تبرير إعادة توزيع الوقت والمال والجهد وفي حالة Slack قام باترفيلد بإيقاف اللعبة وتحويل التقنية الداخلية إلى منتج جديد وهو Slack مع إعادة صياغة الفشل باعتباره إعادة توجيه استراتيجية للموارد
درس للجميع
هذه الدروس لا تقتصر على عالم المبيعات أو الشركات الناشئة أو شركات التكنولوجيا الكبرى فحسب بل تمتد إلى جميع مجالات الإدارة حيث يواجه المديرون قرارات مشابهة في تطوير المنتجات والشراكات والتوظيف وفي هذه الحالات لا يكون الخطر الحقيقي هو الفشل بحد ذاته بل الفشل المتأخر
وبهذا المعنى تفهم المؤسسات القوية كيفية الفشل بطريقة مصممة مسبقًا أي من خلال تحديد معايير النجاح والفشل في وقت مبكر واختبار الفرضيات بسرعة وتقليل الخسائر قبل أن يتحول الالتزام إلى هدر غير ضروري وهذه مبادئ عامة يمكن تطبيقها في مختلف الصناعات وعلى جميع المستويات
وكما في البحر لا يحاول كل بحار عبور كل الممرات فبعض المياه تختبر القدرة على التحمل بينما تفتح مياه أخرى طرقًا جديدة والبحار الماهر هو من يقرأ الرياح مبكرًا ويغير مساره قبل أن تتشكل العاصفة
وفي عالم الأعمال يواجه القادة الاختيار نفسه فالنمو لا يتحقق بالمثابرة وحدها ولا بالانسحاب العشوائي بل بالقدرة على معرفة متى يتوقف الجهد عن خلق قيمة حقيقية
