بقلم: إيوليانا هارتيسكو
ربما كان الأرق يعذّب البشر منذ العصور القديمة، لكن خلال العشرين عامًا الماضية أحرز العلماء تقدمًا ملحوظًا في فهمهم للحرمان المزمن من النوم.
اليوم، يُعدّ الحرمان من النوم أحد أكثر المشكلات النفسية شيوعًا في بريطانيا، إذ يفيد نحو ثلث البالغين في إنجلترا بأنهم يعانون أعراض أرق متكررة.
نادرًا ما يحدث الأرق بمفرده، وهنا يظهر أحد أكبر التحولات في فهم العلماء للحرمان المزمن من النوم. فالغالبية العظمى من المصابين بالأرق يعانون أيضًا حالات صحية نفسية أو جسدية أخرى، مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، والألم المزمن، وأمراض الغدة الدرقية، ومشكلات الجهاز الهضمي، والقلق أو الاكتئاب.
في التاريخ التشخيصي، كان الأرق المصحوب بمرض أو اضطراب آخر يُسمّى «الأرق الثانوي»، أي أنه كان يُنظر إليه بوصفه نتيجة لحالات أخرى كامنة. وبناءً على ذلك، لم يكن الأطباء—حتى وقت قريب نسبيًا—يسعون عادةً إلى علاج الأرق الثانوي بشكل مباشر.
لكن في أوائل الألفية الجديدة، بدأت الأدلة البحثية والسريرية تشير إلى أن هذا النهج غير صحيح. فقد جادل العلماء بأن الأرق قد يسبق المرض الأساسي أو يستمر لفترة طويلة بعده. وكان التخلي عن هذا التمييز بين الأرق الأولي والثانوي تقدمًا كبيرًا، إذ أقرّ بأن الأرق غالبًا ما يكون اضطرابًا مستقلًا يتطلب علاجًا خاصًا به.
علاوة على ذلك، تراكمت أدلة قوية على أن مساعدة الأشخاص في تحسين نومهم يمكن أن تؤدي إلى تحسّن في حالاتهم الصحية الأخرى. فقد يتحسن الألم المزمن، وفشل القلب المزمن، والاكتئاب، والذهان، والاعتماد على الكحول، والاضطراب ثنائي القطب، واضطراب ما بعد الصدمة عندما يُعالج الأرق.
من الأكثر عرضة للإصابة بالأرق؟
خلال العقدين الماضيين، حصلنا على بيانات أكثر دقة وعالمية تُظهر مدى انتشار الأرق. فهو يصيب تقريبًا الجميع، لكن النساء وكبار السن وذوي الوضع الاجتماعي-الاقتصادي المنخفض أكثر عرضة له.
تواجه هذه الفئات مزيجًا من عوامل الخطر البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تجعلها أكثر عرضة لاضطرابات النوم طويلة الأمد. فعلى سبيل المثال، تمرّ النساء بتقلبات هرمونية حادة، والحمل والولادة، والرضاعة، وانقطاع الطمث، وقد يتعرضن للعنف الأسري، ويتحملن أدوار الرعاية، إضافة إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق—وكلها عوامل تزيد من احتمالات اضطراب النوم.
تشمل بعض القضايا البحثية الحالية الحاجة إلى فهم الأنواع المختلفة لأعراض الأرق وعلاقتها بالمخاطر الصحية والأداء. فمثلًا، تشير الأدلة إلى أن صعوبة بدء النوم (مقارنة بصعوبة الاستمرار فيه أو الاستيقاظ المبكر) ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب. كما لا يزال العلماء يدرسون التغيرات المصاحبة للأرق، مثل نشاط الدماغ، ومعدل ضربات القلب، وهرمونات التوتر. وكما هو الحال مع معظم اضطرابات الصحة النفسية، لم يتم بعد تحديد مؤشرات حيوية (biomarkers) خاصة بالأرق.
مع ذلك، ساعدتنا الأبحاث في فهم بعض الإجراءات التي يمكن أن تمنع تطور نوبات الأرق إلى أرق مزمن يصعب علاجه. فعندما تحدث أعراض الأرق في معظم الليالي وتستمر لأكثر من ثلاثة أشهر، يمكن تشخيص الحالة على أنها «اضطراب الأرق» أو الأرق المزمن.
