القائمة الرئيسية

هل ينبغي للحكومة تشجيع العمل من المنزل لتوفير الوقود؟

هل ينبغي للحكومة تشجيع العمل من المنزل لتوفير الوقود؟
ملخص المقال

يناقش مقال على موقع The Conversation بقلم دورينا بوجاني دور العمل من المنزل كأداة محتملة للتخفيف من آثار أزمة الوقود العالمية، موضحًا أن بعض الدول تبنّت سياسات العمل عن بُعد أو تقليل أيام العمل لتقليل استهلاك الوقود، بينما ظل تبنّي هذه الإجراءات متفاوتًا في دول أخرى. ويستعرض المقال الأدلة التي تشير إلى أن العمل من المنزل يمكن أن يقلل الاعتماد على السيارات، ويخفض الازدحام والانبعاثات، ويوفر فوائد اقتصادية وصحية للأفراد، مثل تقليل تكاليف التنقل وزيادة النشاط اليومي ودعم الاقتصاد المحلي. لكنه يلفت في المقابل إلى أن هذه الفوائد ليست مضمونة، إذ قد تُقوّضها أنماط التخطيط الحضري الحالية، أو سلوكيات مثل زيادة الرحلات غير المرتبطة بالعمل، أو الانتقال إلى ضواحٍ أبعد، مما قد يعيد رفع الاعتماد على السيارات. كما يناقش آثارًا جانبية مثل الضغط على الأسر وتراجع جدوى النقل العام. ويخلص المقال إلى أن تحقيق تأثير ملموس يتطلب تطبيق العمل من المنزل على نطاق واسع—نحو ثلاثة أيام أسبوعيًا—مع تدخل سياساتي أكثر إلزامًا، معتبرًا أنه رغم التحديات، يظل خيارًا واعدًا لتقليل استهلاك الوقود وتخفيف الأعباء البيئية والاقتصادية.

بقلم: دورينا بوجاني

أدّت أزمة الوقود الحالية، التي أشعلتها الحرب في الشرق الأوسط، إلى دفع الدول لاتخاذ استجابات مختلفة لضمان إمداداتها من الوقود.

ومن بين الإجراءات الشائعة توجيه الناس للعمل من المنزل لتوفير الوقود. فقد اعتمدت العديد من الدول في آسيا، بما في ذلك إندونيسيا وباكستان وفيتنام وتايلاند وسريلانكا، ومؤخرًا ماليزيا، سياسات العمل عن بُعد لبعض الموظفين أو تطبيق أسابيع عمل من أربعة أيام.

في المقابل، لم تُظهر الحكومة الأسترالية حماسًا كبيرًا لتبني إجراءات مماثلة، رغم وصف وزير الطاقة كريس بوين للعمل عن بُعد بأنه «أمر منطقي».

لكن ماذا تقول الأدلة حول جدوى فرض الحكومات العمل من المنزل—ولو ليوم واحد أسبوعيًا؟ الإجابة المختصرة هي «نعم، بشروط»، إذ توجد عوامل عديدة ينبغي أخذها في الاعتبار.

تقليل الاعتماد على السيارات

تُعد هذه أزمة النفط الثالثة منذ بداية العقد. وكانت إحدى الأزمتين السابقتين نتيجة للحرب أيضًا، وهي الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022.

ومن الجوانب الإيجابية لهذه الأزمات أنها قد تساعد في تقليل اعتماد الناس على السيارات. فقد دعا مخططو المدن لعقود إلى تقليل الاعتماد على السيارات، لكن دون نجاح يُذكر.

وتُظهر أبحاث أُجريت في كوينزلاند أن السكان المحليين مرتبطون بشدة بالقيادة والبنية التحتية للطرق. وفي الظروف العادية، نادرًا ما يتخلى الناس طوعًا عن استخدام السيارات أو يقللونه.

ومع ذلك، حتى في هذه الثقافة المرتبطة بالسيارات، ارتفعت معدلات ركوب الدراجات خلال الجائحة، كما زاد استخدام النقل العام بعد خفض الأسعار بشكل دائم إلى 50 سنتًا.

وهذا يشير إلى أن الإجراءات الجذرية أو الظروف الاستثنائية يمكن أن تغيّر العادات الراسخة.

لكن ماذا عن العمل من المنزل؟ لنلقِ نظرة أقرب على الأدلة، استنادًا إلى مراجعة منهجية للدراسات الأكاديمية.

الإيجابيات

يرتبط العمل من المنزل بالعديد من الفوائد البيئية والاجتماعية والاقتصادية، كما أن الكثيرين اعتادوا عليه، والبنية التحتية الرقمية متوفرة (إلى حد كبير).

