بقلم: أبراهام نونبوغو وأبراهام نونبوغو
ثمة تناقض مقلق في صميم التحول العالمي نحو مستقبل أنظف وأكثر خضرة قائم على التكنولوجيا: فالتقنيات الحديثة – من الذكاء الاصطناعي إلى توربينات الرياح، وكذلك الهواتف المحمولة والمركبات الكهربائية وأنظمة الدفاع – تعتمد على معادن حيوية. لكن كثيرًا من المجتمعات التي تُستخرج منها هذه المعادن ينتهي بها الأمر بمياه ملوثة وصحة أسوأ بسبب أنشطة التعدين.
فالليثيوم يشغّل البطاريات، والكوبالت يثبّتها، والنحاس ينقل الكهرباء، والعناصر الأرضية النادرة تجعل توربينات الرياح والأجهزة الرقمية أكثر كفاءة ومتانة. كل هذه العناصر أساسية لتقنيات الثورة الصناعية الرابعة، لكنها أيضًا سامة وتتطلب كميات هائلة من المياه لاستخراجها.
وبصفتنا باحثين في معهد المياه والبيئة والصحة بجامعة الأمم المتحدة، فقد درسنا آثار تعدين المعادن الحيوية على المجتمعات حول العالم. ويُظهر تقريرنا الجديد أن التعدين سيؤدي في النهاية إلى تفاقم أوضاع بعض أفقر سكان العالم إذا لم تتم مراقبة وتنظيم سلاسل إمداد هذه المعادن.
أحدنا من الشرق الأوسط، وهي منطقة لا تزال تعاني من العواقب طويلة الأمد لتزويد العالم بالوقود الذي غذّى الطفرات الاقتصادية في القرن العشرين. والآخر من أفريقيا، القارة التي أصبحت الآن موردًا رئيسيًا للمعادن الحيوية التي تدعم التقدم التكنولوجي في القرن الحادي والعشرين.
وبناءً على خبراتنا وأبحاثنا، نرى أنه ما لم تحدث تغييرات كبيرة في كيفية إدارة الدول والشركات والمجتمعات لهذه المعادن، فإن البشرية تخاطر بإعادة إنتاج مظالم عصر استخراج النفط، ولكن هذه المرة باسم التقدم التكنولوجي الذي يُفترض أن يعالج مشكلات الوقود الأحفوري.
التعدين يفاقم الإفلاس المائي
من أبرز آثار استخراج المعادن الحيوية تأثيره على المياه. ففي عام 2024 وحده، تطلب الإنتاج العالمي من الليثيوم نحو 456 مليار لتر من المياه، وهو ما يعادل الاحتياجات المنزلية السنوية لحوالي 62 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء. وفي الوقت ذاته، يواجه جزء كبير من العالم ما يُعرف بـ«الإفلاس المائي»، حيث يُستخدم من المياه العذبة أكثر مما تستطيع الطبيعة تعويضه، ما يؤدي إلى أضرار بيئية لا يمكن إصلاحها.
وفي مناطق جافة مثل سالار دي أتاكاما في تشيلي، تمثل أنشطة التعدين ما يصل إلى 65% من إجمالي استهلاك المياه الإقليمي، في منافسة مع الزراعة والنظم البيئية. وقد انخفضت مستويات المياه الجوفية، وتقلصت البحيرات المالحة، وأصبحت طبقات المياه العذبة مهددة بشكل متزايد بالنضوب والتلوث.
ويزيد تلوث المياه من تعقيد المشكلة؛ إذ ينتج التعدين كميات كبيرة من النفايات السامة ومياه الصرف التي تحتوي على معادن ثقيلة وأحماض ومخلفات مشعة. فعلى سبيل المثال، قد ينتج عن استخراج طن واحد من العناصر الأرضية النادرة ما يصل إلى 2000 طن من النفايات. وغالبًا ما تُستخرج هذه المعادن عبر إنشاء أحواض ترشيح وإضافة مواد كيميائية لفصل المعادن، وإذا لم تُعالج هذه المخلفات أو تُخزن بشكل صحيح، فإنها تتسرب إلى المياه الجوفية والمجاري المائية، ملوِّثة الأنهار والخزانات الجوفية.
وفي بعض مناطق العالم، أصبحت الأنهار القريبة من مناجم الكوبالت والنحاس شديدة الحموضة لدرجة أن المجتمعات لم تعد قادرة على الشرب منها. كما انهارت الثروة السمكية، وتسممت الأراضي الزراعية. ولم يعد انعدام الأمن المائي أثرًا جانبيًا للتعدين، بل أصبح تكلفة منهجية.
أزمات صحية خفية في سلاسل الإمداد
تفيد المجتمعات القريبة من مواقع الاستخراج بانتشار أمراض جلدية، واضطرابات في الجهاز الهضمي، ومشكلات في الصحة الإنجابية، وأمراض مزمنة مرتبطة بالتعرض طويل الأمد للمعادن الثقيلة في المياه والتربة الملوثة.