من أكثر العادات شيوعًا وضررًا خلال فترات الأرق الاستلقاء في السرير ومحاولة النوم. فقد تبيّن أن البقاء مستيقظًا في السرير يؤدي إلى حالة دائمة من الاستثارة الذهنية، ومع مرور الوقت يعلّم الدماغ عدم ربط السرير بالنوم.
لذلك، إذا لم تستطع النوم ليلًا، انهض وقم بنشاط بسيط لكنه مهدّئ—مثل القراءة، أو كتابة قائمة لليوم التالي، أو الاستماع إلى موسيقى هادئة، أو ممارسة تمارين التنفس. وعندما تشعر بالنعاس، عد إلى السرير. وإذا شعرت بالتعب في اليوم التالي، فلا بأس بقيلولة قصيرة بعد الظهر لا تتجاوز 20 دقيقة. لكن ينبغي الحذر من النوم نهارًا، لأنه قد يقلل من الشعور بالنعاس ليلًا ويزيد صعوبة النوم.
العلاج وخياراته
بالنسبة لمن يعانون الأرق، توجد علاجات فعّالة موصى بها. وتُظهر قصة التحول من «الأرق الثانوي» إلى «اضطراب الأرق» قوة التشخيص السريري في فتح الطريق نحو العلاج المناسب.
يُعدّ العلاج السلوكي المعرفي للأرق (CBTI) مجموعة من التقنيات المصممة لزيادة الشعور بالنعاس وقت النوم، ويتضمن خطوات منظمة تهدف إلى تعديل السلوك والنشاط الذهني. وهناك عوامل قد تتنبأ بنجاح العلاج، مثل قِصر مدة الأعراض (سنوات بدلًا من عقود)، وانخفاض مستويات الاكتئاب أو الألم، ووجود توقعات إيجابية تجاه العلاج. ومع ذلك، يظل هذا العلاج فعّالًا على نطاق واسع لمختلف المصابين بالأرق.
رغم ذلك، فإن نسبة ضئيلة جدًا من الأشخاص الذين يعانون أعراض الأرق يطلبون المساعدة الطبية. فقد يعتبر البعض الأرق مشكلة بسيطة أو قابلة للتحمل، أو قد يجهلون الخيارات العلاجية المتاحة، أو قد يعود ذلك إلى نقص توفر هذه العلاجات. فالعلاج السلوكي المعرفي للأرق لا يزال محدود الانتشار في الممارسة السريرية، بسبب عدم إلمام الأطباء به ونقص التمويل.
وهذا يدفع المرضى نحو استخدام الحبوب المنوّمة، التي لا تُعدّ حلًا مناسبًا على المدى الطويل. إذ ترتبط هذه الأدوية بضعف إدراكي وحركي ملحوظ، وزيادة خطر السقوط، والاعتماد الدوائي، والتحمّل، وأعراض الانسحاب، إضافة إلى الخمول النهاري والدوخة والصداع.
أما الفئة «الجديدة» نسبيًا من أدوية النوم فهي مضادات مستقبلات الأوركسين المزدوجة (DORAs)، التي أظهرت مستوى أمان أفضل من المهدئات التقليدية، خاصة فيما يتعلق بالاعتماد. ومع ذلك، فهي ليست خالية من المخاطر، ولا تُعدّ أدوية «خفيفة». كما أنها حديثة نسبيًا في السوق، إذ أُجيز استخدامها في المملكة المتحدة عام 2022، ولا تزال البيانات طويلة الأمد حول سلامتها محدودة.
بديل مناسب هو العلاج السلوكي المعرفي الذاتي عبر الإنترنت، من خلال منصات مثل Sleepful، والتي يمكن الوصول إليها مجانًا.
لقد أحرزنا تقدمًا كبيرًا في طب النوم خلال العشرين عامًا الماضية فيما يتعلق بالأرق، لكن التحدي الآن هو الاستفادة من هذه التطورات عبر توفير الدعم والعلاج المناسبين لمن يعانون منه.