يمكن أن يؤدي العمل من المنزل إلى تقليل حركة المرور، ما يحسن كفاءة استهلاك الوقود ويقلل من الملوثات والانبعاثات المرتبطة بالنقل. ومن منظور بيئي، يُعد العمل عن بُعد خيارًا جيدًا للمدن والمناطق التي تعاني من التلوث والازدحام.

وفي الضواحي التي تتوفر فيها خدمات ومرافق كافية، قد يدفع العمل من المنزل الناس إلى دعم الأعمال المحلية القريبة بدلًا من التسوق قرب أماكن عملهم. وقد يعزز ذلك رفاه المجتمع والصحة العامة.

كما أن العمل عن بُعد قد يزيد من الأنشطة الحركية في الحياة اليومية، مثل المشي داخل الحي لتناول الغداء، ما يسهم في تحسين الصحة العامة وتقليل النفقات الصحية.

ومن الناحية المالية، يساعد تجنب التنقلات الطويلة على تقليل تكاليف صيانة السيارات ومواقف العمل والرسوم والتأمين. كما يمكن استثمار الوقت والمال اللذين كانا يُهدران في الازدحام في أنشطة إنتاجية أو ترفيهية.

كذلك، فإن توزيع حركة المرور على مدار اليوم بدلًا من تركيزها في ساعات الذروة يساعد المدن على استخدام بنيتها التحتية بكفاءة أكبر.

السلبيات

تحقيق الفوائد المحتملة للعمل من المنزل ليس أمرًا بسيطًا، لأن أنماط التخطيط الحضري الحالية لم تُصمَّم لهذا النمط من العمل.

فالمدن الأسترالية—مثلًا—مقسّمة إلى مناطق منفصلة للسكن والعمل والخدمات والتسوق والترفيه، وغالبًا ما تكون متباعدة.

وفي الوقت الحالي، تقتصر المناطق التي توفر مزيجًا جيدًا من الاستخدامات على أحياء داخلية مرتفعة التكلفة، ما يجعل الاستفادة الكاملة من العمل من المنزل متاحة بشكل أكبر للفئات الميسورة.

أما في الضواحي البعيدة، فقد تُلغي التغييرات في نمط الحياة أي مكاسب، إذ قد يستخدم الناس الوقت الذي وفّروه من التنقل في رحلات أطول وأكثر تكرارًا بالسيارة لأغراض أخرى. كما قد يظهر ما يُعرف بـ«الطلب المستحث»، حيث يؤدي تحسن حركة المرور إلى زيادة استخدام السيارات، مما يمحو الفوائد البيئية الأولية.

علاوة على ذلك، إذا انتقل الموظفون إلى ضواحٍ أبعد بحثًا عن سكن أرخص بفضل العمل عن بُعد، فقد تصبح رحلاتهم المتبقية أطول. وقد تنتقل أيضًا الأنشطة التجارية من مراكز المدن إلى الضواحي، ما يزيد من الاعتماد على السيارات.

وفي النهاية، قد يؤدي ذلك إلى زيادة التلوث وارتفاع تكاليف البنية التحتية.

كما قد يزيد العمل من المنزل من الضغط على الآباء ومقدمي الرعاية، الذين يضطرون للتوفيق بين العمل والمسؤوليات الأسرية في نفس المكان.

وأخيرًا، إذا زاد عدد العاملين من المنزل بشكل كبير، فقد ينخفض الطلب على وسائل النقل العام، ما يهدد استدامتها المالية. وفي هذا السيناريو، قد يكون النقل العام أكبر الخاسرين.

الخلاصة

لا يتحقق انخفاض حقيقي في التنقل—يكفي لإحداث فرق في استهلاك الوقود—إلا عندما يعمل معظم الموظفين من المنزل ثلاثة أيام على الأقل في الأسبوع.

ولا ينبغي لصنّاع السياسات الاكتفاء بتشجيع العمل من المنزل أو استخدام النقل العام، بل ينبغي إلزام الشركات بالسماح بالعمل عن بُعد عندما لا تتطلب الوظيفة الحضور المباشر.

صحيح أن هذا النهج لا يناسب الجميع وله سلبياته، لكن مع توقع استمرار ارتفاع أسعار الوقود حتى لو انتهت الحرب فورًا، فإن زيادة العمل عن بُعد يمكن أن تخفف عبء القيادة، سواء على البيئة أو على ميزانيات الأفراد.

المصدر

مقالات ذات صلة