وتبرز الأدلة بشكل صارخ في مناطق التعدين بجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث توثق الدراسات معدلات مرتفعة من الإجهاض والتشوهات الخلقية ووفيات الرضع بين السكان المعرضين لبيئات ملوثة بالكوبالت ومعادن أخرى. كما تسجل أقسام الولادة في المناطق القريبة من مواقع التعدين نسبًا أعلى بكثير من العيوب الخلقية مقارنة بالمناطق الأبعد.
وفي المجتمعات المجاورة لعمليات التعدين، تشير روايات السكان إلى أن النساء والفتيات يعانين من مشكلات صحية نسائية، مثل الالتهابات واضطرابات الدورة الشهرية والإجهاض والعقم، نتيجة التعرض المطول للمياه الملوثة، إضافة إلى محدودية الوصول إلى خدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية.
وفي منطقة أنتوفاغاستا في تشيلي، تُعد معدلات الوفيات بسبب السرطان الأعلى في البلاد، حيث تبلغ معدلات سرطان الرئة نحو ثلاثة أضعاف المتوسط الوطني. كما يسجل الأطباء ارتفاعًا في حالات الاضطرابات العصبية والنمائية، ويربطون ذلك بالتعرض المبكر للمياه والهواء الملوثين.
ويُقدّر أن آلاف الأطفال يعملون في مناجم الكوبالت الحرفية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث يتعرضون لغبار الكوبالت ومواد خطرة أخرى دون وسائل حماية.
وتتفاقم هذه المخاطر الصحية بسبب ضعف أنظمة المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية؛ فحتى عام 2024، لم يكن لدى سوى نحو ثلث السكان في جمهورية الكونغو الديمقراطية خدمات أساسية لمياه الشرب.
تكلفة غذائية للتحول في الطاقة
كما تشكل مشكلات المياه الناتجة عن استخراج المعادن الحيوية تهديدًا كبيرًا للأنظمة الغذائية المحلية. ففي بيرو، أدى تعدين الزنك إلى تلوث حوض نهر كوناس، حيث تلوثت المياه المستخدمة في ري المحاصيل وسقي الماشية.
وفي منطقة أويوني في بوليفيا، أدى تعدين الليثيوم إلى نقص مستمر في المياه، ما يجعل زراعة الكينوا – وهي محصول أساسي في الغذاء والاقتصاد المحلي – أكثر صعوبة. وعلى امتداد «مثلث الليثيوم» الذي يشمل الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا، أدى التعدين إلى تقليص المياه المتاحة للزراعة والثروة الحيوانية.
وتظهر أنماط مشابهة في أجزاء من جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا، حيث ساهم تلوث الأنهار في تراجع الثروة السمكية ومرض الماشية، ما يضر بالأسر التي تكافح بالفعل لتأمين غذائها.
سبل حماية مجتمعات التعدين
يمكن للابتكار والتقدم التكنولوجي أن يحققا فوائد كبيرة، لكن تحقيق تحول عادل ومستدام في الطاقة والرقمنة يتطلب إجراءات مقصودة لتجنب خلق «مناطق تضحية» تُستبدل فيها رفاهية الإنسان والبيئة بالتقدم التكنولوجي.
ومن بين الخيارات المطروحة تعزيز الحوكمة الدولية عبر الانتقال من الإرشادات الطوعية إلى قواعد ملزمة، مثل المعاهدات، وقوانين العناية الواجبة في سلاسل الإمداد، ومعايير بيئية وحقوقية إلزامية لعمليات التعدين، وربما إنشاء صندوق عالمي للمعادن يدير هذه الموارد بوصفها أصولًا مشتركة للبشرية، بما يحسن حماية المياه والسيطرة على التلوث وحقوق الإنسان.
كما يمكن للشركات الاستثمار في تقنيات تعدين أقل استهلاكًا للمياه، ويمكن للدول تشديد ضوابط مياه الصرف وتوسيع نطاق المراقبة البيئية المستقلة. كما أن منح المجتمعات المحلية والسكان الأصليين صوتًا أقوى وحصة عادلة في الفوائد ومشاركة حقيقية في إدارة الموارد يمكن أن يعيد التوازن في توزيع السلطة والمخاطر.
وعلى صعيد الاستهلاك، فإن إطالة عمر المنتجات، وتوسيع إعادة التدوير، وتقليل الاعتماد على المعادن المستخرجة حديثًا يمكن أن يخفف الضغط على المناطق التي تعاني من شح المياه.
بالنسبة لمستخدمي هذه التقنيات، غالبًا ما تبقى التكاليف الاجتماعية والبيئية الكامنة في سلاسل إمداد المعادن الحيوية بعيدة عن الأنظار. إن جعل هذه الآثار مرئية يمكن أن يساعد المستهلكين على اتخاذ قرارات واعية وممارسة رقابة أكبر على ممارسات الشركات.
المعادن الحيوية ضرورية لدفع الاستدامة قدمًا. لكن إذا بُنيت التقنيات النظيفة بطرق تؤدي إلى أنهار ملوثة وأطفال مرضى ومجتمعات مهمشة، فإن هذا التحول سيقصر عن الوفاء بوعوده.
