بقلم: كريستينا شيا، كريستيان فان نيوفيربورغ وكيم كاميرون
من المرجح أنك ستتعرف على القادة السامين عندما تصادفهم. فهم أولئك الذين يغيّر وجودهم أجواء المكان، والذين تثير رسائلهم الإلكترونية شعورًا بعدم الارتياح، أو الذين يحدّ سلوكهم من تفكير الآخرين. غالبًا ما يقاطعون الآخرين، ويتجاهلون المساهمات بشكل متكرر، ويعيقون نمو الآخرين. وعلى الرغم من أن هذا السلوك يُنظر إليه أحيانًا على أنه مؤسف لكنه مقبول، فإن أثره على رفاه الموظفين مدمّر تدريجيًا.
تشكل القيادة ليس فقط ما يفعله الناس، بل أيضًا كيفية تجربتهم لعملهم وكيف ينظرون إلى أنفسهم. وبعبارة أخرى، القادة مسؤولون عن البيئات النفسية التي يخلقونها. وقد أبرزت الأبحاث أن القيادة تُعد عاملًا محوريًا في التأثير على رفاه الموظفين.
للأسف، يذكر معظم الموظفين أنهم مرّوا بتجربة مع مدير سام واحد على الأقل في مرحلة ما. وحتى القادة ذوو النوايا الحسنة قد ينخرطون أحيانًا في سلوكيات سامة تقلل من قيمة الآخرين.
تُظهر أبحاثنا الجديدة تراجعًا واضحًا في جميع أبعاد رفاه الموظفين الذين يعملون تحت قيادة قادة سامين. وقد كشفت نتائج 273 موظفًا عن تأثيرات سلبية على المشاعر، والانخراط في العمل، والعلاقات، والمعنى، والإنجاز. وكانت أكثر التأثيرات وضوحًا على العقلية والصحة الجسدية، حيث أفاد الموظفون بأنهم يشعرون بمتعة أقل في العمل وإحساس أقل بالهدف.
من منظور نفسي، فإن هذه النتائج مقلقة. فالمشاعر الإيجابية، والانخراط، والعلاقات الصحية، والمعنى، والإنجاز، تُعد عناصر أساسية لازدهار الإنسان. وبدونها، يصبح العمل شيئًا يُحتمل بدلًا من أن يكون بيئة للنمو.
ونادرًا ما تبقى هذه التجارب محصورة داخل العمل؛ إذ تميل إلى التأثير على جوانب أوسع من الحياة. وقد وُجد أن سعادة الموظفين تؤثر على أرباح الشركات؛ حيث أظهر تحليل أن الموظفين الذين يشعرون بالبهجة في العمل حققوا مبيعات أعلى بنسبة 25% لكل ساعة.
في الواقع، تشير الأبحاث إلى أن تلبية الاحتياجات العاطفية، والشعور بالتقدير، والقيام بعمل ذي معنى، قد تكون مؤشرات أقوى للأداء من الأجر نفسه.
كيف تنتشر الطاقة السامة
يسهم القادة في تشكيل طاقة بيئة العمل من خلال تفاعلاتهم اليومية عبر ما يُعرف بـ""العدوى العاطفية"". وهي العملية التي تنتقل فيها المشاعر والحالات المزاجية بين الأشخاص من خلال التفاعل اليومي. وعندما تكون هذه الطاقة سامة، فإنها يمكن أن تنتشر عبر الفرق والمؤسسات، مؤثرة في طريقة شعور الناس وتفاعلهم مع بعضهم البعض.
والخبر الجيد أن العدوى العاطفية تعمل في الاتجاهين. فقد درست أبحاثنا أيضًا ما يُعرف بـ""القيادة المُحفِّزة للطاقة الإيجابية"". وهي طريقة لفهم القيادة كقوة تعزز قدرات الآخرين. ويمكن للقادة الذين يبثّون طاقة إيجابية أن يحققوا نتائج استثنائية ويقودوا إلى مخرجات إيجابية في بيئة العمل.
يمكن تعريف هؤلاء القادة من خلال بُعدين. الأول هو ""الطاقة التفاعلية"" – وهي الطاقة التي تنشأ من خلال التفاعل. على سبيل المثال، مدير يرحب بأعضاء فريقه ويسألهم عن عطلة نهاية الأسبوع، ويستمع لإجاباتهم ويتذكرها في الأسبوع التالي، يمكنه أن يولّد في ثلاث دقائق طاقة تفاعلية أكبر من قائد يرسل عشرات الرسائل الإلكترونية خلال يوم كامل.
وعلى عكس الطاقة الجسدية، يمكن خلق الطاقة التفاعلية ومشاركتها عبر الانتباه والتواصل والحضور.
أما البعد الثاني فهو السلوك الفاضل، ويشمل التعبير عن الامتنان، وإظهار النزاهة، وتقديم الدعم، ومعاملة الآخرين باحترام. ويُعد تخصيص وقت للاستماع للزملاء طريقة قوية لبناء التواصل وتعزيز العلاقات.
بالنسبة للقادة، هناك ثلاث دلالات عملية أساسية. الأولى هي التعامل مع التفاعلات على أساس كيف يمكن أن تساعد الشخص الآخر على الشعور بالكفاءة والتقدير. الثانية هي الاهتمام بالرفاه الشخصي للقائد نفسه. والثالثة هي طلب التغذية الراجعة حول الأثر الذي يتركه، من خلال سؤال الموظفين كيف يمكن أن يصبح قائدًا أفضل ويعزز رفاههم. هذه المعلومات تساعد على تحسين وتطوير مهارات القيادة.
أما بالنسبة للموظفين الذين يعملون تحت قيادة سامة، فالوضع أكثر صعوبة. ومع ذلك، هناك بعض الأمور الممكنة. حيث يمكن، كلما أمكن، البحث عن مصادر طاقة علاقات إيجابية من مصادر أخرى مثل الزملاء الداعمين أو الفرق الأخرى، إذ يمكن أن يخفف ذلك من أثر القيادة السامة.
ومن المفيد أيضًا تخصيص وقت للتعافي وممارسات بسيطة للعناية بالصحة النفسية خارج بيئة العمل. وأخيرًا، يمكن التفكير في طرح المخاوف عبر أشخاص موثوقين مثل المدربين أو المرشدين أو موظفي الموارد البشرية. ومن المهم التقييم بصدق حول القدرة على الاستمرار في الأداء والرفاه تحت قيادة سامة.
تتجسد القيادة في لحظات يومية بسيطة. ففي كل تفاعل، يساهم القادة في خلق بيئة إما تساعد الناس على الازدهار أو تجعلهم يشعرون بالإنهاك. وهذه اللحظات هي التي تحدد ما إذا كانت أماكن العمل ستصبح فضاءات لتحقيق الإمكانات، أم مجرد أماكن يجب تحمّلها.
