بقلم: فابيان ستيفاني
منذ وقت ليس ببعيد، إذا كنت بحاجة إلى تنقيح خطاب، أو ترجمة مستند، أو تصميم شعار، فمن المرجح أنك كنت ستلجأ إلى توظيف مستقل عبر الإنترنت. ملايين الأشخاص فعلوا ذلك بالضبط. توجهوا إلى منصات مثل Fiverr وUpwork ودفعوا لشخص ما (ربما في الطرف الآخر من العالم) لإنجاز المهمة. في عام 2023، قُدّر عدد العاملين في الاقتصاد الحر عبر الإنترنت بما يتراوح بين 154 مليونًا و435 مليونًا عالميًا، ما قد يمثل نحو 12.5% من قوة العمل العالمية.
اليوم، ومع ذلك، يفعل كثيرون شيئًا مختلفًا. يفتحون ChatGPT. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي يؤدي دور محرر النصوص، والمترجم، والرسام، ومساعد البحث في آن واحد. يمكنه تلخيص تقرير في ثوانٍ، وكتابة منشورات لوسائل التواصل الاجتماعي، وإنشاء عرض تقديمي، أو إنتاج شعار بسيط بتكلفة تكاد تكون معدومة.
فماذا حدث للمستقلين الذين كانوا يقومون بهذه الأعمال؟ بعضهم يواجه صعوبات. لكن، وربما بشكل مفاجئ، هناك آخرون يحققون أداءً أفضل من أي وقت مضى.
لقد انخفض الطلب والأجور في بعض أنواع العمل الحر عبر الإنترنت. كانت الترجمة، وكتابة المحتوى الأساسية، والتصميم الجرافيكي البسيط الأكثر تضررًا. ووفقًا لإحدى الدراسات، انخفض الطلب على الكُتّاب المستقلين بنسبة تصل إلى 30% بعد ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتشير أبحاث أخرى إلى أن المستقلين الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي شهدوا انخفاضًا في أرباحهم بنسبة تصل إلى 14%.
ومع ذلك، هناك أيضًا أدلة على أن العديد من المستقلين يزدهرون. إذ تشير منصة Upwork إلى أن العقود ذات القيمة الأعلى – التي تتجاوز 1000 دولار – قد زادت في مجالات متعددة بعد ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي. كما أن المستقلين الذين يمتلكون مهارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي يحققون دخلًا أعلى بنحو 40% مقارنةً بنظرائهم الذين لا يمتلكون هذه المهارات.
كيف يمكن أن يكون الأمران صحيحين في الوقت نفسه؟ تصبح الإجابة أوضح عندما نتوقف عن التفكير في “المستقلين” كمجموعة واحدة، وننظر بدلًا من ذلك إلى المهام والمهارات التي يؤدونها.
بعض أنواع العمل الحر شديدة “التسليع” (أي قابلة للتوحيد والمعيارية). وهي تتكون من مهام محددة بدقة، ومتكررة، يمكن وصفها بوضوح ومقارنتها بسهولة. مثل ترجمة مستند، أو تلخيص تقرير، أو صياغة بيان صحفي، أو تصميم شعار بسيط. هذه هي بالضبط المهام التي يجيدها الذكاء الاصطناعي التوليدي، لأنها تعتمد على الأنماط والقوالب والتعليمات المتوقعة. وكلما اقترب عمل المستقل من هذه المهام، زادت احتمالية تعرضه للضغط.
لكن هناك مستقلين آخرين لا يبيعون مهارة ضيقة واحدة، بل يقدمون حزمة أكثر تعقيدًا من الخبرة. فالمترجم القانوني، على سبيل المثال، لا يكتفي بتحويل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل يفهم المصطلحات القانونية، والفروق الثقافية، ومخاطر الخطأ في الصياغة. وبالمثل، يجمع مستشار العلامة التجارية بين التصميم وبحوث السوق وعلم نفس المستهلك. وقد يستخدم مطور البرمجيات الذكاء الاصطناعي لتوليد الشيفرة، لكنه لا يزال بحاجة إلى فهم مشكلة العميل لتحديد الحل المناسب.
هؤلاء العاملون يمكنهم استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة الأجزاء المتكررة من أعمالهم، مع التركيز على الجوانب التي لا يزال العملاء يقدّرونها أكثر: الخبرة، والحكم المهني، والثقة.
من العمل عبر الإنترنت اليوم إلى المكاتب غدًا
هذه القضية لا تقتصر على منصات العمل الحر عبر الإنترنت. فأسواق العمل الرقمية غالبًا ما تعمل كنظام إنذار مبكر للاقتصاد الأوسع. هذا النوع من العمل أكثر اعتمادًا على المعاملات وأقل حماية بالمؤسسات التي تشكّل التوظيف التقليدي (مثل العقود طويلة الأجل، ومسارات الترقية الداخلية، والنقابات). وبما أن المهام تُعرض وتُشترى وتُنجز في سوق مفتوحة، فإن التغيرات التكنولوجية تظهر فيها أسرع مما يحدث في أماكن العمل التقليدية.
ما يحدث اليوم على منصات مثل Fiverr أو Upwork قد يحدث في المكاتب غدًا.
وهذا بدأ يظهر بالفعل في مكاتب المحاماة، وشركات الاستشارات، ووكالات التسويق. إذ يقضي كثير من الموظفين المبتدئين جزءًا كبيرًا من وقتهم في تلخيص المستندات، وإعداد العروض التقديمية، وصياغة التقارير، أو إجراء بحوث أساسية — وهي مهام يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها.
وتشير الأدلة الحديثة من سوق العمل في الولايات المتحدة إلى أن الموظفين الأصغر سنًا والأقل خبرة هم الأكثر تأثرًا بهذا التحول. في المقابل، يميل الموظفون الأكثر خبرة إلى أداء أعمال أكثر تعقيدًا، تجمع بين المعرفة التقنية والخبرة والتفاعل الإنساني.
لذلك، لا ينبغي أن يكون الرد هو منافسة الذكاء الاصطناعي في الأمور التي يتفوق فيها بالفعل. بدلًا من ذلك، يحتاج العاملون إلى تطوير أشكال أعمق من الخبرة، ودمج المهارات بطرق يصعب أتمتتها.
وهذا لا يخدم العاملين فحسب، بل المنصات أيضًا. فـ Fiverr وUpwork وغيرها تعد العملاء بتقديم عمل عالي الجودة بكفاءة. ومع تزايد أتمتة المهام الروتينية، ستعتمد هذه المنصات بشكل أكبر على العاملين القادرين على تقديم ما يتجاوز الخدمة المعيارية.
وهذا يعني أن على هذه المنصات أن توفر بشكل نشط دورات لتطوير المهارات، وموارد تدريبية، وإرشادات حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية. كما يمكنها تقديم “شهادات مصغّرة” توثق المهارات المكتسبة حديثًا، وهي أدوات ثبت أنها تساعد العاملين على دخول أسواق العمل الرقمية وزيادة دخلهم.
التحدي، إذن، ليس في منع الناس من استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في ضمان ألا يُحبس العاملون داخل أنماط عمل ضيقة ومقننة وسلعية إلى درجة يسهل أتمتتها.
قد يعتمد مستقبل العمل — سواء عبر الإنترنت أو داخل المكاتب — ليس على ما إذا كنا نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل على ما إذا كانت وظائفنا قابلة للاختزال إلى شيء يمكن للذكاء الاصطناعي تقليده بسهولة.
